مقالات مختارة

الخميس,30 يوليو, 2015
الشجاعة المُرة

الشاهد_كانت الحرب هنا العام الماضي، قتلت كل شيء فينا وحولنا، كان علينا أن نقدم شيئًا لأجل الضحايا الأبرياء من الأطفال والنساء الذين ماتوا بلا ذنب، لم أستسلم لمشاعر الخوف رغم عنفوان الحرب، ولم أتقبل فلسفة الركون للعادات والتقاليد التي تعتبر العمل الصحفي الميداني للأنثى في أوقات الحرب خصوصًا “عيبًا”، تحديت كباقي زميلاتي الظروف ووصلت في اليوم العاشر من بداية العدوان على غزة إلى مستشفى الشفاء وتنقلت بين أقسامه.

ﻻ شك أنها من أصعب اللحظات وأكثرها تأثيرًا على تفكيري وشخصيتي، لقسوة المشاهد هناك ومدى الألم والحزن المخيم على كل زوايا المشفى التي تعج بالأموات وما تبقى من الأحياء هروبًا من القذائف العشوائية، أصبحت بعدها أكثر نضوجًا بالتعاطي مع الأشياء والأزمات، فبعدما كنت طالبة في قسم “الصحافة” أتلقى الدروس حول تغطية الأحداث والحروب بشكل نظري.

اليوم أنا لوحدي بلا توجيه في ميدان العمل الصحفي، عليّ أن أكون عند حسن ظني بنفسي وظن كل من حولي، أثبتُ قدرتي وقوتي على القيام بواجبي بنقل صورة إنسانية صادقة لما يجري من قتل وظلم وانتهاكات بحق الإنسانية والتشريعات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

أعددتُ الكثير من التقارير والصور ووثَّقتها وقمت بنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب تطوعي بوَكالات ومواقع إلكترونية محلية وعربية، كنت أشعر بالراحة حينما أرى منشوراتي وتغريداتي وتقاريري يتم مشاركتها ونشرها على صفحات أصدقاء من الخارج وحجم التفاعل معها، والاهتمام بكل ما أنشره، إلى درجة ملاحظتهم لغيابي الذي كان يُوجِد بينهم القلق، يحاولون الاطمئنان بكل الوسائل، بشكل دفعني للاستمرار بلا ملل لنقل ما يجري بأسلوب إنساني عميق ومؤثر ﻻ إخباري بارد، يجعل من هم بالخارج غزة يُعايشون واقعها ويشعرون به.

تنقلتُ بين مستشفى الشفاء وكمال عدوان، والوصول للأحياء المنكوبة كالشجاعية وخزاعة، مواقف وقصص وصور مؤلمة مرت أمامي وكأنها بالأمس، تعجز سطحية الكلمات وصف مأساتها، أستذكر أكثرها تأثيرًا بي هم أطفال عائلة “وهدان” ممن لاحقهم الموت حينما فروا منه إلى بيت استأجروه ليُقصف البيت ويصاب هؤﻻء الأطفال بشظايا صواريخ غيرت ملامحهم وشوهت وجوههم البريئة، قُتلت أمهم فيما يرقد الأب بغيبوبته.

 

 

لم يعلم منهم سوى مصعب الابن الأكبر أن والدته صعدت للسماء، فيما يبقى محمد وعمر ينتظرانها من بين المارين على غرفتهما في قسم الأطفال بالمستشفى، لعلها تكون من ضمنهم تخفف عنهما أوجاع هي أكبر بكثير من أعمارهما، وتخفف وحدتهما وتمسح خوفهما بدفء حضنها.

 

 

كانوا يرفضون الحديث لنا أو حتى التقاط الصور، فيما يظل مصعب يسأل كل من يأتي “وقتيش تفتح السما وماما تنزل”، فبعقليته وطفولته لن يحتمل استيعاب الرحيل للأبد، بل صعود الروح مؤقتًا للسماء وأنها ستعود ذات يوم.

 

 

لم تنتهِ الحكايات هناك، فكلما عدت للمنزل ﻻ تبارح مخيلتي صورهم، لم يعد القلم والورقة شيئًا مقبولًا إنسانيًّا بتلك الوقت، ليس من المجدي أن تفتح الجرح بل محاولة تسكينه وتضميده بطريقة ما، فأطلقت بمشاركة زملائي مبادرة إنسانية “ﻷجلكم صغارنا” للتخفيف من حالة الرعب والخوف الساكن في قلوب الأطفال الجرحى والأيتام شملت جميع محافظات غزة ومستشفياتها.

 

 

من ضمنهم أطفال عائلة وهدان، فلم يستقبلونا هذه المرة بصمت وبنظرات الحزن، بل سمحوا لضجيج الفرح والمرح أن يعبر قلوبهم الصغيرة وفتحوا أبوابهم لنا، فتفاعلوا معنا بكل نشاط، رسموا ولوَّنوا وعلَّقوا البالونات، ورفعوا شارة النصر، ورسموا على وجوههم علم فلسطين، ودبت ملامح الحياة في وجوههم من جديد، حتى أخفت تلك التشوهات وغيبتها وحضرت الابتسامة والبهجة عليهم وعلى غرفتهم التي تزينت بالألعاب والبالونات والألوان بعدما كانت كئيبة معتمة تنبعث منها رائحة الأدوية.

 

 

أصبحت بعدها أؤمن جيدًا أن أكون إنسانًا أجيد التخفيف عن قلوب الناس، قبل أن أكون صحفيًّا أنقل همومهم ومعاناتهم، أؤمن أن غزة لن تنكسر ولن تموت يومًا مع كل حرب ستنهض من بين الركام لتبحث عن شعاع الحياة وتعلن ميلادها من جديد، وإن كانت على أنقاض موجعة فالنعيم والحرب ليس أزليًّا.

 

 

منى حجازي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.