كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الأحد,21 يونيو, 2015
“الحمد لله لقيناها مسجونة”

الشاهد_لماذا قرر نظام عبد الفتاح السيسي أن يفرج عن 165 معتقلا فقط، بعد مضيّ شهور على وعده بالإفراج عمن اعترف السيسي بنفسه أنهم “موجودون في السجون ظلما”؟، ولماذا اختار أن تكون غالبية المفرج عنهم من أنصار تيارات الشعارات الإسلامية، من دون أن يشتري خاطر الذين ناصروه في ظلمه من أنصار الشعارات الديمقراطية، والذين غضّوا النظر عن كل ما قام به من قتل وقمع، ومع ذلك، لم يبيّض وجوههم، ولو حتى بالإفراج عن الفتيات والأطفال والطلبة.

قطعا، سيفرح أسوياء الضمائر والعقول بخروج أي مسجون ظلماً، حتى لو كان مختلفاً معهم، خصوصاً إذا كان من المقبوض عليهم بتهمة التظاهر، الذي حوّله السيسي بمساعدة نخبته المدنية من حق دستوري إلى جريمة شنعاء. لذلك، لن ينشغل هؤلاء بالكلام عن ما وراء قرارات الإفراج، بل سيوجهون التهنئة لأهالي المفرج عنهم، لأنهم نالوا حقاً تأخر طويلاً، وشعروا ببهجةٍ كان من الأولى أن يشاطرهم فيها آلاف الأسر، وليس فقط 165 أسرة، وهو رقم أقل بكثير ممن يتم اعتقالهم في يوم واحد من الأيام التي تنشط فيها الآلة القمعية لداخلية السيسي، التي لا نرى كفاءتها إلا في مواجهة المتظاهرين، في حين تعتمد على البركة والستر في مواجهة العمليات الإرهابية، التي يسقط عشرات الشهداء من الضباط والجنود ضحايا لها، من دون محاسبة المقصرين، أو اتخاذ الإجراءات التي تؤدي إلى وقف نزيف الدماء.

أظنك أذكى من الاعتقاد بأن وراء قرارات الإفراج الهزيلة رغبة في إقامة العدل، ولو كان محدوداً، فأنت تدرك أنه ربما كان وراءها رغبة في توظيف ذلك العدد الهزيل من المفرج عنهم، للتغطية إعلامياً وسياسياً على إدخال آلاف جدد إلى السجون التي أصبحت المكان الأكثر نشاطا في مصر، ولعلك تشاركني الظن بأن تعمد إخراج بعض المُفرج عنهم بلحاهم الطليقة، من دون إجبارهم على حلقها، والحرص على تصويرهم بكثافة غير إنسانية، يهدف إلى توفير مادة مساعدة لسفراء ومبعوثي نظام السيسي، الذين سيحاولون الرد على الغضب الدولي ضد أحكام الإعدام الظالمة والهزلية التي صدرت ضد قادة الإخوان، وعلى رأسهم محمد مرسي الذي يمكن أن تراه سيئ الذكر، لكنك لو كان لديك ذرة من ضمير، سترفض قطعاً المحاكمات الهزلية التي خضع لها، والتي لم تنشغل برد حقوق الذين قتلوا في ظل مسؤوليته السياسية، فقد قتل السيسي أضعاف أضعافهم، بل انشغلت بتأكيد أكاذيب الأجهزة المباركسيسية، التي ترى أن ثورة يناير كانت مؤامرة خارجية، هدفت إلى إسقاط دولة يوليو الشائخة على روحها.

ببساطة، يريد السيسي أن يستخدم صور الملتحين المُفرج عنهم، ليقول للوفود الأجنبية التي ستزداد وتيرة قدومها إلى القاهرة: “نحن لسنا ضد كل أفراد جماعة الإخوان، بل فقط ضد قادتهم المتورطين في عمليات إرهابية، ولذلك، سنحترم أحكام القضاء التي تطلب إعدامهم، إلى أن تضمنوا لنا مصالح مادية ضخمة، تقنعنا بإلغاء الأحكام، وتضمنوا انصياع قادة الجماعة وقواعدها لشرعية حكم السيسي. عندها سنأتي بقضاة آخرين يلغون أحكام الإعدام ويستبدلونها بأحكام براءة، وسط تطبيل إعلامي، سنتكفل به لإقناع الشعب بأهمية المصالحة وفتح صفحة جديدة.

لذلك، دعونا نتفاوض على الثمن، وإلى أن يحدث ذلك، وبعد أن يحدث، لا تنتظروا منا أن نخرج من السجن شخصاً واحداً يمكن أن يسبب لنا صداعا برفضه الوضع القائم، حتى لو كان طفلاً أو امرأة أو شيخاً مريضا”، ولأن السيسي يعلم أن الوفود الدولية ليست منشغلة حقاً بحقوق الإنسان، قدر انشغالها بتهدئة الأوضاع وتأمين مصر التي ليس في مصلحة أحد أن تشتعل بها الأوضاع، فهو لا يخاف من مواجهته بأي تفاصيل، تثبت هزلية قرارات الإفراج، مثل كون غالبية المفرج عنهم ممن كانوا سيخرجون من السجن خلال أشهر.

يدرك السيسي أنه نجح في فرض حالة من (التطبيع مع الظلم)، لم تشهدها مصر منذ الستينات، أصبح الأهالي في ظلها يحمدون الله، لأنهم اكتشفوا أن بناتهم معتقلات ولسن مفقودات، ولم تعد أجهزته الأمنية التي تحولت إلى عصابات خطف بحاجة إلى البحث عن مبررات لأفعالها الإجرامية، لأن مئات المخبرين في وسائل الإع..لام، وملايين المواطنين الشرفاء يقومون عنها بالواجب وزيادة.

لذلك، كل ما يهمه الآن أن يعبر هذا الصيف بأقل خسائر ممكنة، مراهناً على قوة أصوات ماكينات الزياط التي سيحرص أن تعلو في “إيفنتاته” القادمة، على أصوات صرخات المظلومين وبكاء أهاليهم، أما دعوات أهاليهم فهو ليس خائفاً منها، لأنه يحسب أن قوة الأوميجا المدعومة بالرضا الإلهي ستحميه من كل سوء، وستنجيه من مصير صدام حسين ومعمر القذافي. “أيحسب أن لن يقدر عليه أحد”.

بلال فضل



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.