الرئيسية الأولى

الخميس,7 يوليو, 2016
الدعوي والسياسي في الدولة الحديثة .. الفصل الواجب

الشاهد_ انطلق نقاش على صفحات جريدة “العربي الجديد”، يتناول تجربة حركة النهضة في تونس في الفصل بين الدعوي والسياسي، وتحولها إلى حزب سياسي “مدني”، مرجعيته النظريات السياسية والاقتصادية، أي التراث الوضعي لعلم السياسة. ليس الموضوع جديداً، وهناك آراء فيه، تناولها مفكرون وباحثون، وهناك سعي قديم نحو الفصل بين الأمرين، بل وكذلك الفصل بين الدين والسياسة. هنا، تتأسس علاقة سليمة، فلا السياسة تسيّس الدين وتحوّله إلى أداة لغاياتها، ولا الدين يقدّس السياسة ويدّعي أنه ظل الله على الأرض. وبالتالي، المسعى التونسي أمر حسن، ويفترض أن يصبح مسعىً عربياً وإسلامياً بامتياز.

نقاش جديد

تناول الدكتور عزمي بشارة، في خمسة مقالات، الموضوع، أي ماذا حدث من تحوّلاتٍ في الإسلام السياسي منذ 2011، عام انطلاق الثورات العربية، وحَسمَ الأمر، بأنه لا يمكن تأسيس دولة حديثة، من دون الفصل الكامل بين الدعوي والسياسي، ومن دون الاستناد إلى مبادئ النظام الديمقراطي والمواطنة المتساوية في الدستور والقوانين وكل مؤسسات الدولة. يفتح هذا النقاش المُثمر، والمهم، فصلاً جديداً في علاقة الإسلام السياسي بالسياسة، وببقية التيارات السياسية، ويبتغي إشادة نظام سياسيٍّ متحرّر من الإيديولوجيات، وهادف للنهوض بالمنطقة العربية، نهوض اقتصادي وسياسي وتعليمي وسواه، وديني أيضاً.

تجربة هذا الإسلام في الحكم أوصلته إلى ضرورة أن يصبح “علمانياً”، أي ينشغل بالسياسة من موقع الوضعية، وحياة الناس، ويختلف ويتغير ويتمايز عن التيارات الأخرى، من دون توسّل الله والنصوص والشريعة، وكان ذلك التوسل والدمج القديم كارثياً على الإسلام السياسي نفسه، وبدأ يدفع به، نحو تبنّي أطروحاتٍ وضعية، ويتقبلها العصر. وفي الوقت نفسه، ليست مناقضة لـ “الإسلام وأصول الحكم المدني” الذي قال به، علي عبد الرزاق، والذي طالما تم تكفيره بسبب فصله بين الدعوي والسياسي، وقال إن نظام الحكم كان مدنياً ولم يكن إسلامياً، ولا وجود للقول الأخير في النص القرآني ولا في التاريخ الإسلامي. والمقصد هنا أن التفكير الجدي بقضية الفصل المشار إليها يجب إكمالها بقضية الفصل بين الدين والسياسة، وتجربة الحكم المختلفة بين تونس ومصر وسواها تقول، بدقةٍ ووضوحٍ، ومن أجل الإسلام السياسي نفسه، أي الأحزاب التي مرجعيتها الدين أن مستقبلها يتطلب خطواتٍ أكثر عقلانيةً وصلابةً في هذا الطريق الجديد.

قال زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، لصحيفة فرنسية، بديمقراطيةٍ إسلاميةٍ، وربما خانه التعبير، لكن الموضوع يبدو صعباً عليه، وكذلك على الإسلاميين. وبخصوص هذه الديمقراطية، فإن لها في العصر الحديث معنى واحد، فهي شكلٌ للنظام السياسي يتيح للتيارات السياسية كافة الصراع والاختلاف والتعارض في إطار تكوين اقتصادي واجتماعي محدّد، ولا يحتمل هذا الشكل أية علاقة بين الدين والسياسة. ومن هنا، وكما أفلست مقولات الديمقراطية الشعبية والاشتراكية كذلك، وتحولت إلى شموليةٍ مطلقةٍ، وسبقتها للإفلاس مقولات الديمقراطية للمالكين، واضطرّت الليبرالية للاعتراف بحقوق كل أفراد المالكين وغير المالكين بالانتخابات، والمشاركة السياسية، وهم شركاء في موضوع المواطنة، فلا معنى لتسمية الغنوشي هذه. إذاً الدين، كما كل دين، يجب إبعاده وتنزيهه عن السياسة، فالأخيرة تفسده، وتحوله إلى مرجعيةٍ للقتل باسم الشرع والله، كما كان على مر التاريخ وكما هو الآن. وليس تنظيم داعش بعيداً عن بقية تيارات الإسلام السياسي بما يخص شكل الحكم (الإسلام)! وبالتالي، يجب إعادة النظر ليكون مرجعيةً أخلاقيةً ودعويةً، وعلاقة بين الفرد وربه، وكفى المسلمين شر القتال وتسييساً للنص وللشريعة.

كما ينتهج الإسلام السياسي خطاً جديداً، فإن التيارات القومية والشيوعية والوطنية والليبرالية وسواها معنية أيضاً بالتخلص من حمولاتها الأيديولوجية تجاه مسألة الدولة ودستورها والقوانين المنبثقة عنها، وأن تكون برامجها محدّدة في الشأن السياسي والاقتصادي وسواه. أما تلك الحمولات “الدعوية”، فيفترض أن تستمر بعيداً عن السياسة؛ إنها من سمات العمل السياسي في مجتمعاتٍ مُتخلفة، لم تتطور الحداثة فيها، إذاً وعي تلك التيارات تعقيدات تطور مجتمعاتنا المتخلفة، أي مشكلات في الوعي وفي تطور الاقتصاد والدولة ووجود إسرائيل دولةً صهيونيةً مهددة للعالم العربي ووجود هيمنة إمبريالية، إلخ، إن وعي هذه المسائل المركزية، وأنها من أسباب تلك الحمولات، فإنّه يدفع نحو التعلّم، نعم التعلم من شكل إدارة النظام السياسي في أوروبا، بحيث يُتاح لكل التيارات السياسية المجادلة والتحاور والتمايز، بما يؤدي إلى النهوض، وليس لإعاقة التطور، وبالتالي، ساحات الاختلاف هي حصراً في مجالات الاقتصاد والتعليم والثقافة، ولا يجب أن تكون حول مبادئ النظام الديمقراطي والمواطنة والحريات العامة والخاصة، أي لا بد من توافقٍ حاسم يتجاوز صغر الجماعات السياسية وكبرها، وينطلق مما ذكرناه.

قضية لا تقبل النقاش

تأسيس الدول العربية الحديثة إذاً ليس موضوعاً للجدال، ووفقاً لكبر الجماعات السياسية أو صغرها؛ فإذا الانتخابات جاءت بالإخوان المسلمين أو بالليبراليين أو باليسار للحكم، فلا يحق لهذه الجماعات أن تغيّر وتبّدل بالدستور أو القوانين الوضعية المستندة إلى مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان بكل ملحقاته؛ فهي ما يجب أن تتأسّس عليها الدولة. بذلك يكون الشعب أساس الشرعية، أي يكون كل أفراد الشعب متساوين أمام الدستور. استهلك الجدال حول هذه النقطة وقتاً كثيراً، وأضاع فرصاً كانت ستثمر نظام حكمٍ يمنع عودة العسكر إلى الحكم، كما حال مصر، وكذلك كان سيمنع الأنظمة العربية من الاستثمار بالدين، كما جرى بعد تأسيس الدولة الوطنية، بعد زوال الاستعمار التقليدي. تتطلب هذه الفكرة جدالاً واسعاً، وعلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والورقية كافة. سيحاول الإسلام السياسي اللعب مجدّداً في هذه النقطة بالتحديد، فهي ستحوّله إلى ملاحق قانونياً، إن أعاد الخلط بين الدعوي والسياسي، وكذلك ستتطلب منه أن يتخلى عن مدوّنة الأحوال الشخصية، ومساواة المرأة بالرجل أمام القوانين، وسيُجبره حتى في الجانب الدعوي على مناقشةٍ جدية لموضوع الحدود، كقطع اليد وسواها. وسيفتح هذا النقاش على علاقةٍ سليمة مع الدين، وعصرنةٍ له، وتجديدٍ فيه. هذا يعني أن إصلاحاً دينياً يجب أن يحدث، وبما يتوافق مع الدولة الحديثة، أي لا يمكن التأسيس لدولة حديثة من ناحية، وأن يظل الجانب الدعوي يؤكد أن الدين نص وتشريع، أي دولة دينية وعلمانية بآن واحد.

سترفض التيارات الجهادية كل هذا الجدال، وكذلك دول كثيرة تتبنى الأيديولوجية الدينية، وتيارات إسلامية ليست جهادية، كالسلفية مثلاً. وهذا يعني أنها ليست معركةً بسيطة، ولا يجوز بحال التعامل التكتيكي معها أيضاً، فقضية الفصل من المسائل الاستراتيجية في تأسيس الدولة الحديثة، لكن الأخيرة، ولأسباب كثيرة، تقودها فئاتٌ حاكمة ستتعرّض سلطتها للتآكل، من دون تلك الأيديولوجية. وبالمثل، يجب إنهاء كل شكل للطائفية السياسية، والتي تحتجز البشر في إطار طوائفهم، وتمنع تشكيل نظام ديمقراطي، إلا على الأساس الطائفي، وهذا ما أسّس له في لبنان ولاحقاً في العراق، ويراد أن يكون في سورية. الدولة الدينية، كما الدولة الطائفية، ضد تأسيس دولةٍ حديثة، وتحوّل الأفراد إلى طائفيين بالبيولوجيا، وبالتالي، تمسخ كل مفاهيم الدولة الحديثة كما أوضحناها أعلاه.

الإشكال هنا كبير، فالدولة الطائفية أسّستها الإمبريالية في لبنان أولاً، وثانياً أسّستها الإمبريالية الأميركية في العراق عبر بول بريمر في العام 2003. إذاً، هي شكل النظام السياسي لتلك الإمبرياليات في عالمنا المُتخلف، وهدفه الوحيد تسهيل السيطرة الإمبريالية عبر أنظمةٍ ضعيفةٍ على المنطقة العربية. خيار الدولة الحديثة كما طرحته حركة النهضة وسواها يقطع مع تاريخٍ حديث من التشويه لنظام الحكم، وسيُواجه بفئاتٍ حاكمة تتأسّس إمكانية ديمومة سيطرتها عبر الدين أو نظام الطوائف، وهذا تأسّس، كما أوضحنا عبر الرؤية الإمبريالية لمنطقتنا، ولن نغرق في نقد التفسير الاستشراقي لمنطقتنا، وأنها طوائف وقبائل، فهو يخدم مسألة السيطرة الإمبريالية بالأصل.

توّضح أعلاه أن هناك فئات متعدّدة تستخدم الدين من أجل السلطة، وليست فقط فئات الإسلام السياسي، بل إن الامبرياليات نفسها تريد ذلك. وفي هذا قيل كثيراً عن العلاقة بينها وبين تأسيس جماعة الإخوان المسلمين ودعمها، وكذلك تأسيس الحركات الجهادية نفسها، ولا سيما تنظيم القاعدة؛ هذا يعني أن ما يُطرح عربياً، وربما لأول مرة وبهذا الشكل، أمر خطير، ويؤسس ليس لدولةٍ حديثةٍ، بل وكذلك لمجتمع عربي حديث، ولرؤيةٍ جديدةٍ للدين، ولعلاقات الأفراد ببعضهم؛ فالمنطلق الحداثي يؤسس لعلاقات متساوية بين الأفراد، ويجبر الدين نفسه على إصلاحٍ ديني، بما لا يقطع مع الدين. ولكن، بما لا يستجيب لحاجات العصر المتغيرة.

كيف يتأسس الإصلاح الديني

هناك قضية تتجاوز الأبعاد السابقة، وتنطلق من السؤال المتكرّر: لماذا استطاع الغرب تأسيس إصلاحه الديني، والفصل بين السياسة والدين والدولة، وتأسيس مشروع الحداثة؛ وسوى ذلك، بينما يطرح العرب الآن قضية الفصل تلك، وهناك من يستنتج أن العرب متخلفون عن ركب الحضارة، وأنّ تطورهم يقتضي أن يلحقوا بالغرب، ويتوّهم هذا الرأي بأن اللحاق مرتبط حصراً بتكرار المشروع الحداثي “بحذافيره”. يتجاهل هذا الرأي الدور الاستعماري للإمبرياليات وتأسيس البنية الاجتماعية المتخلفة، وكذلك يتجاهل الأنظمة الناتجة عن التبعية، عدا عن التدخل المباشر في تشكيل النظام العربي برمته، والدمج بين الدعوي والسياسي، وربط الدساتير والقوانين بالدين، ولا سيما الأحوال الشخصية. القضية التي نريد تسليط الضوء عليها متعلقة بأن تأسيس وعي حداثي مجتمعي مرتبط بالتطور الصناعي في الاقتصاد، فتأسيس بنيةٍ اقتصاديةٍ صناعيةٍ هو الوحيد الذي يدمج ملايين العمال معاً، ويسمح بتأسيس وعيٍ وعلاقاتٍ مجتمعيةٍ ونقابيةٍ، وفقاً للمصلحة والمطالب الاقتصادية ورفع مستوى الأجور وحقوق الضمان الصحي والاجتماعي. وهذا ما يؤسس لمفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والتساوي بين البشر؛ هذا البعد أساسيٌّ في الارتقاء بالوعي نحو الحقوق والمواطنة. وبالتالي، يمنع إبقاء الاقتصاديات العربية ريعية وتجارية وزراعية بالتحديد ذلك التشكّل، فالاقتصاديات الأخيرة تقوم على العائلية ومجموعات عمالية صغيرة. وغالباً لا توجد نقابات عن هؤلاء البشر، أي أن نمط الاقتصاد هذا يوافقه الوعي القديم، وشكله الأساسي الديني، وهو يعيد نجاحات الأفراد، أو متاعبهم إلى المُقدر مسبقاً، وليس إلى الظروف التي يعيش فيها الأفراد، وأنها هي التي تسمح لهم بالنجاح أو التعاسة. نريد القول إن الإصلاح الديني في أوروبا ترافق مع ثورةٍ صناعيةٍ، وبروز طبقةٍ برجوازيةٍ لها مصلحة بذلك، وبالضد من الطبقة الإقطاعية؛ وهذا ما أسّس الدولة الحديثة.

إذاً ليس الإسلام السياسي وحده هو المشكلة في تأجيل تأسيس الدولة الحديثة، وهناك أطراف أخرى عديدة تحتجز الحداثة، وتشوّهها. الآن، هناك طرح سياسي جديد، ويفترض أن يلتقي مع تيارات سياسية متعارضة مع الإسلاميين في التفكير بكل الطرق الممكنة لتأسيس الدولة العربية الحديثة. المسألة معقدة، ومحاربوها كثر، لكنها قضية مهمة، وتأسيسية لبنية اجتماعية عربية وحداثية كذلك.

عمار ديوب – العربي الجديد