حواء

الأربعاء,6 أبريل, 2016
الصخور تحميهم من الجوع .. غزّاويّات يعانين الأمرّين لسداد لقمة العيش

الشاهد_  بعدما مرض زوجها، لم تجد أم محمد الغزّية خياراً غير العمل. يومياً تجمع الصخور لتبيعها. فهي لا تريد شفقة من أحد مهما كان عملها شاقاً

بين أكوام الحجارة والركام التي خلّفها دمار الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تجد امرأة اختارت القيام بمهام صعبة. تراها تكسر وتجمع الحجارة والصخور أينما وجدت، في الطرقات أو في محيط مكب النفايات قرب محل إقامتها. تضعها في عربتها التي يجرُّها حمار، وإلى جانبها طفلها الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره. وحده يساعدها في تحمّل هذا العمل وبيع ما تجمعه.

تصحو جيهان أبو محسن أو أم محمد (48 عاماً) مع شروق الشمس. تستعد لبدء العمل والسير على الطرقات الوعرة والمحاطة بأكوام النفايات، لتصل إلى مكان عملها. تعيشُ في مناطق عشوائية على الحدود الغربية لمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، وهي منطقة قريبة من المستوطنات الإسرائيلية. تُعاني هذه المناطق من ظروف اقتصادية صعبة جداً، ما دفع بأم محمد إلى العمل في مهنة صعبة وشاقة. تقول: “أعاني من فقر شديد في ظل عجز زوجي المسن عن القيام بأي عمل. لذلك، وجدت نفسي مضطرة إلى العمل لسدّ جوع أطفالي، بدلاً من انتظار شفقة أحدهم على حالنا”.

تعملُ أم محمد في أحد أسوأ الأماكن جنوب قطاع غزة. هناك تُرمى النفايات حتى تحول المكان إلى “خرابة” كما يقول سكان المنطقة. تنتشر الروائح الكريهة والحشرات. إلا أن هذه الظروف الصعبة لم تمنعها من العمل. تقول وهي تنقل الحجارة بمساعدة ابنها محمد: “أعيش في منطقة نهر البارد، حيث لا وجود لأدنى مقومات الحياة. يمكن نقلنا من الأرض حيث نقيم في أي لحظة”. تجد نفسها مجبرة على العمل لتوفير لقمة العيش “بعدما تخلّى عنا القريب والبعيد”.

تُقيم عشرات الأسر الفقيرة على أرض حكومية منخفضة في منطقة بطن السمين غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. يعيشون في بيوت مؤقتة غير مسقوفة. هذه البيوت شيّدت من الحجارة وألواح الزينكو (الصفيح) والقماش والنايلون، ولا تقي برد الشتاء أو حر الصيف. تفصل بين البيوت أزقة رملية ضيقة تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة الإنسانية.

تعمل أم محمد ساعات طويلة قد تزيد عن ثماني ساعات يومياً، حتى تتمكّن من جمع أكبر عدد من الحجارة وبيعها، مضيفةً أن المصانع تشتري حمولة العربة الواحدة بما لا يزيد عن ثلاثة دولارات أو أكثر، بحسب الحمولة. ظهراً، تعود إلى منزلها بعد شراء الطعام لأطفالها، ثم ترتاح قليلاً قبل أن تخرج للعمل مجدداً. تقول إنها تتضايق كثيراً حين تعود إلى البيت ظهراً، وتكون العائلة في انتظارها لتناول الطعام. تضيف “لكن رؤيتهم وهم يأكلون تدفعني إلى بذل المزيد من الجهد والعمل لتوفير احتياجاتهم”.

تعيل أسرتها المكونة من طفلين هما محمد وكريم (ست سنوات)، وزوجها الذي يبلغ من العمر (75 عاماً)، والذي كان يملك بسطة في السوق يبيع فوقها الثياب. لكن بسبب مرضه، لم يعد قادراً على العمل، واضطرت أم محمد إلى تحمّل أعباء الأسرة خشية تراكم الديون. تقول: “كريم يتمنى ويشتهي ويحلم، وأنا مجبرة على تأمين احتياجاته”.

تجدر الإشارة إلى أن صحتها ليست أفضل من صحة زوجها بكثير. هي أيضاً تعاني من الضغط وأزمات صدرية حادة، ما يجعلها تفكر كثيراً بالمضاعفات الصحية لعملها الصعب. تضيف أن التفكير في مستقبل عائلتها “أهم من التفكير في وضعي الصحي. نعيشُ في وضع مأساوي وعلينا المقاومة”.

أما محمد، الذي يتفرّج على التعب من خلال ملامح والدته، مع اقتراب موعد غروب الشمس، وهو يهم بنقل آخر حمولة من الحجارة، فيقول: “لا تقوى أمي على تحمل هذا العمل وحدها. وأرفض أن أتركها تتحمل هذا العذاب. هي أمي ويجب أن أساعدها بكل ما أوتيت من طاقة وقوة. فقد تعبت كثيراً حتى توفر لنا كل مصاريفنا واحتياجاتنا لنعيش بكرامة”.

يتناوب محمد وشقيقه كريم على مساعدة والدتهما في عملها. تقول إنها تتألم كثيراً كلّما شعرت بتعبهما في العمل “فالأطفال في مثل عمرهما يجب أن يكونوا في البيت يدرسون ويلعبون ويتمتعون بحياة صحية وكريمة وجميلة”.

مر عام ونصف العام على بدء أم محمد هذا العمل الشاق، والذي انعكس على ملامح وجهها. مع ذلك، لا تكترث لظروف الحياة القاسية التي أجبرت على تحملها وتحديها، مضيفة وهي في طريق عودتها إلى بيتها بعد انتهاء يوم عملها: “كل ما أريد من هذه الدنيا لقمة حلال من أجل أطفالي، وحياة في منزل جيد يحمينا من البرد والمرض وحرارة الصيف. أتمنى مساعدة زوجي في علاجه علّه يرتاح قليلاً من ألمه، ويتمكن محمد وكريم من بناء مستقبل جيد وجميل”.

العربي الجديد