عالمي دولي

الأربعاء,12 أغسطس, 2015
الصعيدي الذي كاد أن يتسبب في إسلام إمبراطور اليابان!

الشاهد _ “وحسبي شرفًا أنّها رحلة أوّل مصري وطئت قدمه تلك الأرض من قديم الزمان إلى الآن”

يُقال إنّ أوّل عربي وطئت قدماه أرض اليابان، كان مصريًا صعيديًا. وإنّه، وقليل سبقوه، من أوائل المسلمين الذين اتصلوا بشعب هذا الأرخبيل الواقع أقصى مشارق الأرض على مسافة أكثر 10 آلاف كيلومتر عن مصر. وكان ممن لهم كبير الأثر الإسلامي هُناك.

هذا الصعيدي المصري العربي المُسلم، يُدعى علي الجرجاوي. دعونا نتعرف عليه وعلى رحلته إلى اليابان في هذا التقرير.

 

تفاصيل عن ابن جرجا السوهاجي

 

علي أحمد علي القرعاني الجرجاوي. أو الشيخ علي الجرجاوي، أو الشاعر أو الرحّالة إن شئت، فكلها ستدلك على ابن قرية أم القرعان بمركز جرجا التابع لمحافظة سوهاج بصعيد مصر. وكما هو واضح، فقد لُقّب بالقرعاني نسبة إلى قريته أم القرعان وبالجرجاوي نسبة إلى مدينته جرجا كما هو واضح.

لا يُعرف على وجه التحديد متى وُلد، لكن يُقدر بناءً على أهم مراحل سيرته الذاتية، أنّ ولادته كانت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، فيما كانت منيّته في عام 1961. في السنين الأوُلى من حياته، وكما جرت العادة آنذاك ولفترة طويلة لاحقة، انتظم في الكُتاب بقريته أم القرعان، وفيه تلقى تعليمه الأوّل للقراءة والكتابة وحفظ القرآن، مع نتف من العلوم الدينية.

تشتهر جرجا بمعهدها الأزهري العتيق، الذي يعود إنشاؤه إلى عام 1596. ومن هُنا فقد اشتهرت هذه المدينة بعلماء الأزهر المخضرمين، ومنهم من تلقى علي الجرجاوي على يديه العلوم الشرعية وعلوم اللغة، قبل أن ينتقل أخيرًا –
كما العادة آنذاك

– إلى القاهرة، للالتحاق بالأزهر الشريف لإكمال دراسته.

في عام 1907 أُنشئت مدرسة القضاء الشرعي تحت إشراف شيخ الأزهر. وكان الغرض من إنشائها تخريج قضاة شرعيين، ومُحامين ومُفتشين في المحاكم. عقب إنشائها مُباشرة التحق بها الجرجاوي، وتخرّج منها للعمل في المحاماة أمام المحاكم الشرعية التي كانت منتشرة آنذاك، قبل إعادة هيكلة نظام القضاء.

قبل ذلك، أنشأ الجرجاوي صحيفة الإرشاد في عام 1899، وتمرّس عبرها على العمل الصحافي الذي فتح له مجال الاتصال بالعالم الخارجي، ومنه كانت بداية رحلته إلى اليابان. هذه الجريدة أُغلقت حين سافر في رحلته، ولمّا عاد إلى مصر، أصدر صحيفة أخرى أسماها “الأزهر المعمور” في عام 1907.

في العام 1909 ساهم في إنشاء الجمعية الأزهرية، التي كانت بمثابة مرتكزٍ للأزهرين المُعارضين لسياسات الحكومة والإدارة الإنجليزية، وخصوصًا وقد بدا أنّ للشيخ ميول قوية للثورة العُرابية، أظهرتها كتاباته. في فترات لاحقة، تولّى الجرجاوي رئاسة الجمعية.

«الرحلة اليابانية» .. قصة إسلام 12 ألف ياباني في شهر واحد!

في عام 1907 ألّف الشيخ علي الجرجاني كتابًا أسماه “الرحلة اليابانية” يعرض فيه تفاصيل التفاصيل في رحلته إلى اليابان. دوافع الرحلة وأسبابها ونواتجها؛ كُل ذلك معروض في الكتاب الذي صنّفه مُؤلفه تحت أدب الرحلات.

بعد أكثر من عام في حرب دفعٍ ورد بين اليابان وروسيا التي سعت إلى بسط نفوذها على كوريا؛ استطاعت اليابان إنهاءها لصالحها فيما عُرف بمعركة تسوشيما. تلك المعركة البحرية استمرت ليومي 27 و28 من شهر مايو 1905.

هذه المعركة ألقت الضوء على اليابان، الدولة الصغيرة حجمًا، باعتبارها قوة صاعدة ستلعب دورًا كبيرًا في منطقتها، ولعل بعض الأرقام الإحصائية ستوضح لك أهمّية هذه الحرب، فعلى سبيل المثال، استطاعت اليابان بـ16 قطعة بحرية عسكرية، إغراق أكثر من 21 من مثيلاتها الروسية. وفي مُقابل 116 جُنديًا يابانيًا، سقط نحو 4 آلاف و500 جندي روسي. هذا ويُشار إلى أن خسارة روسيا القيصرية المدوية في هذه الحرب، كانت واحدةً من إرهاصات الاضطرابات التي أودت نهايةً إلى الثورة الروسية.

رسمة تخيلية لغرق إحدى السفن الروسية في الحرب المذكورة

على إثر تلك الحرب، وفي إطار سعيها لإعادة رسم ملامحها الدولية، نظّمت الإمبراطورية اليابانية لمؤتمر عالمي للأديان. ووجّهت اليابان دعوات حول العالم لمشاركة ممثلين عن كافة الأديان في العالم بُغية الحضور والمشاركة في مناظرات المُؤتمر.

وفقًا للمصادر المُتاحة بين أيدينا، والتي منها كتاب الرحلة الياباني للجرجاوي نفسه، فإنّ هدف اليابان من وراء هذا المُؤتمر كان المقارنة بين أديان العالم، لاختيار واحدٍ منها ليصبح الدين الرسمي الجديد لليابان، مُواكبة لما هي مُقبلة عليه من مرحلة جديدة في تاريخها. قطعًا لا يُمكننا التثبت من صحّة هذه الرواية، بخاصة وأنّ الميثولوجيا اليابانية المُؤسسة لذاكرة الشعب الياباني لا تزال كما هي منذ قرون.

على كل حال وصل الخبر إلى الجرجاوي، فسعى حثيثًا عبر صحيفته الإرشاد، إلى الدعوة لتشكيل وفد من العلماء المصريين يكون له سبق في تمثيل الدين الإسلامي بالمؤتمر، وبحسب قوله في كتابه، فإن “مسلمو مصر أولى بأن يحوزوا هذه الفضيلة لوجود الأزهر بين ظهرانيهم”.

دعوة الجرجاني لاقت صداها في عدد من الصحف “الإسلامية”. لكنّه في المقابل لم يجد مستجيبًا لدعوته هذه، سوى اثنين هما الشيخ أحمد موسى المصري المنوفي إمام المسجد الكبير بمدينة كلكتا الهندية (إذ كان مُبتعثًا من الأزهر)، وكذا آخر من تونس لم يرد ذكر اسمه في الكتاب.

طفقت أبحث عمّن يُرافقني من إخواني المسلمين في الرحلة إلى اليابان للدعوة إلى الإسلام، فكان ذلك أندر من الكبريت الأحمر
انتقل الجرجاني إلى قريته أم القرعان، وباع ما بحوزته من أملاك، وهي 5 فدادين، ليستخدم أموالها نفقةً على رحلته التي استغرقت جميعها نحو شهرين، عاد ليحكي تفاصيلهما الدقيقة في كتابه المتقدم ذكره “الرحلة اليابانية”.

يبدأ الجرجاوي في حديثه عن رحلته، منذ استقل القطار من القاهرة إلى الإسكندرية، حيث منها صعد الباخرة التي نقلته إلى اليابان مُرورًا بالعديد من الأمصار. ويُسهب في ذكر كل تفصيلة رآها، منذ خروجه من القاهرة. كما يعرج إلى الخواطر التي جاءته في أثناء رحلته، فيتوقف على التوصيف لبرهة، يتحدث فيها عن الخاطرة ويغوص قبل أن يعود مرّة أُخرى إلى وصف معالم رحلته. وفي كل بلد ينزل فيه، يذكر طرفًا من تاريخها، وعلاقاتها بالإسلام وكيف دخلها، أو علاقاتها بالعالم الإسلامي إن لم تكن دولةً إسلامية، حتّى أنّه فعل ذلك مع المدن المصرية التي مرّ عليها في رحلته بالقطار، وآخرها الإسكندرية. لم يتوقف عند ذلك في الوصف. لكنّه أيضًا اهتم بذكر طرف من عادات أهل البلد، أو ما رآه فيهم، ومن أزيائهم، وعن مجالهم الثقافي والتعليمي.

هذا، ويُشار إلى أنّ جانبًا من إسهاب الشيخ علي الجرجاوي في وصفه للبقاع التي حطّ بها، هو ما اعترف به في مقدمة كتابه، من أنّ جزءًا من دافعه لخوض غمار الرحلة، كان الاستكشاف والاطلاع على العالم.

وأخيرًا وصل الجرجاوي إلى ميناء يوكوهاما، وهناك استقبله شيخان أحدهما روسي والآخر صيني؛ صاحباه خلال رحلته في اليابان، والتي امتدت 32 يومًا.

بعد يومين من الراحة في يوكوهاما، انتقل الجرجاوي إلى العاصمة اليابانية طوكيو، وفيها أقام للمشاركة في المؤتمر الذي حضر له. كما أنّه استغل الإقامة هُناك للدعوة إلى الدين الإسلامي. وقد أسس رفقة الشيخين الروسي والصيني، جمعيةً إسلامية استأجر مقرّها من تاجر ياباني.

ووفقًا لما ذكره الشيخ علي الجرجاوي، فإنّ أوّل ياباني أسلم على يده وكان يُسمّى “جازييف”، قد ساهم في ترجمة خطبٍ إسلامية كان الشيخ يكتبها وينشرها على اليابانيين، ما يدفعهم لزيارة الجمعية، التي أعدّ فيها نحو 18 لقاءً جامعًا على مدار الأيام التي قضاها هُناك. خلال تلك اللقاءات أسلم نحو 12 ألف ياباني، وفقًا لما ذكره الجرجاوي نفسه.

نص إحدى خُطب التي وضعتها الجمعية لدعوة اليابانيين إلى الإسلام
وكما عادته في الوصف المُسهب، تكرر الأمر بمزيد إسهاب وتدقيق فيما يخص فترة مكوثه في اليابان. بالإضافة فقد أظهر الجرجاوي إعجابًا كبيرًا بإمبراطور اليابان وقتها “متسوهيتو”، والذي أطلق عليه لقب الميكادو. وقد قال عنه: “يصح أن يُقال إن الميكادو فردٌ جمعَ الله في العالم”. في النهاية، كاد هذا الإمبراطور أن يُسلم، لولا خوفه من انشقاق أمّته على بعضها، وفقًا لما أخبر به الجرجاوي في كتابه!

في النهاية، هل حدثت تلك الرحلة بالفعل؟

بعض الباحثين ينفون صحّة أن يكون الشيخ علي أحمد الجرجاوي قد زار اليابان أصلًا، ولهم في ذلك حُجج من قلب كتابه. من بين هؤلاء حُسام تمام الباحث المصري الراحل، وصالح مهدي السامرائي رئيس المركز الإسلامي في طوكيو.

كما ذكرنا، فإنّ نفي صحة الرحلة اليابانية للجرجاوي، ينطلق مما ذكره هو بنفسه في كتابه. فبدايةً يعتبر حسام تمام أنّ إسلام 12 ألف ياباني خلال شهر واحد، هو رقمٌ مبالغ فيه، فضلًا عن “المبالغة” الخاصة بأنّ إمبراطور اليابان كاد أن يُسلم لولا الخوف من تأثير ذلك على شعبه.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ صالح السامرائي ينفي أن يكون الجرجاني قد زار اليابان أصلًا، انطلاقًا من وصفه المُسهب لها، والذي يُؤكّد السامرائي على أنّه وصف شخص لم تطأ قدماه أرض اليابان.

وبالجملة، فإنّ الشكوك حول صحة رحلة الجرجاوي إلى اليابان لم تقف عند هذين الأمرين فقط، ولكنّ أيضًا بالنظر إلى سجل الصحافة في ذلك الوقت، يتكشّف لنا أنّ المؤتمر كان للحوار والتعاون بين الأديان، وليس كما أخبر الجرجاوي بأنّه للبحث عن دين جديد لليابان، وقد نسج حول ذلك حكاية طويلة بين رجال الحكم اليابانيين ووقوفهم نهايةً على فكرة المؤتمر لاختيار دين جديد!

في المُقابل من ذلك، تُثبت بعض المواقف وصول الجرجاوي إلى اليابان بالفعل، من بينها على سبيل المثال ما ذكره باحثٌ ياباني يُدعى عبد الرحمن سوزوكي، من أنّه زار الفندق الذي ذكر الجرجاوي أنّه أقام به يومين في يوكوهاما، فوجد اسمه بالفعل في سجلات الفندق القديمة وبجواره ختمه الخاص. كما أنّ مُؤلف كتاب “عالم إسلام”، عبد الرشيد إبراهيم قد ذكر في كتابه لقاءً جمع بينه وبين وزير الخارجية الياباني عام 1906، وأنّه أخبره بأنّ مصريًا جاءه ليطلعه عن رغبته في إسلام الإمبراطور، لكنّه لا يعلم إذا كان قد قابله بالفعل أم لا.