وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,15 مارس, 2016
الديبلوماسية الشعبية تواجه الثورة المضادة من الجزائر

الشاهد _ لنعرّف الثورة المضادة بأنها القوى الفاشلة انتخابيا المتطرفة إيدولوجيا المتعالية على الشعب والتي تعتبر أنها وصيّة عليه دون توكيل، وهي حلفُ شرّ، عموده اليسار المتطرّف “المبثوث كالسّوس في مفاصل الوطن وأبوابه”*، في الإعلام والإدارة والأمن والنّقابات ومؤسسات الدولة الرسمية والبعثات الديبلوماسية بالتعاون مع أصحاب النفوذ من النظام السابق.

هؤلاء “التقدميون جـــدّا” لم يجدوا أيّ غضاضة في التعاون مع “الرجعيين جــدا” من قادة بعض الدوّل العربية وفي مقدّمتها “دويلة” الإمارات العربية المتحالفة علنا مع الصهيونية والمعلنة جهارا العزم على وأد “الثورة العربية الكبرى” في مهدها حتى لا تطرق أبوابها!
ومن أجل ذلك تضخّ أموالا طائلة يصعب إحصاؤها. ولم يكتف داعمو الثورة المضادة بدفع الأموال بل بدأوا يجيشون الجيوش ويلوحون بمجاوزة الحدود!

وبقدر ما استماتت “الثورة المضادة” بكلّ مكوناتها في العمل على وأد الثورة التونسية في مهدها ومنع الشعب التونسي من تحقيق كرامته والتّنعم بحريته، والحياة في دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات الممثلة تمثيلا حقيقيا عبر ما يفرزه الصندوق، تستميت مكونات أخرى من الشعب التونسي وفي مقدمتها حركة النهضة ورئيسها الشيخ راشد الغنّوشي في جعل الثورة التونسية استثناء عن بقية الثورات التي لم تحقق أهدافها أو بعضا منها حتى الآن. واستمر الغنوشي يبشّر بالزهرة المُفتَّحة والشمعة المضيئة رغم الخريف الداهم والظلام الزاحف.

الغنوشي وحركته أثبتا من خلال نكران الذات وعدم اللهث وراء المصالح الشخصية والمناصب السياسية عن قدرة كبيرة ولياقة عالية جدا في ملاعبة “الأفاعي” ومراوغة الخصوم الذين لم يتركوا سبيلا إلا انتهجوه، ولا مكرا إلا مكروه من أجل توريط النهضة بما ليس لها فيه يد، كي يستفردوا بها ويستأصلوها.
وقد كشفت السنوات الماضية عن حقد شديد ممن يسمون أنفسهم “بالحداثيين” تجاه مكوّن كبير من مكوّنات شعبهم لا ينقمون منه إلاّ اختلافه عنهم فكريا وإيديولوجيا، أو اعتزازه بتراث ودين يرونه هم عائقا أمام حداثتهم المغشوشة. وأظهروا شراسة واستعدادا لحرق الدار بما فيها وهدم البيت على رؤوس ساكنيه.

وجّه “القوم” وجوهم تلقاء “الأسد” يدعمون براميله المتفجّرة ويزكّونها، وتلقاء روسيا يساندون إبادتها لشعب أعزل، وتلقاء “عمامة نصر الله” و”ملالي” إيران وقد أتبعوا الحسنة سيئة محتها وقبرتها، وتلقاء السيسي ـ دون خجل ـ وهو ينقلب على سلطة منتخبة ويحرق المتظاهرين السلميين في “حفلات شواء” بشري جماعي، ولم يجد “الجماعة” في مخزونهم ولو قدرا ضئيلا من الحياء يمنعهم من المطالبة بتكرار نموذج السيسي في تونس.
وعوّلوا على “حفتر” يمنّون أنفسهم بنصره ونصرهم! وقبل ذلك وخلاله وبعده فتحوا جيوبهم ووجهوا وجوههم تلقاء “آل نهيان” يرون فيهم المَعين الذي لا يَنبُضُ، والضّرع الذي لا يَجفّ، بأموالهم يعيشون الرّفاهية على حساب استقلال بلدهم، وبتلك الأموال الدنسة يحيكون المآمرات ويوجهون “الإرهاب” الذي يفتك بالأبراء أفرادا وجماعات!

غازل “الجماعة” جارتنا الكبرى الجزائر ووجهوا لها الوفود السرية والعلنية، وقّدموا الرشاوي المعنوية والمادية كي تكون في صفّهم، وطرقوا كل أبوابها ومناطق النفوذ فيها، وتغزّلوا بجيشها، وقد حققوا بعض النقاط لصالحهم في السنوات الماضية على حساب استقرار البلاد وديمقراطيتها الوليدة من رحم ثورة لم تكتمل!

ولكن الغنوشي بحكمته وصبره وخطابه العقلاني المتوازن أعرض عن جهلهم فأفشل خططهم، وتمكن من خلال ما يُعبِّرُ عنه “بالديبلوماسية الشعبية” التي يتزعمها، أن يقنع الجزائر القوّة الكبرى والنافذة في المنطقة بأن مصلحة الشعبين في استقرار البلدين والتعاون في مكافحة الإرهاب “الأصيل” و”الدخيل” (الذاتي والمفبرك).
ودخل الغنوشي الجزائر من أبوابها الواسعة في استضافة صديقه الرئيس بوتفليقة وذلك بعد أن اقتنع الجزائريون الذين خبروا الإرهاب وعانوا من ويلاته أن النهضة شريك في مقاومته وليست نصيرا له كما يحاول خصومها أن يتهموها.

وإذا كان استقبال الغنوشي في مرات سابقة بالجزائر أو في سفارتها بتونس عند الاحتفالات بالأعياد الوطنية الجزائرية مناسبة للتعارف والتقارب وله أهمية كبرى، فإن الزيارة الأخيرة كانت أبلغ في أهميتها وفي الرسائل الواضحة التي تضمنتها، ومفادها أن الجزائر مع استقرار تونس وأن لا استقرار لتونس دون أن تكون النهضة مكوّنا أساسيا من مكونات المشهد السياسي فيها، وأن الإرهاب عدوّ للجزائر كما هو عدو لتونس!

ما حظي به الغنوشي والوفد المرافق له في الجزائر من مراسم استقبال رئاسي لا يعامل بمثله إلا الرؤساء والزعماء الكبار، وما لحق ذلك من تغطية إعلامية فيه بيان جزائري واضح وشديد اللهجة موجّه للذين يمنّون أنفسهم بالتدخل المباشر في تونس لاستئصال النهضة ووأد التجربة حين تتاح لهم الفرصة، فلا حفتر ولا السيسي يمكنه أن يتجرّأ على السيادة التونسية وجارتها الجزائر حليفة لها وتعتبر أمنَها من أمنِها! “ومَا ايْطَيّحْ الرّْطَلْ كَانْ الكِيلُو”!

وبالتوازي مع مواجهة قوات الجيش والأمن للإرهاب “الداعشي” تشن “كتائب” مرتزقة الإعلام والأدلجة العمياء حربا قذرة لاختلاق صلات موهومة بين النهضة والإرهاب، وهي محاولات باءت بالفشل ولم يعد يصدقها حتّى الذين يَكْذِبُونها!

في المقابل يعرض الغنوشي عن هذا الخطاب المتدني البائس ويلتزم خطا بيانيا واضحا شعاره “وأعرض عن الجاهلين” وقبلته مصلحة الوطن وفك عزلته وجلب الاستثمار والسياحة وفرص الشغل، والإقناع بأن تونس بلد آمن رغم محاولات زعزعة أمنه. وثبت على منهج الصبر والحلم في مواجهة خصوم حركته وبعض من أبنائها الذين كثيرا ما رأوا في مواقف شيخهم إعطاء للدّنية وانحناء لمن لا يقدّر التّنازلات ولا يفسّر ذلك إلا بالضعف!

وقد بيّنت الأيام ـ ومازالت ـ صواب منهج الغنّوشي الذي أقنع جزءا كبيرا من قوى النفوذ في العالم والمنطقة بأن حركة النهضة حركة ديمقراطية إصلاحية تقبل بالآخر ـ حتى الذي لا يقبل بها ـ وتصبر وتقدم التنازلات وتتحمل الأذي من أجل الوطن وحقن الدماء وذلك ما لم يفهمه كثير من تجّار الدّم ومستثمري الإرهاب!

وغدا تعرف تونس وشعبها من بكى ممن تباكى! وليست النائحة الثكلى كالمستعارة!
والقافلة تسير و…… …. ، أحب من أحب وكره من كره!
والله غالب على أمره!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*استعارة بتصرف من الأستاذ بحري العرفاوي

طــه بعزاوي
15 مارس 2016