أهم المقالات في الشاهد

السبت,28 مايو, 2016
الدعارة في تونس…الكشف عن المستور

الشاهد_تمثِّل الدعارة في الدول العربية موضوعًا مُحرَّمًا. لقد حاول فيلم “الزين اللي فيك” – وهو أحدث فيلم حول تجارة الجنس في المغرب للمخرج المغربي نبيل عيوش – كسر هذه المحرَّمات. وقد تم منح هذا الفيلم جائزة في مهرجان كان السينمائي في ربيع عام 2015، بينما لا يزال ممنوعًا من العرض في المغرب وطن المخرج نبيل عيوش.

 

في شهر نوفمبر الماضي 2015 عرضت تونس هذا الفيلم كأوَّل دولة عربية تقوم بذلك. وكان اهتمام الجمهور كبيرًا جدًا خلال “أيَّام مهرجان قرطاج السينمائية”. وحتى أنَّ هذا الفيلم قد حصل على “الجائزة الكبرى” في مهرجان قرطاج السينمائي.

 

تعدُّ تونس في الوقت الراهن البلد العربي الوحيد، الذي لا يزال يسمح للعاملات في تجارة الجنس بمزاولة الدعارة في داخل “دور مغلقة” -أو في مواخير وبيوت دعارة- من دون أن يتم دفعهن إلى العمل بشكل غير قانوني. وعلى الرغم من أنَّهن يستطعن تقديم طلب للحصول على رخصة عمل، إلاَّ أنَّهن يتعرَّضن في المقابل لرقابة شديدة من قبل شرطة الآداب.

 

في مهرجان “دريم سيتي” التونسي في شهر نوفمبر 2015، قدَّم الثنائي الفنِّي ليلى سليمان وَ رُود غيلينز (من مصر ومن بلجيكا) عرض بيرفورمانس حول ذلك في تونس. وخلال إقامتهما في تونس أجريا بحوثًا حول موضوع الدعارة المُحرَّم وقد طوَّرا من ذلك بيرفورمانس “غراند ميزون”.

 

“الدولة تعمل إذا جاز التعبير عمل القوّاد”:

 

في ثلاثة أزقة ضيِّقة داخل البلدة القديمة يوجد واحد من تلك “الأوساط الحمراء” ذات السمعة السيِّئة. وهنا الدخول مسموح للرجال فقط، وبطبيعة الحال للنساء اللواتي يزاولن مهنتهن هنا.

 

يوجد في داخل منزل في البلدة القديمة في حيّ باب المنارة نموذج مُصغَّر عن “حي الأضواء الحمراء”، موضوع فوق طاولة. يدخل الجمهور إلى هذا البيت مثل المقامرين. هنا لا يُسمح بالتصوير، مثلما يقول الحارس الواقف عند الباب، والذي يطلب منا إقفال الهواتف النقالة. يتم استقبال القادمين من قبل مديرة الماخور التي تحدِّد لنا غرفة. ومن ثم يتم إغلاق الباب خلفنا. وهنا لا توجد أية عاملة في مجال الدعارة، بل توجد مُؤرِّخة تقوم بعرض الحقائق حول منطقة الأضواء الحمراء في تونس.

 

في عام 1942 صنَّفت الحكومة التونسية وضع العاملات في الجنس على أنَّهن “موظفات مدنيات”، ومنذ ذلك الحين تقوم الدولة بجبي الضرائب منهن وبفرض الرقابة على هؤلاء النساء. ويتم ذلك بشكل صارم للغاية، مثلما يقول الفنَّان البلجيكي رود غيلينز. ويضيف أنَّ الحياة اليومية لهؤلاء النساء منظَّمة إلى حدّ بعيد، بحيث يمكن للمرء الحديث حول وجود رقابة شبه تامة مفروضة عليهن من قبل الدولة.

 

“الدولة تعمل إذا جاز التعبير عمل القواد، الذي يمتلك جسد هؤلاء النساء”. تفرض الدولة على المومسات قيودًا صارمة تقيِّد حريتهن في التنقل: إذ لا يجوز لأي منهن مغادرة منطقة عملها من دون ترخيص، وإذا فعلن ذلك فهن يفقدن تصريح العمل. وكذلك لا يجوز لهن ممارسة مهنة أخرى إلى جانب عملهن في الدعارة. وعلاوة على ذلك لا توجد لديهن أيَّام عطل وإجازات إلاَّ عندما يبدأ لديهن الحيض.

 

حياة على هامش المجتمع:

 

يتعيَّن على هؤلاء النساء إجراء فحوصات طبية مرتين في الأسبوع، وذلك من أجل منع انتشار الأمراض التي تنتقل عن طريق ممارسة الجنس. وكذلك يخضعن مرة في الشهر لفحص مرض فقدان المناعة الإيدز. وبالنسبة للفنَّانة ليلى سليمان يعتبر هذا أفضل من العمل غير القانوني وعلى الرغم من جميع انتقاداتها لظروف العمل القاسية، حيث توجد الكثير من الالتزامات والقليل من الحقوق. وحول ذلك تقول: “يجب على الرجل استخدام الواقي الذكري، والشرطة موجودة بشكل دائم وتتولى حماية النساء من التعرُّض لهجمات عنيفة. كما أنَّ الرعاية الصحية جيدة”.

 

وعلى الرغم من كلِّ هذا فإنَّ الحياة في بيوت الدعارة ليست وردية. صحيح أنَّ المومسات لديهن دخلهن الخاص، غير أنَّهن معزولات اجتماعيًا. إذ أنَّ غالبية المجتمع تنظر إليهن نظرة دونية، حتى وإنَّ كان بعضهن مقبولات من قبل أسرهن.

 

وفي الواقع لا يوجد أي خطاب عام حول هذا الموضوع. ففي تونس لا يُسمح رسميًا بممارسة الجنس إلاَّ للمتزوِّجين فقط. وعلاوة على ذلك فإنَّ العاملات في مجال الجنس يواجهن مرارًا وتكرارًا قابلية الفساد لدى مراقبيهن.

 

انخفاض عدد المواخير وبيوت الدعارة بعد الثورة:

 

انخفض بسرعة في تونس عدد المواخير وبيوت الدعارة بعد عام 2011. فقد تم خاصة في الأنحاء الجنوبية من البلاد طرد العاملات في مجال الجنس وتدمير بيوتهن بشكل جزئي أو إغلاقها. وفي هذا الصدد تقول ليلى سليمان: “لم تعد الشرطة تصدر تصاريح عمل جديدة للعاملات في مجال الجنس”.

وقد خرجت كذلك حشود غاضبة في شهر فيفري 2011 ضدَّ بيوت الدعارة والمواخير الموجودة في مدينة تونس القديمة. ولكن تمت حماية العاملات في مجال الجنس من قبل الأهالي وأخيرًا من قبل الشرطة. ومنذ ذلك الحين تحمي هذا الحي بوابةٌ حديديةٌ، كما تمت إزالة اللوحة التي تشير إلى اسم الزقاق. وفي شهر رمضان وكذلك أثناء صلاة الجمعة يتم إغلاق بيوت الدعارة في تونس.

 

أوضاع تقشفية بسيطة:

 

في غرفة أخرى من بيرفورمانس الثنائي ليلى سليمان وَ رُود غيلينز تم إعداد غرفة على غرار غرف المواخير. تبدو هذه الغرفة متقشِّفة وبسيطة: حيث يوجد فيها سرير ومغسلة ومروحة وكذلك مرآة. ويُشاهَد في الغرفة شريط فيديو يعرض امرأة كانت تعمل في السابق في مجال الجنس وتتحدَّث عن حياتها اليومية.

 

استطاع كلٌّ من الفنَّان رود غيلينز وليلى سليمان الحديث مع العديد من العاملات في مجال الجنس. وحول ذلك يقولان: “أخبرتنا كلٌّ منهن أنَّ عدد الزبائن يتراوح لدى كلِّ واحدة بين عشرين وثلاثين زبونًا في اليوم. وكلُّ زبون يدفع عشرة دنانير تونسية، أي ما يعادل نحو خمسة يورو، يذهب نصفها إلى مديرة الماخور وكضريبة للدولة. وهكذا يبقى للعاملة حوالي خمس دنانير تونسية عن كلِّ ممارسة جنس”.

 

تمكَّن رود غيلينز كرجل من دخول هذا الحيّ، لأنَّ الأجانب مسموح لهم بدخوله. أمَّا ليلى سليمان فقد استطاعت الدخول بتصريح خاص. وما لم يكن يتوقَّعه رود غيلينز يتمثَّل في التضامن داخل هذا المجتمع الصغير، على الرغم من الظروف القمعية. وحول ذلك يقول: “في هذا النظام المغلق، حيث تلتقي ’المنبوذات‘ من المجتمع بعضهن ببعض، يستطيع المرء أن يرى الكثير من الإنسانية. إذ إنَّهن يساندن بعضهن البعض”.

 

لا يُعرف كم يبلغ عدد العاملات في مجال الجنس في تونس. حيث لا توجد إحصاءات رسمية حول ذلك. وشرطة الآداب تُفضِّل البقاء بعيدة عن الأضواء ولا تقدِّم أية معلومات. ولكن مع ذلك فإنَّ ليلى سليمان تلاحظ أيضًا أنَّ ثمة وعياً ذاتيًا جديدًا بين هؤلاء النساء. وتقول إنَّ “مَنْ تفقد ترخيص عملها، لم تعد تسكت ببساطة على ذلك، بل صارت تُقدِّم شكوى إلى وزارة الداخلية. أو عندما تشعر إحدى هؤلاء النساء بأنَّها تتلقى معاملة غير عادلة من قبل الشرطة، فعندئذ تذهب أيضًا إلى المحكمة”.

 

الدولة تفضِّل البقاء بعيدة عن الأنظار:

 

يسعى الثنائي الفنِّي ليلى سليمان وَ رود غيلينز إلى منح صوت لهؤلاء النساء المُهمَّشات في المواخير وبيوت الدعارة. ويقول رود غيلينز إنَّهما قاما بتوجيه هذا البيرفورمانس إلى الجمهور التونسي: “يشاهد الكثيرون هنا للمرة الأولى قساوة الظروف التي تعيش في ظلِّها هؤلاء النساء. نحن نريد هنا أن نبيِّن أنَّ الدولة تفضِّل ضمن هذا السياق أن تبقى بعيدة عن الأنظار”. وكذلك اهتم الثنائي الفنِّي بعدم عرض صور مبهرجة تافهة على الجمهور في العالم العربي. وحول ذلك يقولان: “نحن نقدِّم النساء من دون الكشف عن هويتهن، ولا نظهر أية تفاصيل دقيقة. وذلك لأنَّ مشاهدة هذا البيرفورمانس يجب أن تكون ممكنة أيضًا بالنسبة للأوساط المحافظة”.

 

وفي هذا الصدد تُظهر ردود فعل الجمهور أنَّهما على حقّ. فقد كان الكثيرون من التونسيين يريدون معرفة ما يحدث في المواخير وبيوت الدعارة وكذلك ما هو الدور الذي تلعبه الدولة في ذلك، مع أنَّهما يقفان موقفًا ناقدًا من هذه المهنة. وعلى الرغم من انتشار العديد من الإشاعات، ولكن لا أحد يعرف أية تفاصيل دقيقة. وهكذا لقد تمكَّن بفضل هذا البيرفورمانس المئات من التونسيين من الوصول إلى معلومات موثوق بها حول الدعارة في بلدهم.

 

كريستينا أوملين