أهم المقالات في الشاهد

الأربعاء,3 يونيو, 2015
الشاهد تفتح ملف أزمة القطاع الصحّي في المناطق الداخلية…ستائر تحجب جرائم التهميش والاقصاء

الشاهد _ في ظل فوارق اجتماعية أكثر وحشية من فقر وجوع وبطالة وثروات هائلة مسروقة وتوارث حكام الحقبة الاستبدادية البورقيبة والنوفمبرية لسياسات اقصائية انتقائية وانتقامية منذ فجر الاستقلال عمقت الفوارق الاجتماعية، وزرعت جرثومة الطبقية في جسد المجتمع التونسي الذي عاشت غاليبية أفراده لسنوات حرمانا مقيتا وحصارا مفروضا، فيما حظيت أقلية محظوضة لقربها من الحاكم وأو تمسحها على أعتابه بالنصيب الأكبر من ثروات البلاد ومقابل الصمت على سياسات النهب والقمع كوفئ كل من دخل بيت الطاعة، فيما عوقبت جهات بأكملها بالسجن أو النفي والاقصاء والتهميش.
مجالات عديدة رفع عنها الستار بعد الثورة لتنكشف عن قسوة معاناة المواطن في جميع المناطق وخاصة في المناطق الداخلية، كاشفة عن واقع صادم وصورة مخزية لبلد طالما تبججت فيه النخبة الموالية للحكام والانظمة.

ولعل أبرز هذه الفوارق الاجتماعية تتجلى بالأساس اضافة الى مجالات التنمية المنعدمة وهشاشة الظروف المعيشية، في المجال الصحي وعلى مستوى أسباب وسنّ والعلاج، والوقاية، ومصاريف العلاج وسوء العلاج، الذي هو مرتبط بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للشخص. فقد اكد بعض الاطباء الذين يزورون المناطق الريفية النائية بجنوب البلاد وشمالها، أنّ حوالي 20 بالمائة من نسبة المرضى في تونس لا يزرون الطبيب بصفة مستمرة إما لأسباب مادية أو أسباب متعلقة بمدى الوعي، وحسب الدراسات فان الامراض المزمنة منتشرة أكثر في المناطق المناطق الداخليّة وخاصة في العائلات التي تكون العائل فيها امرأة بسبب تدهور الظروف المالية وغياب الـتأمين على المرض.

مازالت الخدمات الصحية لم يرتق إلى تطلّعات المواطن خاصّة بالمناطق الريفية التي تفتقر فيها الخدمات الصحية إلى التطوير، على الرغم من أن بعض مراكز الرعاية الصحّة الأساسية التي تؤمّن خدمات صحية لمناطق بأكملها حديثة الانشاء. فقد شهدت المناطق الريفية بالجنوب الشرقي زيادة واضحة في عدد السكان، وهو ما جعل أغلب المناطق تقف عاجزة عن تغطية الطّلبات المتزايدة للمرضى اعتبارا لضيق مساحة هذه المراكز الطبية وكونها غير قادرة على استيعاب إختصاصات أضحت مطلبا ملحّا لسكان المنطقة.

كما ان بعض البنايات الموجودة حاليا هي في الأصل يتهدّدها خطر السقوط حيث تصدّعت جدرانها الأمامية وانزلقت أرضيتها حتى بات المواطن يخشى على نفسه من الوقوع في إحدى الحفر بمدخل المركز خاصّة بالنسبة إلى الأطفال الصغار والشيوخ.

والأمر ليس مقتصرا على المرضى فقط بل إنّ الممرّضين والأطباء يعانون بلا شكّ من الوضعية السيّئة التي أصبحت عليها مراكز الرعاية الصحية ويجدون صعوبات كبيرة في أداء مهامهم على الوجه الأكمل في مثل تلك الظّروف خاصة إذا تعلّق الأمر بالتعامل مع الحالات الاستعجالية.

كما أنّ المركز ليس مؤمّنا على الوجه المطلوب حيث يحيط به سور لا يتجاوز ارتفاعه المتر الواحد وهو ما يسمح بالدخول إليه بكلّ سهولة وهو ما يستدعي التفكير في حمايته وذلك بزيادة علوّ السور وتنظيف محيطه الداخلي من الأعشاب وإزالة المسكن المنتصب داخله أو إعادة ترميمه وإصلاح نوافذه وأبوابه بعد أن تحوّل إلى خراب.

الاهالي طالبوا في مناسبات عدة بإدخال إصلاحات بمراكز الرعاية الصحية الأساسية القريبة من حل سكناهم وما يستدعيه من توفير أقسام واختصاصات غير متوفّرة وتحويلها إلى مراكز استشفائية متعدّد الاختصاصات قادرة على ضمان خدمات صحية جيدة وتجنّب المرضى مشقة التنقّل إلى المستشفيات الجهوية.

 

 

وتعود هذه الفوارق إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها عديد المستشفيات، حيث تنعدم فيها أبسط المعدات الصحية والتقنية وقد تنعدم في بعض المناطق وخاصة الجهات الداخلية، مما عمق الهوة بين المناطق في التصدي لعديد الامراض كما أنّ عدم تكافئ الفرص في التغطية الصحية بين المناطق عمق هذه الأزمة.

متساكني أرياف الجنوب الشرقي والغربي والمناطق المعزولة في الشمالين الغربي والشرقي اشتكوا في وقفات احتجاجية متواصلة من تدهور ظروف المراكز الطبية التي يشعر المواطن حين يزورها انه لاجئ في غير بلده، أو أن البلد لتوه مستعمر لا يشبه الواقع فيه الصورة المتداولة في الاعلام او على السنة المسؤولين البعيدين عن هموم الطبقة المهمشة وتطلعاتها.

يفاجئك حين تزور أحد مراكز الصحة العمومية بأرياف معتمدية منزل بوزيان الذي يفتح ابوابه ليوم واحد في الاسبوع، أن المركز يتحول الى دكان يبيع الدواء الموهوم، وأن الاطباء أو من قبل من المتخرجين الجدد بالعمل في هذه المراكز الاستشفائية المفتقرة لابسط الظروف الصحية. مئات المرضى غالبيتهم من كبار السن يشتكون أمراض مزمنة أقعدت بعضهم، والبعض الاخر يواجه امراض المت به برباطة جأش وتسليم بالامر الواقع، في غياب تام للادوية.

يصدمك الواقع حين تخبرك إمراة مسنة أن قدومها لمركز الرعاية الصحية بالمنطقة الريفية التي تسكنها، ليس لغاية التداوي رغم إصابتها بأمراض مزمنة تهدد حياتها، بعد أن عجزت عن شراء ثمن الادوية ومصاريف التنقل. وفي ظل افتقار شبه كلي للادوية، سوى بعض المسكنات التي تقسم بين من لهم بطاقات علاج مجانية، تاتي لتأخذ نصيبها من هذه المسكنات، ليس لتداوي بل طعاما لابناءها.

” السيروا” يا بني طعاما لابنائي، ياكلونه مع الخبز اليابس، أغلب العائلات تعوض الحليب فطور الصباح بالسيروا الذي والف ابناءنا طعمه.” الصورة محزنة ومؤلمة وما أخفاه الحياء وكبرياء البسطاء، لا يمكن أن تطاله الكلمات أو تعبر عنه.
حالة مراكز الرعاية الاستشفائية تبدو كارثية وازداد تدهورها خاصة مع تعيين مسؤولين داخل المستشفيات ليس على مقياس الكفاءة وإنما المحاباة، بالإضافة الى غض الطرف عن تجاوزات بعض الأطباء، بعد ان تعالت في الىونة الاخيرة بعض الاصوات المطالبة بمحاسبة كل الأطراف المخالفة للقانون والمسؤولة عن تأزم المنظومة الصحية في تونس.

يرد البعض حالة اللااستقرار السياسي في البلاد وراء عدم تطور الهياكل الصحية حيث لم تتخذ اجراءات واضحة وبرامج اصلاحية ناجعة، بعد تواصل سياسات التهميش والاقصاء سنين بعد الثورة نخر فيها الفساد والمحسوبية جسد الوطن وغابت العدالة الاجتماعية كما ضاعت برامج التنمية بين رفوف الوزارة والمسؤولين القدامى والجدد، في المناطق المناطق بسبب تدهور الظروف المالية وغياب الـتأمين على المرض.

الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة للمواطن لها علاقة وثيقة بوضعيته الصحية، حيث لا يقدر بعض المرضى على تحمل مصاريف العلاج، أو لا يقدرون خطورة الأمراض مثل السرطان وأمراض القلب والشرايين، وقد يتبين ذلك اكثر في الجهات الداخلية حيث تكون نسبة وفيات الأطفال أكثر ارتفاعا.

تبقى الدولة لوحدها عاجزة عن القيام بكافة الإصلاحات ولكن يجب تظافر الجهود بين مختلف الفاعلين من مكونات المجتمع المدني والنقابات، كما يجب الانتباه إلى التكوين الأكاديمي واتباع الحوكمة الرشيدة، و  إلى وجوب قيام الخبراء بتحليل جميع المعطيات المتوفرة حول الفوارق الاجتماعية وتوضيحها وتقديمها للأطراف المسؤولة.