الرئيسية الثانية

السبت,25 يوليو, 2015
الشيخ عبد العزيز الثعالبي.. تونسي أوقد النهضة في عدن

الشاهد_عندما وصل الزعيم التونسي الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى عدن اليمنية في 2 أوت 1924؛ لم يكن يعلم أنه يدشن بوصوله عهدا جديدا في هذه المنطقة المستعمرة من قبل بريطانيا منذ 85 عاما عاشت فيها في ظل الجهل والتخلف والمرض والخمول الحضاري، رغم أنف كلمة (الاستعمار) المشتقة من العمران!

كان الهدف الأساسي من زيارة الثعالبي لعدن هو الانطلاق منها إلى صنعاء عاصمة الإمام يحيى حميد الدين، في إطار جولة واسعة في الشرق العربي والهند والقرن الأفريقي، للدعوة إلى تعاون الملوك والسلاطين العرب وتوحيدهم في رابطة سياسية وجامعة إسلامية تمكنهم من انتشال الأمة من حالة الضعف والجهل والخمول التي تعيشها.

وبالإضافة إلى ذلك، كان للشيخ الثعالبي مهمة خاصة باليمن لإقناع الإمام يحيى وسلاطين وأمراء المحميات والسلطنات -فيما صار يعرف بالجنوب اليمني باستثناء مستعمرة عدن البريطانية- بتأسيس إطار سياسي واحد يجمعهم تحت مظلة الوحدة اليمنية.

وعلى الرغم من أن جهود الثعالبي لم تحقق نجاحا يذكر في الشأن اليمني والعربي الإسلامي العام، فإن زياراته المتتالية لمدينة عدن (زارها أربع مرات ما بين عامي 1924-1936) كان لها نجاح حضاري كبير انعكس عليها وعلى اليمن كله ثقافيا وتعليميا بنصائح الثعالبي وتوجيهاته لأهل عدن التي أسست لحركة ثقافية وتعليمية واجتماعية استحق بها الزعيم التونسي أن يوصف بـ”أبو النهضة في عدن” على حد وصف المثقف العدني محمد علي لقمان أحد تلامذته ورائد النهضة الثقافية فيها.

التعليم والثقافة.. أولا!:

عندما وصل الشيخ الثعالبي إلى عدن عام 1924، راعته حالة الجهل والتخلف العلمي والجمود الثقافي الذي تعيشه المدينة التي كانت تفتقر إلى كل شيء من أسباب التقدم العلمي والنشاط الثقافي الأدبي، كالمدارس العليا (لم يكن يوجد فيها إلا مدارس ابتدائية قليلة جدا) والمؤسسات الثقافية والصحفية.

واشتكى إليه الراغبون في الإصلاح حالة الإهمال هذه التي تسبب بها الاستعمار البريطاني، وأدت إلى انصراف الشباب عن العلم والعمل، فانتشرت بينهم البطالة لانعدام الكفاءات العلمية والمهارات المهنية، حتى لم يكن بينهم من يجيد استخدام الآلة الكاتبة (حاسوب ذلك العصر) إلا شخص واحد فقط، وانتشرت بينهم نتيجة ذلك أدواء اجتماعية قبيحة مثل القمار والممارسات غير الأخلاقية.. وعمّ الجهل بالشؤون العامة، وضعف الشعور بالانتماء الوطني والقومي والإسلامي!

وكان طبيعيا أن ينزعج الشيخ الثعالبي من هذه الحالة المفزعة للانهيار الأخلاقي والخمود العلمي والانحطاط التعليمي الثقافي..

وببصيرة العالم والمربي والزعيم السياسي وجه رجالات عدن أن يهتموا بالتعليم والثقافة، وأن يعملوا على تأسيس نواد وجمعيات أدبية وثقافية تعمل على نشر العلوم والثقافة الإسلامية العربية بين الشباب، وتوجيههم نحو طلب العلم والارتقاء بمداركهم العقلية والنفسية. كما رتب لبعض الشباب العمل مراسلين لأشهر الصحف العربية مثل “السياسة” المصرية.

وفي أقل من عام على نصيحة الشيخ الثعالبي، بدأت عدن تشهد مرحلة جديدة من النشاط الثقافي والأدبي المنظم تولاها عدد من الشباب الذين تأثروا بشخصية الثعالبي فتنادوا لتجسيد توجيهاته على أرض الواقع، وبدؤوا أولا عام 1925 بتأسيس “نادي الأدب العربي” الذي كانت فكرته باقتراح مباشر من الثعالبي، واختاروا لرئاسته الأمير أحمد بن فضل العوذلي يعاونه المحامي محمد علي لقمان، وسرعان ما تحول النادي إلى بوتقة أدبية وثقافية يتجمع فيها الشباب والوجهاء والأدباء.

وشملت نشاطاتهم إلى جانب الأدب الجوانب الاجتماعية -مثلما حدث عندما اجتاح الطاعون عدن عامي 1927 و1929 فتنادوا لتقديم المساعدة للمتضررين- جانبا قوميا تمثل في إقامة حفلات تكريمية للزعماء والأمراء العرب الذين كانوا يمرون بميناء عدن، بمن فيهم الزعماء السياسيون الذين كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية أو البريطانية ترسلهم إلى المنافي!

وفي رسالة بعثها الأستاذ محمد لقمان إلى الشيخ الثعالبي في عام 1927، شرح له جانبا من نشاطات نادي الأدب العربي، وبقراءتها سوف تتضح حقيقة النقلة الهائلة التي صار إليها المجتمع في عدن بعد زيارة الزعيم التونسي، فقد كان البرنامج يشمل عناوين مثل توثيق الرابطة العربية، ورفع منار الأدب العربي، وتخليص اللغة العربية من الدخائل المشينة، وانتشال الشبيبة العربية العدنية من وهدة السقوط، وتأسيس جريدة عربية، وتأليف تاريخ لعدن واليمن.

انتشار النهضة:

وفي السنوات اللاحقة، شهدت عدن تأسيس مزيد من المؤسسات الثقافية والنشاطات الأدبية والفكرية التي حرص مبدعوها على إعلام الثعالبي بها من خلال الرسائل.

فقد تأسست عام 1929 نوادي الإصلاح العربي الإسلامي في مناطق الشيخ عثمان وكريتر والتواهي على أيدي أبرز تلاميذ الثعالبي، وهما المحامي محمد لقمان والأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج.. ثم مخيم أبي الطيب، وحلقة شوقي، وكرمة أبي العلاء، ومجلس عدن الثقافي.

وتتالت ثمار النهضة الأدبية والفكرية، فأصدر أحمد فضل العوذلي (1931) كتابه “هدية الزمن في تاريخ لحج وعدن”، وتلاه كتاب “لماذا تقدم الغربيون؟” للمحامي محمد لقمان، و”الأمثال العدنية” للمؤرخ عبد الله يعقوب خان، وكتاب “نصيب عدن من الحياة الثقافية والفكرية” لأحمد سعيد الأصنج.

وتواصل رجال من حضرموت تأثروا بالثعالبي معه من أجل إرسال خبير آثار ملم باللغة الحميرية للتنقيب عن الآثار القديمة من آثار عاد وحمير..

ونشرت العديد من الأعمال الأدبية والدواوين الشعرية للشباب.

وفي سياقات متماهية، سارت النهضة الثقافية في عدن ما بين بناء مدارس أهلية وابتعاث الطلاب للدارسة في الجامعات العربية التي أخرجت أول عربي في الجزيرة العربية يحمل شهادة جامعية من الجامعة الأميركية ببيروت، وهو الدكتور محمد عبده غانم، والشيخ محمد سالم البيحاني علامة الجزيرة العربية.

وفي الجانب الصحفي الأدبي أسس محمد لقمان جريدة “فتاة الجزيرة” التي صارت مدرسة رائدة في الأدب والثقافة والعمل الوطني المطالب بالإصلاحات في عموم اليمن.

وطوال تلك السنوات وحتى وفاته عام 1944، ظل قادة عدن على تواصل مع الشيخ الثعالبي لا ينسون فضله في وضع أساس النهضة في مدينتهم التي صارت جوهرة الجزيرة العربية.

وعند وفاته رثاه محمد لقمان بمقال خاص في “فتاة الجزيرة” وثق فيه دوره الريادي في تأسيس نهضة عدن، ووصفه بأنه أبو النهضة، وبكاه قائلا: “وآها لك يا عبد العزيز.. فقد ذهبت وأخليت الديار، وبعدت بيننا وبينك الدار وشط المزار!”.

ناصر يحيى-كاتب صحفي يمني