تحاليل سياسية

الخميس,11 يونيو, 2015
الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية: هل يتكرّر السيناريو التونسي بتركيا؟

الشاهد_لا يزال الارتباك يخيّم على المشهد السياسي التركي عقب صدور نتائج الانتخابات التركية الأخيرة بعدما فقد حزب “العدالة والتنمية” الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة بمفرده، مما أعاد البلاد إلى عصر الحكومات الائتلافية في التسعينيات. الجديد الذي طرأ أمس الأربعاء، اجتماعات وكلام عن احتمال يبدو صعباً جداً، لكنه لم يعد مستحيلاً، عن حظوظ غير معدومة لتحالف ما بين حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، النقيضين في كل شيء ربما.

الأول بما يشكله من حالة إسلامية معتدلة أتت لتحطّم إرث “الشعب الجمهوري” الكمالي الأتاتوركي العلماني التتريكي. بذلك، يصبح احتمال تكرار تحالف “النهضة” و”نداء تونس” ممكناً في تركيا، وإن كانت هذه الحظوظ لا تزال ضعيفة جداً.

 

” وبعد ساعات من إعلان النتائج، استدعى “العدالة والتنمية” كل “شيوخه” تقريباً، ممن تقاعد وممن ينوي التقاعد. فكان حضور المؤسسين الأوائل للحزب واضحاً، من أولئك الذين عملوا مع مختلف الأحزاب السياسية التي أسسها رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، والذين لديهم خبرة كبيرة في ما يخص العمل ضمن الحكومات الائتلافية، أمثال نائب رئيس الوزراء الحالي بولنت أرينج، والنائب السابق لرئيس الوزراء بشير أتلاي، ونائب رئيس “العدالة والتنمية” السابق محمد علي شاهين مع كلام عن احتمال عودة الرئيس عبد الله غول إلى المشهد الحزبي لمنع انقسام العدالة والتنمية.

كما تم استدعاء رئيس بلدية أنقرة مليح غوكجك، فيما بدا تصفية حسابات لا بدّ منها، وخصوصاً أنّ الأخير، كان له دور بارز في إعطاء صورة سيئة للحزب عبر هجومه على أرينج، وقضايا الفساد المتهم بها الرجل الأقوى في العاصمة أنقرة.

 

يؤكد أحد النواب الجدد في “العدالة والتنمية” (رفض الكشف عن اسمه)، أنّ مقر الحزب يشهد حركة شديدة، إذ يتوافد العديد من المستشارين والنواب والقيادات الحزبية على المقر لمساندة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، خوفاً من احتمال أن يتحرك أي من المقربين من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لتحويل داود أوغلو إلى “كبش محرقة”، قائلاً لـ”العربي الجديد”: “ليس لدينا رفاهية أن نجري مراجعات كبيرة في هذه الفترة، أو حتى إجراء تغييرات واسعة في القيادات، لكن هذا لا يعني أن البعض يجب أن يحاسب.

كما أن داود أوغلو لا يتحمل النتيجة لوحده”، مضيفاً، أنّ “أي تغييرات كبيرة الآن، ستعني كارثة على مستوى الحزب وعلى مستوى الدولة. نقوم بمراجعاتنا، ونحاول ألّا نقسو على أنفسنا”.

 

بعد جولة أولى من الاجتماعات الحزبية والمراجعات، التقى داود أوغلو بأردوغان، وقدّم استقالة حكومته، تمهيداً لتكليفه مرة أخرى بتشكيل الحكومة، كونه زعيم الكتلة النيابية الأكبر. وعلى غير العادة، لم يخرج أردوغان للصحافيين، بل استمر بالابتعاد عن الإعلام، منذ إعلان نتائج الانتخابات، واكتفى ببيان صحافي صدر عن المكتب الإعلامي للرئاسة.

 

في غضون ذلك، بدأت عملية تشكيل الائتلاف في اليوم التالي مباشرة بعد صدور النتائج. وافتتح “البازار” أرينج بخبرته السياسية المعروفة، قائلاً للصحافيين “إن كان لا بدّ من حكومة ائتلافية، فلتوجّهوا كلامكم إلى أحزاب المعارضة ولتبدأ بتشكيلها”. فيما بدا رمياً للكرة في ملعب المعارضة، التي تبدو عاجزة تماماً عن تشكيل الحكومة بمفردها إذ ستكون الأحزاب الثلاثة (الشعب الجمهوري 132 نائبا والحركة القومية اليميني المتطرف 80 والشعوب الديمقراطي 80) مضطرة للتحالف لضمان غالبية الـ275 صوتاً، وهو ما يبدو مستحيلاً لتناقض هذه الأحزاب على جميع المستويات.

لقد كان لإغلاق زعيم “الشعوب الديمقراطي” صلاح الدين دميرتاش، الأبواب في وجه مشاركته في أي حكومة ائتلافية مع “العدالة والتنمية”، أسباب موضوعية كثيرة، إضافة إلى التزامه بوعوده الانتخابية.

فائتلاف اليسار التركي الذي بات يمثله “الشعوب الديمقراطي”، لا يمتلك أي خبرة في الحكم. بل وأكثر من ذلك، هو يمثّل التيارات الأكثر حقداً على سياسات “العدالة والتنمية” المحافظة، مما يجعل التقارب مع “العدالة والتنمية” أمراً يكاد يكون مستحيلاً، وإن كان لا يزال ممكناً.

 

وبينما كانت جميع الأنظار تتوجه لاحتمال قيام حكومة ائتلافية بين “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية”، بحكم الخلفية المحافظة التي يتمتع بها الطرفان، بدت تصريحات زعيم “الحركة” الخبير دولت بهجلي، وكأنّها وأد لهذه الفكرة، أكثر من أن تكون رفعاً للسقف تمهيداً للتفاوض. حدّد بهجلي ثلاثة شروط تعجيزية للدخول إلى هذه الحكومة. أولاً، إيقاف عملية السلام مع “العمال الكردستاني”. ثانياً، عدم تغيير تعريف الهوية المواطنة التركية في الدستور الجديد. ثالثاً، إلغاء فكرة النظام الرئاسي، التي تجلّت بالمطالبة بتعهدات لعدم تدخل أردوغان في عمل الحكومة الجديدة.

 

أما زعيم “الشعب الجمهوري” كمال كلجدار أوغلو، فبالإضافة إلى تراجعه عن وعده بتقديم الاستقالة في حال لم يستطع رفع نسبة أصوات الحزب، وهذا ما حدث، بدت التصريحات الأخيرة لكلجدار أوغلو تراجعاً جديداً عن تصريحاته السابقة، التي اعتبر خلالها بأن مشاركة حزبه في أي حكومة ائتلافية مع “العدالة والتنمية” هو “شيء مخالف لطبيعة الأمور”.

 

واستبعد كلجدار أوغلو، يوم الثلاثاء، خيار اللجوء إلى انتخابات مبكرة، قائلاً: “إن نتيجة مشابهة سنحصل عليها إذا ذهبنا للانتخابات المبكرة، بما أن الانتخابات انتهت. لقد حان الوقت للعمل واتخاذ القرارات بعقلانية، وللتخلي عن النقاشات الفارغة، فليس لدينا رفاهية ترك البلاد من دون حكومة”، مشدداً على أنّ “الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان، تتحمل مسؤولية كبيرة، بل ويمكن اعتبار المسؤولية أكبر على أحزاب المعارضة، قائلاً: لقد وعدنا الناخبين، براتبين إضافيين للمتقاعدين، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتوفير غاز ومازوت رخيص للفلاحين، وخفض العتبة الانتخابية، وإزالة القوانين الانقلابية، وإنهاء العمالة، ويجب أن تتم هذه الوعود خلال السنة الأولى، ما بدا تلويحاً بالرغبة في دخول حكومة ائتلافية.

 

وعلمت “العربي الجديد” أنّ هناك محادثات غير رسمية قد بدأت بالفعل لجس النبض بين عدد من السياسيين في “العدالة والتنمية” وآخرين من “الشعب الجمهوري”، من الذين يعتقدون بأن حكومة ائتلافية بين يمين الوسط الذي يمثله “العدالة والتنمية” ويسار الوسط الذي يمثله “الشعب الجمهوري”، هي الأنسب في هذه المرحلة، لإعادة تطبيع العلاقات السياسية، ولعملية السلام، خصوصاً أن مواقف الأخير، باتت أكثر انفتاحاً تجاه عملية السلام، والاعتراف بالتعددية الإثنية لمواطني الجمهورية التركية. أمر يدفع باتجاهه أيضاً العديد من رجال الأعمال من الطرفين، من أصحاب الثقل الكبير في إدارة السياسة في الحزبين.

وفي السياق، علمت “العربي الجديد” أن اجتماعاً عُقد بعد ظهر أمس بين الرئيس السابق لـ”الشعب الجمهوري” دينيز بايكال وأردوغان، للتشاور حول احتمالات التحالف الصعب بين الحزبين، علماً بأن بايكال هو من سيترأس الجلسة الأولى للبرلمان، لكونه الأكبر سناً، لحين انتخاب رئيس للبرلمان.

 

ويحاول المقربون من زعيمي الحزبين تشكيل الأرضية المناسبة للبدء بالمحادثات الرسمية، إذ يركز مسؤولو “الشعب الجمهوري” على ما يعدّونه أولويتهم، وهو الاقتصاد، عبر الاتفاق على إجراء إصلاحات اقتصادية واسعة، لكن يقف في وجه ذلك بعض العقبات، من بينها إصرار “الشعب الجمهوري” على إعادة محاكمة الوزراء الذين تورطوا في عمليات الفساد بما يعرف بالإعلام التركي بعمليتي 17-25 ديسمبر 2013. الأمر الذي لا يبدو بأن “العدالة والتنمية” سيقبل به، إضافة إلى اشتراط التزام أردوغان بصلاحياته الدستورية وعدم التدخل في شؤون الحكومة.

تبقى الاحتمالات مفتوحة أمام مختلف أنواع التحالفات، وإن كانت الخيارات صعبة وغامضة، لكنها لن تكون أكثر صعوبة من الحكومة الائتلافية التي تشكلت عام 1961 بقيادة عصمت إينونو، صديق ووريث أتاتورك، بين “الشعب الجمهوري” و”حزب العدالة” وريث “الحزب الديمقراطي” بزعامة عدنان مندريس، وذلك بعد أقل من شهرين من إعدام مندريس ورفاقه، مع قناعة “العدالة” في ذلك الوقت، بأن إينونو هو من وقف وراء انقلاب 1960.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.