الرئيسية الأولى

الثلاثاء,7 يونيو, 2016
الرشوة في تونس ..عون آخر في الشباك

الشاهد _ “اعطيني 40 دينار والا وراس ميمتي وراس ميميتي تدخل الكرهبة للفوريار كي يجي طالع شكون لا يخرجها واحد ..يا ولدي تحت 40 لاله والله كي يولي دورو تحتهم لا ، ما تعرفش تحسب والا شبيك ، راني حلفت مشك تاتصومني تعرف الحلفان عنا نحن ..”

ملخص الحوار نشرته بعض مواقع التواصل الاجتماعي و الذي دار بين عون أمن وصاحب سيارة يبدو قام بمخالفة وخيره العون بين دفع 40 دينار أو تحويل سيارته الى المستودع للحجز ، ليست تلك بالحالة الغريبة فهذ السلوك يعتبر اليوم بمثابة الخبز اليومي للطريق ، قامت بعض المحاولات اليائسة لفرملته أو الحد منه لكنها باءت بالفشل ويبدو جميع المسؤولين من المسؤول السياسي إلى القيادي في الأجهزة الأمنية اقتنعوا بإستحالة السيطرة على الأمر وطبعوا معه وأصبح أكثر من عادي ، يذكر أحد الأعوان أن المسؤول وهو يؤنّبهم بعد سقوط زميلهم في فخ نصبه أحد المواطنين ونشر لقطات توضح تورطه في طلب الرشوة ، قال لهم ” أخدم جوك أما طيح تتحمل مسؤوليتك” ، هذا يعني أن الأمر متروك للفهلوة والخبرة و “مشي حالك” وكون فايق ، ذلك داب الرشوة المتعاضمة في تونس والتي تبدو خرجت على السيطرة حتى أن قطاعا واسعا من المرتشين يثور حالة وسمه بالراشي ، لقد أصبح إسمها فرحة أو قهوة أو حويجة ..المهم لا يمكن التهجم على العون ورميه بالإرتشاء فتلك مثلبة لا يمكن تجاوزها .

أين تكمن المشكلة ؟

 

في الحقيقة لا يمكن الإدعاء بأن كل الأعوان أو جلهم يقوم بالإدعاء على المواطنين ويختلق مخالفات وهمية لإبتزاز أصحاب السيارات ، قد يقع ذلك لكن على نطاق ضيق ، أما السائد فهو قيام السوّاق بمخالفات ووقوعهم في يد أعوان الأمن ومن ثم تنطلق المساومة، وبقدر جسامة المخالفة وحدتها يكون الثمن، أن تدفع 10 دنانير بلا توصيل تذهب في جيب العون أفضل من 50 دينار في خزينة الدولة تلك هي المعضلة ، والأكيد أن المواطن شريك أساسي في العملية وأحد أطرافها الرئيسيين ، لكن يمكن وضع الاثنين في خانة واحدة ، ففي أوروبا مثلا لا يمكن العثور عل عون يقبل أو يطلب الرشوة ، لكن المواطن لديه استعداد كامل للقيام بتسويات جانبية فالمجتمعات هناك تغلب عليها النزعة المادية ويردعها القانون ، ولأن القانون وضع عقوبات مالية قاسية تؤلم “جيب” المواطن ولأن الدولة لديها أدواتها لإجبار المخالفين على دفع مخالفاتهم ولا يمكن المساومة في ذلك ، أصبح الأمن مستتبا و المواطن على استعداد كامل لدفع ثمن المخالفة دون تعنت ولا مزايدات ، تشعر وأنت في قبضة البوليس الغربي بعد مخالفة مرورية أنك في حضرة مكينة جامدة لا عواطف لها ، مكينة مبرمجة بشكل لا يحابيك ولا يسيء لك ، تماما ككاميرا المراقبة التي تلتقط لك صورة خلال تجاوزك للسرعة ، هل يمكن أن تفكر في مساومتها أو الحديث إليها عن تسويات جانبية ، ذلك هو البوليس في الدول المتقدمة التي تحتكم إلى القانون .

من يقول بأن الدول التي تملك منظومة قوانين راقية ومهنية عادة ما تكون شعوبها غير قابلة للتكسب غير الشرعي نقول بأن الأمر غير صحيح ، وأن التعويل لا يكون على ضمائر الناس بقدر ما يكون على منظومة متماسكة قوية وفاعلة وعادلة ، وأن الضمير في الدول المتقدمة يعتبر تكملة ومكرمة إضافية تساعد منظومة القوانين القوية التي تعول عليه بشكل ودي وليس رسميا ، وأن أكبر وسيلة رادعة في أوروبا هي المخالفات المالية ، فالمواطن الذي يعلم أنه سيدفع من محفظة نقوده الخاصة لخزينة الدولة وأن لا أمل في المساومة مع عون الأمن “غلط خلص” سيمارس أعلى درجات الحذر ، ليس خوفا على أرواح من يقاسمه الطريق وحبا في القانون ولكن خوفا من إستنزاف محفظة نقوده .

ولا غرابة في أن تجد غالبية المخالفات في أوروبا يقوم بها أجانب حديثي عهد بالبلاد ، أذكر أنه وفي السنوات الأولى لتواجد مجموعة من أبناء الجالية في حي واحد، كانت المخالفات تتهاطل عليهم خاصة تلك المتعلقة بركن السيارات بشكل غير سليم وعدم إقتطاع تذكرة الركن ” من 50 سنت إلى 2 يويو” ، وكان الكل لا يعبأ بالأمر ويدفع العشرة أورو تلو الأخرى ، لكن مع تكرار النزيف بدؤوا يجنحون إلى التحري أكثر فأكثر ، واليوم لا تجد من يفكر أصلا في ترك سيارته دون دفع ثمن الركن، إنه القانون إذْ يهيمن بشكل آلي وسلس .

لذلك نؤكد الحل الوحيد والعملي اليوم أمام هذه الآفة هو إستخلاص المخالفات بجدية وفاعلية وردع أعوان الأمن بقوة عن الإرتشاء ، هذا التمشي وحده الكفيل بتجنيب البلاد كوارث كبيرة استشرت نتيجة السرعة والحمولات الزائدة والجولان بدون رخصة وغيرها من المخالفات التي خلفت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات . ثم وحتى يتضح الأمر نحن لا نتحدث عن ظلم لحق بالمواطنين لأن غالبية الذين تمت مراودتهم على دفع الرشوة تورطوا في مخالفات ويرغبون في تسويتها خارج القانون وبأخف الأضرار ، إنما الظلم الأكبر وقع على المجتمع وعلى القانون وعلى النظام ولصالح الفوضى .

نصرالدين السويلمي