وطني و عربي و سياسي

الإثنين,29 فبراير, 2016
الشاهد تنشر التقرير الكامل للجنة الإعداد المضموني للمؤتمر العام العاشر لحركة النهضة

الشاهد_إنطلقت حركة النهضة يوم السبت 27 فيفري 2016 في عقد الدفعة الاولى من مؤتمراتها الجهويّة بعرض اللوائح و نقاشها من قبل المؤتمرين ثم عملية الإقتراع بتقنية التصويت الإلكتروني وفي الاخير تم عرض نتائج المؤتمرين الذين تمت تزكيتهم للمؤتمر العام .

وفي ما يلي التقرير الكامل للجنة الإعداد المضموني للمؤتمر العام العاشر لحركة النهضة

 

1.السياق
يمثل المؤتمر القادم لحزب حركة النهضة مناسبة وطنية تنتظرها الساحتين الداخلية والخارجية منذ فترة لما يكتسيه الحدث من أهمية كبرى للحزب وللمسار السياسي في البلاد ولما تعلق به من انتظارات.
يأتي المؤتمر العام العاشر في سياق ما تعيشه بلادنا من تحولات تاريخية انطلقت مع ثورة الحرية والكرامة وما تبعها من إعادة تشكيل للمشهد السياسي وفي سياق ما تواجهه بلادنا من تحديات منها التحدي الأمني والتهديد الإرهابي المتواصل بسبب حالة عدم الاستقرار في عموم المنطقة.
وقد مثلت مرحلة الإعداد مناسبة للحوار الداخلي الواسع حول تجربة الحركة منذ التأسيس وحول الخيارات المستقبلية في ظل الدور المنوط بعهدتها كحزب كبير مشارك في الحكم ومتحمل لمسؤوليته في إنجاح الانتقال الديمقراطي والعمل على تحقيق أهداف الثورة في التنمية والتشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

2. المحاور
اشتغلت اللجنة المضمونية على محاور عديدة من أهمها :
⦁ تقييم التجربة
⦁ الخيار الإستراتيجي
⦁ المرجعية النظرية
⦁ المشروع السياسي
⦁ الرؤية التنظيمية

 

3. المنهج
اعتمد اللجنة المضمونية على العمل الدراسي الذي تنوعت أشكاله وتميزت بأقصى درجات الانفتاح على المتخصصين والمهتمين بالشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما اعتمدت على الحوار الداخلي في مختلف مستوياته ضمانا لحضور مختلف المواقف والآراء في مرحلة يحتاج فيها الحزب لرأي أبنائه ورأي المختصين والناقدين من داخله وخارجه. وقد أدارت اللجنة المضمونية مختلف مراحل مسار الإعداد التي استغرقت زهاء السنتين في ضوء قرارات مجلس الشورى وتوجيهاته وفي إطار التفاعل مع المستجدات التي شهدتها بلادنا.

 

أولا – في التقييم والنقد الذاتي للتجربة :
أ- المسار العام :
– كانت الحركة عند نشأتها متأثرة بهموم الإصلاحيين الأوائل، ولكنها كانت أكثر تأثرا بأدبيات المشرق مقارنة بعلاقتها بفكر رواد التجديد والإصلاح في تونس. ومع تطور التجربة ازداد وعي الحركة السياسي والاجتماعي عبّر عن نفسه في المطالبة بالحرية والديمقراطية وانخراط أبنائها في تنظيمات المجتمع المدني.

– يمكن إدراج تاريخ الحركة في مجمله من سنة 81 إلى حدود قيام ثورة الحرية والكرامة تحت عنوان النضال ضدّ الاستبداد، ورغم أنّها كانت واقعة تحت ضغط متواصل بحكم سياسة القمع والملاحقة التي سلكتها السلطة فإنّ الحركة لم تجنح إلى العنف بل آثرت المنهج السلمي المدني، والتمسك بقيم المدنية ونهج الإصلاح.
– أسهمت الحركة بحيويّة في تطوير الفكر الإسلامي وتجديده وبلورة أجوبة ومقاربات تجمع بين مقاصد الإسلام ومكاسب الحداثة، كما تميّزت الحركة بانفتاحها على مختلف المدارس الفكرية.

– تميزت الحركة بجهودها في دعم العمل السياسي المشترك بالبلاد وكان لها دور مهم في الحدّ من تغوّل السلطة وهيمنتها على المجتمع كما عمّقت الحركة وعيها بأهمية دور المجتمع المدني في التغيير.
– استطاعت الحركة من خلال تنظيمها ومؤسساتها وبفضل صمود أبنائها في الداخل والمهجر، المحافظة على وحدتها ومراكمة التجربة على الرغم من مناخات الاستبداد والمطاردة التي عاشتها.

إن أقدار التوفيق والنجاح التي حالفت الحركة في مسارها النضالي لا تحجب عنها أخطاء لا ينجو منها أي عمل إنساني في سياقات شديدة التعقيد فرضها نظام الاستبداد وما ترتب عنها من سرية التنظيم واستحالة النمو الطبيعي في ظل الحملات القمعية المتكررة. كما لا يحجب عنا الإخلالات الناجمة عن سوء تقدير الحركة للأوضاع في مراحل ما أو خطأ بعض الخيارات التي كان يمكن اجتنابها.

وإذا كان الخطأ طبيعيا في المسار إلا أن الأهم أن الحركة لم تتوانى عن تقديم نقد ذاتي لتجربتها كلما سنحت الفرصة وخاصة في الوثيقة التي نشرتها عقب مؤتمر 1995 والتي تعرضت بالنقد لتجربتها وعبرت عن رغبتها في التطور نحو الأفضل.

ومن المسائل التي تبين للحركة ضرورة مراجعتها وتطويرها وتجديد نظرتها :
⦁ مزيد الانفتاح على المجتمع والاقتراب من همومه والتلاؤم مع خصوصيات واقعنا التونسي وترسيخ جذور الحركة في المشروع الإصلاحي الوطني المعتز بانتماء تونس العربي الإسلامي والمنفتح على العصر.

⦁ تجنب الشمولية في العمل التنظيمي ومراعاة التخصصات بين الجانب السياسي الحزبي وما سواه من مجالات العمل المدني وقد سبقت الحركة في الالتزام بالفصل بين النشاط المسجدي والعمل الحزبي قناعة منها بإخراج الفضاء الديني المشترك من دائرة التجاذب.

⦁ لا يزال أمام الحركة تحدي بناء التنظيم العصري القادر على الانفتاح على مختلف الفئات الشعبية والاجتماعية وخاصة الشباب والمرأة وهو ما يتطلب تجديدا هيكليا.

ب- ما بعد الثورة وتجربة الحكم :
– واجهت الحركة بعد نجاح الثورة استحقاق البناء من ناحية والفعل السياسي من ناحية أخرى، واستطاعت أن تستجيب لما تتطلّبه الساحة من حضور ميداني، محافظة في نفس الوقت على سياسة الترفق دون مغالبة الواقع.

– بعد دخولها تجربة الحكم واجهت الحركة صنفان من السياقات والإكراهات : داخلية تهمّ واقع الحركة والبلاد، وخارجية تشمل الواقع الإقليمي والدولي. وبشكل عام اصطدمت “النهضة” وهي في الحكم بأوضاع اجتماعية واقتصادية وأمنية صعبة ومعقدة وبموازين قوى داخلية وخارجية لم تكن في صالحها.

لم تمنع الصعوبات النهضة من تحقيق بعض المكاسب من ذلك :
⦁ النجاح مع شركائها في إرساء دعائم دولة الحرية والتعددية وإفشال محاولات الانقلاب على المسار الديمقراطي.

⦁ إنجازات مقدرة على المستوى الاقتصادي وقدرة على التكيف مع المستجدات.

⦁ كان لها دور كبير في سن دستور توافقي يثبت الهوية ويؤمن الحريات ويحقق الوحدة الوطنية.

ومع ذلك فإن أخلالا رافقت تجربة الحكم تتعلق أساسا بقلة الخبرة في إدارة شؤون الدولة وعدم النجاح في بناء أوسع التحالفات لإنجاح المرحلة الانتقالية كما اختلت الأولويات بين إلحاحية المطالب الاجتماعية وضرورات الإسراع بإنهاء المرحلة الانتقالية وإنجاز الدستور.

ولكن التقييم النزيه يحمد لحزب حركة النهضة نجاحها في تنظيم الانتقال السلمي للسلطة وتنازلها الطوعي عن الحكم تقديرا للمصلحة العليا البلاد.

ثانيا- الخيار الاستراتيجي :
– تقوم الرؤية الإستراتيجية للحزب على ترسيخ مرجعية الدستور وبناء المواطن الصالح وتحقيق التوازن بين الدولة والمجتمع وضمان الحقوق والحريات والعدالة وتحقيق التنمية الاقتصادية وتجذير كلّ ذلك في تراث المدرسة التونسية الإصلاحية العريقة.

– إن الواقع المستجدّ بعد ثورة الحرية والكرامة والمصادقة على الدستور بما أفسح من مجال واسع للحرية أصبح يقتضي الخروج من حالة المراوحة بين الحزب والحركة إلى حالة حزب سياسي ديمقراطي وطني الانتماء، منفتح على جميع التونسيين والتونسيات أي حزب متخصص في السياسة وإدارة الشأن العام.

– يختص الحزب السياسي بالعمل السياسي فيما يعود العمل المجتمعي لمنظمات المجتمع المدني التي يقوم عليها الأكفاء المتخصصون والتي تختص بمهامّ التربية والنشاط الديني والتثقيف والعمل الخيري …

– ويكتفي الحزب في هذا الشأن بالإسهام في رسم السياسات المتعلقة بالشأن المجتمعي والثقافي والتعليمي والديني وغيرها، إذ هي من صلب مهامّه السياسية سواء كان في المعارضة أو في الحكم.

ثالثا – المرجعية النظرية :
– نشأت حركة النهضة من رحم الشعب التونسي تترسّم خطى المصلحين والمجددين الذين تعاقبوا على بلادنا عبر القرون. لذلك فهي تستمدّ برامجها من الثوابت الوطنية التي نص عليها الدستور ومن المرجعية الإسلامية والكسب الإنساني في قيمه السامية.

– إنّ الحزب المتخصّص في العمل السياسي يمارس مهامّه من خلال مرجعيته النظرية (الفكرية والقيمية) وهو ما يقتضي أن يؤسّس برامجه في مختلف المجالات على القيم والمقاصد الإسلامية في تزاوج مع الكسب الإنساني العامّ وفق منهجية اجتهادية تجديدية في التقدير النظري وفي التطبيق الواقعي وفي إطار دستور البلاد.

– من هذا المنطلق يسعى حزب حركة النهضة أن يكون حزبا معاصرا يوائم بين التحديث الإيجابي من جهة والتأصيل الثقافي من جهة أخرى، مما يقتضي العمل على تقديم رؤية جديدة للحداثة تجنب الوقوع في مأزق المحاكاة والتقليد والتبعية.

– تقوم الرؤية الفكرية على مجموعة من القيم والمبادئ مثل الحرية والكرامة والعمل والعدل والتسامح والشورى والتكافل والوسطية والإصلاح والأمانة… وتعد هذه القيم مفتاحية جامعة ومتكاملة ومتضمنة للكثير من تفاصيل القيم الأخرى.

– إنّ حزب حركة النهضة في رؤيته الفكرية لا يقف في طموحه عند حدّ المعالجة الآنية للمشاكل والأحداث وإنما يمتدّ برؤيته إلى الآفاق المستقبلية البعيدة ويهدف إلى أن يسهم مع الجهود الوطنية المخلصة في إحداث نهضة حضارية في بلادنا، مستفيدا من الكسب الحضاري الإنساني العام وهو يطمح إلى أن يقدم قيمة مضافة من فعل رؤيته المرجعية وإبداعه الاجتهادي التجديدي.

– تمثل هذه المرجعية النظرية الجديدة بالنسبة لحزب حركة النهضة بديلا عن “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي” التي صادق عليها مؤتمر الحركة سنة 1986.

رابعا – المشروع السياسي :
– يمثل المشروع السياسي الإستراتيجي مقاربة جديدة في التموقع السياسي والانتخابي مبنية على قراءة تحليلية شاملة للمعطى الوطني والداخلي والدولي والتطورات المستجدة. حتى تتأهل “النهضة” أكثر للمساهمة في بناء المشروع الوطني الحضاري القادر على رفع التحديات الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية.

– يهدف المشروع السياسي إلى تموقع “النهضة” في الوسط المجتمعي العريض في إطار حزب ديمقراطي وطني اجتماعي ذي مرجعية إسلامية وتطمح إلى المشاركة في بناء ونهضة تونس الثورة والدستور، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وحضاريا وعلى مستوى الإشعاع الخارجي.

– تتمثل الأهداف الرئيسية للمشروع السياسي للنهضة في تثبيت الخيار الديمقراطي وتحقيق الإقلاع الاقتصادي في إطار العدالة الاجتماعية وتوفير الأمن الشامل المجتمعي والثقافي والمادي والعمل على اندماج آمن للتجربة التونسية في محيطها الإقليمي والدولي.

أ- في المجال الاقتصادي والتنموي : صياغة منوال تنموي جديد يحقق النهوض والإقلاع الاقتصادي ويرتكز على العلم والمعرفة ويهدف إلى توزيع عادل للثروة بفضل دور تعديلي للدولة.

ب- في المجال الأمني : التصدي لظاهرة الإرهاب من خلال دعم قواتنا المسلحة واعتماد مقاربة أمنية استباقية ووقائية شاملة ومتعددة الأبعاد.

ج- في مجال تحديث الدولة والإصلاح الإداري الشامل : إصلاح مؤسسات الدولة والإدارة والأنظمة والقوانين على أساس متطلبات الحوكمة الرشيدة.

د- في مجال العلاقات الخارجية نؤكد على المبادئ التالية :
– الحفاظ على علاقات تواصل وتعاون مع الأطراف الدولية التي لها صلات قوية مع تونس بحكم ميراث التاريخ وثقل المصالح مع انفتاح أكبر على القوى الدولية الصاعدة…

– التأكيد على مبادئ التضامن العربي والإسلامي ورفض الاحتلال والتدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة.
– العمل على بناء المغرب العربي الكبير وتحقيق التكامل الاقتصادي بين بلدانه، والاهتمام بالجوار المباشر، خصوصا الجارين الجزائري والليبي بحكم خصوصية العلاقة.

– الانفتاح على القارة الافريقية لعمق الصلات التاريخية والثقافية ثم لما تتوفر عليه من فرص اقتصادية واعدة.

هـ- مسألة المشاركة في الحكم :
إن المشاركة في الحكم ومنهج التوافق والتحالف السياسي هو المنهج المناسب في مراحل الانتقال الديمقراطي على أن يكون التحالف على أرضية البرنامج الوطني الإصلاحي وأن يكون مع الأطراف الوطنية القابلة للحوار والعمل المشترك.

خامسا – الرؤية التنظيمية :
يحتاج الحزب إلى مواكبة تطلعات الإصلاح داخله وفي مشروعه السياسي إلى إحداث تطوير هيكلي وتنظيمي يستجيب لعدد من المبادئ ويلبي عددا من الاحتياجات تتمحور بالأساس حول:

– ترسيخ الديمقراطية ثقافة وممارسة بما ينعكس تطويرا على عمل الحزب وسلوكه التنظيمي والسياسي.

– المأسسة وامتلاك البنى الهيكلية المقننة القادرة على تحقيق الأهداف وتنفيذ المهام والقرارات.

– اللامركزية مبدأ وآلية في القرار والتنفيذ انسجاما مع الروح العامة الذي عبّر عنها التطور الثقافي والاجتماعي للتونسيين في هذه المرحلة من تاريخهم وجسّده دستورهم الجديد نصا.

– الانفتاح على مختلف الفئات والقطاعات المهنية داخل المجتمع، والعمل على إدماج كفاءات وطنية ومثقفين بما يحقق الاستفادة من خبراتهم المتولدة عن مسارهم السياسي والاجتماعي.

– تعزيز وجود المرأة في مختلف هياكل الحزب والعمل على تجسير الهوة بين الأجيال حتّى لا يُحرم الحزب من جزء هام من طاقاته.

– تطوير الحزب باعتماد طرق الإدارة العلمية والوسائل الحديثة في التسيير والتنظيم والاتصال واعتماد الكفاءات المهنية وضمان الشفافية والحوكمة الرشيدة.

– حسن توظيف الطاقات وإيلاء مسألة التكوين والتأهيل الأولوية الكبرى.

 

تهدف المراجعات التي يتطلع إليها المؤتمر العام العاشر إلى الانتقال بتجربة الحزب إلى أفق يستجيب لتطلعات أبنائه وانتظارات عموم التونسيين والتونسيات في مجال الممارسة الحزبية الحديثة التي تقوم على الديمقراطية سلوكا، وعلى عمل الفريق إدارة، وعلى ثقافة المؤسسة إطارا، فتتهيأ بذلك للحزب مسالك استمرار أثره في الدولة وفي المجتمع إصلاحا وتنمية وينشأ فيه جيل يملك التفكير الاستراتيجي وروح الإبداع والوعي بالحاجة العالية للإنجاز والمبادرة.

 

رئيس لجنة الإعداد المضموني
عبد الرؤوف النجار



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.