كتّاب

السبت,16 أبريل, 2016
الرؤية والمشروع والعملية السياسية.. لا شيء يعمل في بلادنا الا اغلاق الرياض القرآنية والجمعيات الخيرية

محمد الحمروني

سيكون من الصعب على المتابعين والباحثين والدارسين، رصد الاوضاع في بلادنا، ومحاولة استقرائها والخروج بخلاصات عامة عنها، فالمشهد يتغير بسرعة كبيرة، والاوضاع تتغير ما بين الفينة والاخرى.. وهو وضع موتر بل مدمر للأعصاب، ومرهق الى ابعد الحدود.

رغم ذلك نحاول منذ فترة ان نخرج بقراءات تتجاوز التطورات المتسارعة والمفاجئة التي تشهدها بلادنا، واليوم نعود للبحث في نفس المسالة ونتساءل هل المشكل اليوم في بلادنا، يتمثل في غياب عملية سياسية واضحة الاهداف والمعالم. هل لدينا رؤية واضحة لما علينا فعله سواء كنا احزابا او حكومة، احزابا حاكمة او معارضة؟

نعلم ان الرؤية التي حكمتنا وتوافقنا عليها في الجانب السياسي تتمثل في استكمال عملية الانتقال الديمقراطي، باستكمال بناء المؤسسات الدستورية وتمكين التجربة الديمقراطية وتثبيت هوامش الحرية كل ذلك في اطار ديمقراطية توافقية تعتمد من جهة الانتخابات وتسندها بالتوافق.

ونحن وان تعثرنا قليلا في هذا السياق الا ان الرؤية على الاقل واضحة.. ولكن الاشكالات الكبرى في بقية المجالات، وخاصة فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية من بطالة وتهميش وغياب التنمية.. والاصلاحات الكبرى التي يفترض ان نكون قد شرعنا في انجازها منذ سنة او يزيد اي منذ الاعلان عن التشكيلة الحكومية بعد انتخابات سنة 2014.. الاصلاحات الكبرى المتعلقة بالاقتصاد والتنمية والجباية والمناطق المهمشة والمحرومة ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية .. واعادة النظر في المنظومة البنكية والمصرفية.. لم نتقدم ولو خطوة واحدة باتجاه القيام بهذه الاصلاحات..

والحكومة تبدو مشلولة، وعاجزة عن المضي في القيام بهذه الاصلاحات وهي تعاني من تداعيات الوضع السياسيي الثقيلة عليها.. وخاصة ما يجري في بعض الاحزاب من صراعات او انغماس بعضها في اجندات داخلية، في علاقة بالاستحقاقات القادمة داخلها.

ما جعل السمة الغالبة على المشهد العام في بلادنا هي الارتباك والفوضى العارمة، فلا توجد ملامح عامة لسياسة واضحة سواء تعلق الامر بالجوانب الاقتصادية او الثقافية او التربوية .. وذلك بسبب غياب عملية سياسية واضحة، متوافق عليها بين مختلف مكونات الساحة السياسية او غالبيتها على الاقل..

الشيء الوحيد الذي تجد انه يعمل بانتظام منذ مجيء هذه الحكومة وحتى خلال الحكومة التي قبلها هي الحرب على الجمعيات الخيرية والروضات القرانية واستهداف الرموز الدينية.. هذا المجال الوحيد الذي يشعر المتابع ان القائمين عليه لديهم وضوح رؤية لما يعلمون ولما يريدون، ولديهم حرص شديد ان الاسراع في استكمال انجاز اهدافهم في اسرع وقت ممكن. وهم لا يضيعون فرصة الا واستثمروها لاغلاق المزيد من الروضات القرانية والجمعيات الخيرية، فيما ينشغل الراي العام بقايا يعتقد انها اهم واكثر خطورة.

والجهة الثانية التي يبدو انها تعمل في معزل عن هذا الارباك في النشاط السياسي العام او الحكومي، هي مافيات الفساد التي تواصل تصفية حساباتها مع خصومها، ومع كل من يعمل على كشفها وفضحها وتعريتها..

عدا ذلك، فالبلاد في حالة تخبط وما يشبه الشلل التام، ولا احد يستطيع ان يخرج على الناس ليقول لهم “الطريق هاهنا” او يطرح عليهم بدائل او مبادرات يمكن ان تخرجنا مما نحن فيه. حالة عطالة سياسية وحالة “بهتة” ان شئنا، اضعنا بسببها الكثير من الوقت الثمين الذي قد ندفع ثم اضاعته غاليا في المستقبل.

قد تستغقرنا بعض القضايا او الاستحقاقات الداخلية، وقد نغرق في تفاصيل بعض الخلافات، ولكن ليس الى الدرجة التي تضيع فيها بوصلة البلاد، وتصبح الاوضاع على درجة من الخطورة.. فعندما تصرح شريكة في الحكم بما معناه “بيناتنا دم” وعندما يؤكد احد المحامين تضغط على المتورطين في قضية بلعيد بهدف توريط اطراف بعينها.. نكونة حينها على حافة المجهول، لان هذا الكلام معناه العودة من جديد الى الدفع بالبلاد الى الحرب الاهلية..

وما يساعد على ذلك حالة الفراغ السياسي التي تعيشها البلاد، وهو ما يفسح المجال للكثير من الايادي الخبيثة كي تحاول تحريك القضايا العفنة بهدف مزيد تأزيم الوضع في البلاد..

صحيح ان الوضع العام كله في البلاد لا زال في ما يشبه البحث عن الذات، واعادة التموقع والتشكل من جديد، وهذا يستغرق من الاحزاب جهدا ووقتا، ولكن البلاد وما تعانيه من مشاكل لا تنتظر ولا تحتمل المزيد من المماطلة في معالجة القضايا الكبرى والحسم فيها والبدء الفعلي في عملية الاصلاح التي ينتظرها شعبنا.

الوضع دقيق وحساس، وما نعايشه في صفوف المواطنين يؤشر على ان معدلات التذمر والقلق وعدم وضوح الرؤية بالنسبة اليهم، والخوف على مستقبلبهم و مستقبل ابنائهم تصاعدت بشكل لافت، ما يستوجب الانتباه والحذر .