الرئيسية الأولى

الخميس,7 يوليو, 2016
الشباب التونسي والعمل السياسي

الشاهد_ على الرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على سقوط نظام الاستبداد في تونس، وانفتاح المشهد السياسي على مكوناتٍ حزبية مختلفة، وبسط مجال الحريات والقدرة على التعبير والتفكير والتنظم والاحتجاج، ما زال الحراك الحزبي في تونس يعاني من أزماتٍ بنيويةٍ متراكمةٍ، تتعلق خصوصاً بنمط تركيبة الأحزاب، وقدرتها على التفاعل مع التطورات المجتمعية، وفاعليتها في الاستقطاب والتأثير.

وإذا كان الأصل أن الأحزاب، في مهامها المركزية، تقوم بجملةٍ من الواجبات الأساسية، والتي يمكن اختصارها في نقاطٍ أهمها تأطير المواطنين، وإيجاد منفذ للفاعلين السياسيين للعمل والتأثير، وإعداد الكوادر القادرة على إدارة الشأن العام، وهي، من الناحية التنظيمية، الأطر القادرة على اجتذاب العناصر النوعية، ومنحها الفرصة للقيادة، وتصدر العمل العام. فإن متابعة المشهد العام يوحي بغياب هذا الدور، أو على الأقل ضعفه الشديد.

وإذا كان الدستور التونسي الجديد قد خصّص فصلاً يؤكد بوضوح أن “الشباب قوة فاعلة في بناء الوطن، تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاته، وتعمل على تحمله المسؤولية، وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية” (الفصل الثامن من الدستور). وينص القانون الانتخابي على ضرورة وجود تمثيليةٍ للشباب ممن تقل أعمارهم عن 35 عاماً في القوائم الانتخابية. وفي السياق نفسه، تعتزم السلطة السياسية تنظيم مؤتمر وطني للشباب، للبحث في المشكلات الحادة التي يعانيها هذا القطاع الحيوي في المجتمع التونسي.

تبقى كل هذه الإجراءات، على أهميتها، مجرد خطواتٍ قد يغلب عليها الجانب الشكلي من الناحية الواقعية، فما زالت الأحزاب السياسية التونسية خاضعةً، في كياناتها وتركيبتها القيادية، للجيل القديم، فمعظم قيادات هذه الأحزاب تنتمي إلى شريحةٍ عمريةٍ جاوزت الستين، وهو ما منع الشباب من تولي مناصب قيادية، والتأثير على الخيارات المركزية للتنظيمات السياسية، وهو ما دفعه إلى الانشقاق والتشكل في مجموعاتٍ صغيرةٍ من جهة، أو إلى عزوف جيل الشباب عن الممارسة الحزبية، بل وحتى الانخراط في الشأن العام (مثل المشاركة في الانتخابات)، وهو ما مَكَن القوى الأكثر تنظيماً من اكتساح المشهد الانتخابي، وأعطى الفرصة لقوى النظام القديم للعودة إلى السلطة.

وعلى الرغم من محاولاتٍ محتشمة يُحاول أصحابها التعبير عن مطالب شباب الأحزاب، على نحو ما يفعل ناشطون يطلقون على أنفسهم “حركة الفصل الثامن”، والتي تضم عناصر شبابية منتمية إلى قوى حزبية مختلفة، غير أن هذه المبادرة، وعلى الرغم مما تجده من تغطية إعلامية واضحة، محكومة بجملة من العوامل، ستشكل كابحاً لها، وقد تفضي بها إلى الفشل. ومن أهم هذه العوامل أن تركيبة هذه الحركة قامت على منتمين لأحزاب سياسية (مثل حركة النهضة ونداء تونس وقوى يسارية)، وهم يفتقرون إلى التجانس، ويخضعون، في النهاية، لحسابات الأحزاب التي تقف وراء هذه العناصر، وهو ما يجعل قدرتها على التغيير الفعلي، من ناحيةٍ واقعيةٍ، محدودة جداً.

الثورة التونسية في أصلها شبابية بامتياز، تحمل مضامين اجتماعية، ومطالب في الحرية،
ورغبة في التأسيس لدولة الحقوق والمواطنة، غير أن تطورات المشهد السياسي بعدها، وعلى الرغم من الخطوات التي تحققت في المسار الديمقراطي، لازالت بعيدة عن تحقيق أهداف الشباب التونسي. من دون أن يعني هذا نفي وجود مبادراتٍ لنشاطٍ سياسيٍّ شبابيٍّ، يجد تعبيراته خصوصاً في تحركاتٍ احتجاجيةٍ ومطالباتٍ بالحق في التشغيل، والدعوة إلى محاربة الفساد، غير أنه يظل من الضروري أن تحاول القوى الحزبية ومنظمات المجتمع المدني، وقبل هذا وذاك، أجهزة الحكم، أن توجد الآليات الضرورية لإدماج الشباب في العمل السياسي، لأن توسّع حالة العزوف عن المشاركة قد يفضي إلى نتائج وخيمة، كأن يتم استقطاب الشباب لمصلحة الجماعات الإرهابية، أو أن يتم تحويلهم إلى رصيدٍ احتياطي للانحراف الاجتماعي. وعلى قادة الأحزاب إدراك أن الشخصانية والتعنت والرغبة في تصدر المشهد من جانب، وانسداد قنوات التعبير داخل الأحزاب الكبرى، فضلا عن تشبث القيادات بمواقعها من جانب آخر، هما السببان الجوهريان لحالة الإقصاء غير المعلن للقوى الشبابية في المجتمع التونسي.

يقتضي العمل الحزبي، بصورته المثلى، إيجاد آلياتٍ لضمان استمرارية الكيانات السياسية، وقدرتها على التجدد الداخلي. ولا يكون هذا بغير بناء جيلٍ شابٍّ قادرٍ على تحمل المسؤوليات، بعيداً عن منطق الوصاية التي يفرضها القادة التاريخيون للأحزاب. تكمن أزمة المشاركة السياسية للشباب في الأحزاب التونسية بعد الثورة في أن الأخيرة لم تصل بعد إلى درجة النضج، وفهم معنى الحزب السياسي في بنيته العميقة، باعتباره، وبالدرجة الأولى، مدرسة للتربية السياسية للمواطن، ينخرط فيها ليتدرّب على مساهمته في الشأن العام، وعلى ممارسة حقوقه السياسية الأساسية. ولكن تحقيق هذه المهمة، في صورتها المثلى، ليس أمراً يسيراً في ظل حالة الاضطراب التنظيمي الذي تشهده غالبية الأحزاب، وحالات الانشقاق التي تعرفها، بالإضافة إلى ما تعرفه من صراعٍ بين قياداتها، من أجل التموقع التنظيمي، وما يزيد المشهد قتامةً انبناء أحزابٍ كثيرةٍ على منطق الزعيم الأوحد، ما يجعلها أشبه بالشتات الذي تجمعه المصلحة الآنية، أكثر مما هي تنظيم ذو بنية واضحة وأهداف محدّدة.

سمير حمدي – االعربي الجديد