الرئيسية الأولى - كتّاب

الأربعاء,3 يونيو, 2015
السيد منصر الهذيلي السادة الكرام ..هاتوا بضاعتكم نحاجج بها النهضة

الشاهد_التحامل على الاسلاميين و بالأحرى على حركة النهضة ، تلك احد السمات التي طفحت من كتابات الدكتور منصر الهذيلي ، كتابات جاءت في مجملها لتحمل على الجانب السياسي لدى الحركة وتلاحق الاسلوب الذي عالجت به قيادة النهضة انقلاب رمضان 2013 وما تبعها من تمشي لم يكن الا مقاربة لدفع البلاد بعيدا عن المستنقع المصري ، وكغيره من الساخطين على نهج الانتقال الديمقراطي المتعثر والادوات التي تم اعتمادها ، قدم الهذيلي عبر نصوص طويلة شحنات من الرفض والاستنكار وحتى التخوين ، واتكأ على جرابه النظري ليرجم النهضة وقياداتها بالشنيع ، ويلحق قواعدها بقوافل السذج المغلوبين على امرهم ، والغارقين في ثقافة القطيع ، يقدم الرجل تباعا سيل من حالات الاشفاق ، على الحاضنة الشعبية للنهضة ، يصفف عباراته في شكل جرعات من الاسى والاسف ، حول الغفلة التي تعيشها الحاضنة البسيطة المهمشة ، بينما افراد من القيادة تنعم بالذكاء الماكر وتستبله عشرات الآلاف من المغبونين ، او هكذا صور السيد الهذيلي المشهد عبر سلسلة من مقالاته ، كتابات ان لم يرصدها للنهضة والغنوشي بالكامل فلا مناص من التعريج عليها وعليه وعلى من هو على نهجهما .

 

في مقاله الاخير ،احدث الهذيلي نقلة نوعية ، حين مر من مهاجمة النهضة الحزب السياسي ، الى مهاجمة النهضة الاسلامية ، الفكر والمشروع ، كما انتقل من القدح في بعض الرموز ، الى فتح النار على الكل ، وذهب بعيدا هناك الى العمق ، استحضر زخم لا يقل عن اربعة عقود ، وجمع ابناء الحركة في سلة واحدة ثم قدح في مشوارهم الطويل المخضب بالشهادة والدماء والآلام ، ووصف العطاء المترامي و المضني لمن قضوا ومن بقوا ، بالسراب ، استهدف الهذيلي المشروع الاسلامي بشكل واضح ، ولم يقف عند معارضته او خيبته من التمشي الآني لسياسة الحركة وتعاطيها مع قوى الانقلاب ، بل غاص في الماضي واستهدف التاريخ والفكرة والنشأة .

 

تصر مجموعة قريبة من مشارب الهذيلي على تفكيك اواصر النهضة ، وتجتهد في ذلك وسعها ، فمنذ رفضت الحركة فكرة التحشيد للصدام ، وابقت على الطبول للافراح ولم تقرعها للحرب ، دشنت المجموعة المذكورة موجة من دق الاسفين بين القاعدة و القيادة ، وتلح في نشرياتها و تعليقاتها وجميع مناسباتها ، على ان التباين داخل مؤسسات الحركة على أشده ، وان الانفجار دخل مرحلة العد التنازلي ، ولما مل العداد وصدأ ،حسموا في جميع المؤسسات ، وأعلنوا ان القواعد في وادي والمؤسسات في وادي آخر ، ومازال بهم الامر حتى يئسوا من احداث الشرخ ، فاعلنوها قيادة ماكرة وقواعد ساذجة تستمرئ الاستبلاه .. واعتمدوا هذا التمشي ، ثبتوه كإستراتيجية ، ثم بنوا عليه جميع خصوماتهم .

 

لن نغوص في مسالة الهوية الفكرية للنهضة ومنهجها وتاريخها ، لان ذلك دونه الوقت والكتب ، لكن لا باس من الاشارة الى الخلاف مع خيارات الحركة ، لانها مسالة لا تحتاج الى شروحات ، بل تحتاج الى عقلية غير متحاملة لا تلتمس البطولات النظرية في العوالم الافتراضية ، ولعل اهم ما يلفت الانظار ان كل الدين خالفوا الحركة بشكل راديكالي ونفذوا خلافهم بغلاف ثوري ، لم يقدموا في طروحاتهم الطويلة المشبعة بالنظري المدكوكة بالصمود الافتراضي ، أي مقاربة معقولة يقبلها العقل ، تؤشر الى الطريقة التي يمكن بها تجنب حاويات المال الاماراتي ، والدعم اللوجستي الفرنسي الغير مشروط ، والمال المحلي المرشخ في الهيئات والمؤسسات ، والدولة العميقة وترسانة الشخصيات النافذة التي نشات وترعرعت في احضان الدكتاتورية بطبعتيها ، تشربت من بطشها ونهلت من خبثها . بل كل ما قدموه طوفان من اللوم ، ووابل من الخدش ، وكمية لا يستهان بها من التخوين .

 

لا احد من هؤلاء يعمد الى غضبه البركاني فيلطف من وهجه ، ثم يقدم لنا خارطة طريق مقبولة وواقعية ، نضعها بين يدي النهضة لنحرجها ، واحد من خلق الله الرافضين الغاضبين المتحاملين ..يقدم لنا وصفة خالية من الحشو ، نحاجج بها الغنوشي وجماعته ، وان تعذر ، فدعنا من الوصفات المتكاملة ، ولنطالب ببعض الخطوط العريضة ، في نقاط وجيزة ، يدلنا هذا او ذاك عن مفاصل الطريقة التي تنكبتها النهضة وكان يمكن بموجبها تجنب سيناريوهات بقية دول الربيع العربي ، الا اذا اعتمدنا معادلة “اذا لم تكن ثورة كاملة ناصعة ، فالأخضر واليابس وعليا وعلى أعدائي ، وهي معادلة يأباها حتى الجولاني وبكو حرام وشباب الصومال .. وحدها داعش البغدادي تحوم حولها تكاد تعتمدها .

 

السيد هذيلي ، السادة اصحاب التنطع والسمو ، كثير من الاراضي التي تتحركون فوقها اليوم بمرونة وتمارسون على يابستها النظال المهندم ، هي لم تكن كذلك الى وقت قريب ، لقد كانت مساحات تغيم الفتنة فوقها ، حبلى بالخراب ، عطشى الى الدم ، ملغمة بكثافة ، شرهة الى الموت ، مساحات لم تكن تبحث عن الجراة والاقدام والاندفاع ، فقط كانت تبحث عمن يشرع في تفكيك الالغام بحكمة ، ويبالغ في اعمال العقل ، يسابق الكارثة ، يدفع النهاية البشعة بعيد عن باحة الوطن .

 

نصرالدين السويلمي