أهم المقالات في الشاهد - كتّاب

الخميس,4 فبراير, 2016
السبسي واليسار

صلاح الدين الجورشي

بقطع النظر عن المناسبة التي أدلى بها الرئيس الباجي قايد السبسي بتصريحاته الأخيرة، حين انتقد اليسار والإسلاميين خلال جلسة حوارية مع رؤساء تحرير الصحف البحرينية، فالمؤكد أن العلاقة بينه وبين عموم اليسار قد أصيبت بكسر حاد، وهو ما يفسر الهجوم الذي يتعرض له من قبل عديد الفعاليات اليسارية.

علينا في البداية أن نستحضر ما جاء على لسان رئيس الدولة. قال حرفيا ” كنا نقاوم التطرف الإسلامي ونجحنا في ذلك لكن التطرف ليس خاصية قاصرة على الإسلاميين فقط، فهناك أيضا يسار متطرف وهو أشرس من نظيره الإسلامي ونحن كذلك نقاومه”. كان هذا ردّا على سؤال طرحه رئيس تحرير صحيفة (الوسط) البحرينية عن أزمة حزب نداء تونس. ولم يكتف السبسي بذلك، وإنما ذهب إلى الأقصى، فعندما سئل عن “الأيادي الخارجية ” التي اتهمها بالتدخل في الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد أجاب حرفيا “أنا قلت «أيادٍ خبيثة» ولم أقل خارجية والخبث ليس اختصاصا أجنبيا فربما يكون تونسيا، وقد تم استجواب أحد اليساريين المتطرفين وهو عضو بمجلس الشعب فقال: أنا أتحدى الرئيس أن يقول من.. وأنا كرئيس دولة لم أذكر أحدا لأني أحترم الأصول، وبالفعل هي أياد تونسية لكن ليست أيادي الأشخاص الذين كان يحق لهم التظاهر بسبب البطالة.. لكن تدخلت أيادٍ أخرى لأسباب سياسية وضخمت الأمور وهو ما اتضح وأشرت إليه، وأنا أعرف الأشخاص ولدينا تحقيقات لكن ليس من الحكمة كرئيس دولة أن أذكر الأشخاص وندخل في تصفيات أخرى، وهذه الشخصيات المعروفة لدى رجال الأمن وسيقول القضاء بعد ذلك كلمته “.

السؤال الذي يجب طرحه في هذا السياق: ما الذي دفع برئيس الجمهورية، وهو الخبير فيما يقال ولا يقال خارج تونس، إلى أن يطلق النار بهذه الكثافة على اليسار عموما وعلى أقصى اليسار خصوصا وتحديدا “الجبهة الشعبية”؟

لا يختلف اثنان في القول بأن بين الطرفين خلافات أيديولوجية وسياسية جذرية وعميقة. لكل منهما مرجعياته وتاريخه ومصالحه التي دافع عنها ولا يزال. لم يكن السبسي يساريا مطلقا، وإنما كان ولا يزال دستوريا ووفيا لبورقيبة، لا يؤمن بصراع الطبقات، وقد يحترم ماركس ولينين كمفكرين كبيرين لكنه لا يعتبرهما مرجعا له في فهم الدولة والاقتصاد والحياة.

ضرورات السياسة هي التي قربت بين السبسي واليسار، وفي عالم السياسة كل شيء ممكن بما في ذلك احتمال التقاء الخطين المتوازيين. لقد قربت حركة النهضة بين الطرفين عندما كانت تقود الترويكا، حيث اقتنع عديد اليساريين بأن الباجي قايد السبسي يمكن أن يكون في غياب شخصيات اعتبارية كبرى أن يلعب دور الزعيم الموحد لجمهور كبير يتجاوز حدود النخبة ويقدر على قلب موازين القوى وسحب البساط من تحت أقدام “النهضة”. فرغم النضالات التاريخية التي قام بها اليسار في مختلف مراحل تاريخ تونس الحديث، إلا أنه لم ينتج زعماء كبار، كما لم يتمكن من كسب ثقة غالبية التونسيين. وهو ما جعله ينجح في أن يبقى قوة احتجاجية، لكنه إلى حد اليوم لم يتمكن أن يوحد صفوفه ويصبح قوة قادرة على قيادة الشعب في لحظات التحول. كثير من اليساريين قرروا منذ السبعينات أن ينفتحوا على أوساط أخرى من النخبة للعمل معها ضمن مبادرات سياسية، وبالأخص مبادرات ذات طابع مدني مثل الحركة الحقوقية أو النقابية والثقافية. وقد اقتنع الكثير من هؤلاء، ومنذ وقت مبكر بأن انغلاق اليسار على نفسه لن يساعد على تغير الأوضاع في البلاد، إذ رغم تجدد المشاريع التنظيمية الهادفة لبناء أحزاب ماركسية وفية لأصولها النظرية إلا أن كل التجارب السابقة بقيت محدودة الأثر، ولم تؤد إلى بناء الحزب الثوري والطبقي القادر على تجميع الجماهير حوله.

من هذا المنطق التف الكثير من اليساريين حول شخصية السبسي، وساهموا من مواقعهم في صناعة الزعيم والأب. هذا الأب من جهته فتح ذراعيه لجميع من قصدوه وأيدوه في مسعاه، وهو كرجل سياسي يتمتع بقدر عال من البرغماتية حيث استعان بالتجمعيين واليساريين واللبراليين ورجال الأعمال من كل الأصناف. وكان ذلك أمرا مفهوما لتحقيق الهدف المرحلي الذي كان يتمثل في التحول إلى قوة سياسية أولى في المشهد السياسي.

كانت بداية الأزمة المفتوحة مع الجبهة الشعبية عندما كشف الصندوق عن أسراره وامتدت أيادي الندائيين إلى اليسار الراديكالي للانخراط في الحكومة الجديدة، لكن “الجبهة” تحفظت على العرض، ثم قدمت شروطا على مستوى البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، وهو أمر طبيعي، وفضلت في النهاية عدم المشاركة. لكنها في الآن نفسه استمرت في الضغط على قيادة “النداء” من أجل الحيلولة دون إشراك حركة النهضة في السلطة. وهو شرط رفضه الباجي قايد السبسي ومن معه معبرا عن امتعاضه من سلوك “الجبهة” وقيل الكثير داخل أوساط “النداء” عن موقف الجبهة، بمن في ذلك عناصر يسارية قيادية في الحزب، وإن كان البعض الآخر من اليساريين الندائيين من أصر على عدم التحالف مع الإسلاميين، ورأوا في ذلك خيانة لناخبيهم.

واتسعت الرقعة بين السبسي وبين حلفائه السابقين الذين خاض معهم معركة “اعتصام الرحيل”. إذ كلما تعثرت سياسات الحكومة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي إلا وانهالت الجبهة على حكومة “النداء” متهمة إياها بخدعة التونسيين واتباع سياسات من شأنها تعميق الفوارق الاجتماعية بين التونسيين. وبالرغم من أن الأزمة التي فجرت حزب النداء لم تكن بين يساريين وتجمعيين، إذ يوجد من اليسار من بقي وفيا للسبسي الأب وكذلك الابن، كما توزع الدستوريون بين هذا الشق وذاك، لكن دار لغط واسع داخل الندائيين حول الدور الذي لعبته بعض الشخصيات اليسارية في تغذية هذه الأزمة والدفع بها نحو الانفصال عن الجسم الأصلي للحزب. وأخيرا اندلعت الاحتجاجات الاجتماعية التي يبدو أنها أفاضت كأس رئيس الجمهورية عندما حرص البعض على إعلامه بأن هناك أصوات منسوبة لأقصى ارتفعت في بعض المسيرات طالبت بإسقاط النظام ودعت إلى طرد بعض المسؤولين المحليين.

هذه المعطيات في حاجة للتحقق من صحتها والتأكد إن كانت نابعة من خطة حزبية مسبقة أم كانت نتيجة تصرفات معزولة. لكن بقطع النظر عن ذلك فإن تصريحات رئس الجمهورية تدل بوضوح عن وجود أزمة ثقة حقيقية وعميقة بين السبسي وعموم اليسار. وقد ساعدت على ذلك عديد التصريحات شديدة اللهجة التي أطلقتها وجوه يسارية معروفة اتهمت رئيس الدولة بتعذيب اليوسفيين وطلبة اليسار خلال الستينات من القرن الماضي، وزعم هؤلاء أيضا بأن نضالات اليسار هي التي أوصلته إلى قصر قرطاج.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.