كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الإثنين,8 يونيو, 2015
السيسي…قذّافي جديد في طور التشكّل

الشاهد_”لا تظهر الشماتة لأخيك، فيعافيه الله ويبتليك”..لا أعرف إن كان هذا الحديث صححه الألباني أم لا؟ فمن كثرة ترديد اسم الألباني في الآونة الأخيرة، ومنذ مرحلة قناة “الناس”، ظننت أمرين: الأول أنه لابد للتأكد من صحة أي حديث نبوي أن يكون صححه الألباني. والثاني أن الألباني لذيوع اسمه وترديده فوق المنابر اعتقدت أنه من زمن “السلف الصالح”، قبل أن أقف على أنه من زمن “الخلف الطالح”، فالرجل له تسجيلات على الإنترنت، على نحو كاشف أنه ابن زماننا.

وسواء صحح الألباني هذا الحديث أم لم يصححه، فإنه يبدو بالتجربة أنه حديث صحيح، فبعد مرحلة من الشماتة والسخرية في الشعب الليبي من قبل المصريين بسبب أن محنتهم كانت في زعيمهم، وأن هذا الزعيم كان معمر القذافي، فقد تخلص الليبيون منه، وجاء للمصريين خليفته في الملاعب عبد الفتاح السيسي!

وإذا كان القذافي تصرف على أن الزعيم الملهم والمفكر الضرورة، مع أن كلماته تبدو مفككة تستعصي على الفهم، وتبدو كالشفرة، التي تحتاج لخبير في الشفرات ليتعامل معها ويحولها إلى لغة مفهومة، فقد انتصب السيسي خطيبا، وقال بأنه “طبيب”، واستدرك ليؤكد أنه وإن كان “طبيبا”، فإنه لا دخل له في ذلك “فربنا خلقني كده”، فلم يكن بحاجة إلى الالتحاق بكلية الطب ليتخرج فيها طبيبا، فملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب!

وقد ظننت للوهلة الأولى أنه “حكيم عيون” يفهم في العين ورموشها، قبل أن يؤكد أنه “ممارس عام”، في مرحلة ما بعد التخصص، ولأنه “زرع إلهي”، فإنه يكفي لوضع يده ليكتشف المرض، وهو ما جعل القادة والزعماء يقولون لأتباعهم اسمعوا له، وليس فقط القادة والزعماء وإنما على حد قوله “والفلاسفة لو حبيتو”!

الفلاسفة؟!.. يا للهول، فأنا كنت أظن أن زمن الفلاسفة قد ولى برحيل ابن رشد، وفلاسفة الإغريق و”باقي الشلة”، وأننا الآن نعيش في زمن “الفكاكة”، قبل أن يخبرنا الفيلسوف الأكبر ابن السيسي أن الفلاسفة يأتون إليه ليستمعوا إليه باعتباره “طبيبا”، يحدد الأمراض بمجرد اللمس، وإن كان لم يخبرنا بعد إن كان يمتلك أيضا القدرة على أن يبرّئ الأكمه والأبرص، أم أن مهمته تتوقف عند حد تحديد المرض، ويترك العلاج للزعماء والقادة والفلاسفة؟ّ

وهل يدخل ضمن العلاج الناجع حل أزمة الطاقة باللمبات الموفرة، وحل مشكلة البطالة بألف سيارة خضار، وعلاج الإيدز ومواجهة الفيروسات “بصباع الكفتة”؟! أم أن تخصصه الدقيق في الأمراض التي لم تتوصل إليها البشرية بعد؟!

إنه قذافي جديد، وربما حلت فيه روح القذافي وفق نظرية الحلول والاتحاد، فصرنا أمام مشروع قذافي تحت التأسيس، وقد بدأ المرحلة من أولها، وعندما تنزل العلم اللدني على الأخ العقيد معمر القذافي في مرحلة النشأة والتكوين، وفي بداية الفتوحات الكبرى التي توصل إليها بقوله: “المرأة تحيض، والرجل لا يحيض”.. وهو اكتشاف لم يتوصل إليه أحد قبله!

بداية دخول القذافي في دائرة الفتوحات والإلهام كانت في سن مبكرة، وعليه تمكن من أن يتطور ويصل إلى مرحلة “الكتاب الأخضر”، ورواية “القرية القرية.. الأرض الأرض.. وانتحار رائد الفضاء”، وهي الرواية التي صرخت أمام عبقريتها أديبة مصرية، وطلبت من القائد معمر القذافي أن يترك الفرصة للأديب معمر القذافي، وألا يتآمر عليه!

وفي ظني أن السيسي لن يصل للمرحلة الأخيرة، لأنه بدأ في “سكة الفتوحات” متأخرا، وبعد أن بلغ سن الإحالة للتقاعد، والمعنى أنه سينتهي عند مرحلة “المرأة تحيض والرجل لا يحيض”!

وإذا كان الإلهام هدى القذافي في مرحلة لاحقة لفكرة “النهر العظيم”، فحفره ولم يسمع لكلام الخبراء بأن المياه الجوفية لها منسوب ولا يتدفق الماء منها بشكل مطلق، لأن الخبراء من “أهل الشريعة” في حين أن القذافي من “أهل الحقيقة”، فقد تنزل الإلهام على السيسي بضرورة تدشين “مصرف جديد” يؤنس وحدة قناة السويس، ولم يسمع لقول الخبراء الذين هم من أصحاب العلم الظاهري بأنه لا جدوى اقتصادية من وراء ذلك.

وقديما، قال أحد المتصوفة: “أنا إن كنت في حكم الشريعة عاصيا، فإني في حكم الحقيقة طائع”!

الأهم من إفصاحه عن أنه “طبيب”، وأن الله خلقه هكذا، يضع يده على البطيخة البيضاء فتتحول إلى حمراء فاقع لونها، هو ما قاله إن مصر كانت مريضة، وتقف “على الحرف”، فجاء واحد “وزقها”، وهي “ونازلة تقع” مسكها “واحد” وقال لها “استني”!
وقد صاحت الجماهير عندئذ، فقد عرفت من هو الذي أمسك بيد مصر لينقذها، وليس ليتحرش بها، فهو “السيسي”، الذي بدا في حالة تواضع العلماء، وهو يطلب منهم الصمت لأن هذا ليس هو الموضوع!

بمحاولة فك الشفرة، وقد فكها الحضور الكريم بمعرفة الواحد الذي قال لها “استني”، فإنه يتضح أن مصر كانت مريضة قبل ثورة يناير، والمعنى أن الذي أوصلها إلى هذا الحد من التعب والإنهاك هو مبارك، وقد كان السيسي نفسه هو من صفوته المختارة، الذي ترقى في عهده حتى حصل على رتبة اللواء، قبل أن يرقيه مديرا للمخابرات الحربية!

وهناك دعاية كاذبة، جرى ترويجها إعلاميا بعد الثورة، هي أن المجلس العسكري والسيسي أحد أعضائه كانوا ضد مبارك، ولم يكن لأحد أن يجرؤ منهم جميعا ليعارض مبارك ولو في منامه، وهم شركاء بالصمت في عملية إنهاك مصر، وبيع مقدراتها لمجموعة من الفهلوية ممن أطلق عليهم “رجال أعمال”، وتمكينهم من أموال البنوك، وبيع أعضائها في مزاد تجارة الأعضاء، أقصد بذلك بيع القطاع العام بثمن بخس!

وإن كان صاحب الفتوحات، لم يوضح من الذي “زق” مصر وهي تقف منهكة على “الحرف”، هل ثورة يناير، الذي تقدمه النخبة الفاسدة، أو تلك التي كان لديها استعداد فطري لأن تفسد وتنتظر الفرصة، على أنه من حماها ودافع عنها؟ أم يقصد حكم جماعة الإخوان الذي “زق” هذه المريضة قبل أن يمسك هو بها ويقول لها “استني”!

فالشاهد أنه كان بجانب الرئيس محمد مرسي يصلي الفرض بفرضه خلفه، ويعطي له التحية العسكرية، وبعيدا عن دوره في التخطيط للانقلاب، فقد كان من الواضح أنه لم يعترض على عملية “الزق”، ولم يسجل لنا في خطبه الكثيرة، ومقابلته التلفزيونية، موقفا له اعترض فيه على سياسة من سياسات الإخوان، التي مثلت “زقا” لمصر الواقفة على “الحرف” منهكة!
لا بأس.. فإلى حين أن يخصصوا مترجما له علاقة بلغة الطير، حتى نتمكن من فهم كلام السيسي ومن ثم تحليله، فإنه لا ينبغي لنا إلا أن ننشغل بتحليل ما توصلنا إليه بعد معاناة، وهو أن السيسي “طبيب”، يمد يده فيحدد “الوجع”!

وقديما.. قالت ماشية على حل شعرها، شعري بيوجعني. ويبدو أنها كانت طبيبة مثله، لأنها عرفت من تلقاء نفسها سبب “الوجع”، فعندما سئلت عن سبب هذا قالت: “من شد إمبارح”، “ويلي على الترعة حود على المالح”!

ويا جيراننا في ليبيا: نرجو السماح والصفح الجميل، فقد ظهر عندنا قذافي صغير يوشك أن يقول: “من أنتم؟”.. “قذافي في طور التشكل”.

سليم عزوز