الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الإثنين,1 أغسطس, 2016
الحكومة التركية تكرر بعض أخطاء الأنظمة الشمولية في معالجة ملف كولن..

الشاهد _ أفلح أردوغان كما أفلحت الدولة التركية بمختلف مؤسساتها وأفلح الشعب في كل الأوصاف التي اطلقوها على السلوك الإنقلابي ومهما شنعوا بالعناصر المنقلبة و الجهاز الذي يستخدمها يبقى من حقهم الذهاب إلى أبعد من ذلك طالما أن هدف الكيان الموازي جمع بين الإنتهازية والدموية ، وأفراده يرغبون في إعتلاء الدولة دون المرور بالجماهير ودون إنتزاع تزكيتها ، كما استحلوا دماء الأتراك من أجل حكمهم دون العودة إليهم وهي سلوكات شنيعة أصحابها مرقوا من الوطنية كما مرقوا من الإنسانية .

ما قام به كولن وجهازه لم يكن في حاجة إلى ضخّهِ بالشنيع لتبرز شناعته ، لأنه الشناعة نفسها ، فجريمة الإنقلاب والوصول إلى السلطة عبر بوابة الدم والجماجم وبعيدا عن بوابة الجماهير تخول الدولة التركية لتضع حدا لهذا النوع الفتاك من الإرهاب ، فالعودة إلى الوصول الإرتجالي المشوش إلى منصات الدولة يعني أنهارا أخرى من الدم ليست سوريا إلا نموذجا مصغرا منها ، والجماعة أو الحزب أو العصابة أو الطائفة التي تسعى إلى الحكم بتجنب الصناديق إلى غيرها من الحلول العنيفة و المخاتلة هي جماعة خبيثة وجب إستئصالها وفق بما يرضي القانون ويتفق مع الدستور ، وأي دستور أو قانون لا يجرم بقوة الإنحراف عن خيار الشعوب والصناديق هو دستور مزور وقانون “مفريس” وجب خضوع كلاهما إلى تدخل جراحي عاجل وشامل .

 

ولأن ما اقترفه كولن يستحق أن يوصف بكل ما في قاموس القبح من عبارات ، ما كان لأردوغان ومعارضي الإنقلاب الذهاب أبعد من ذلك والشروع في تقديم كولن وجماعته بأشكال مجانبة للصواب طالما استعملتها أنظمة القمع كحجج واهية في تشويه خصومها تمهيدا للتنكيل بهم ، ناهيك على أن تقديم الجماعة بتلك الطريقة يعتبر تعسفا على المعلومة وانتقاصا من ملكات المتلقي الذي يحسن تبويب الجماعات والأجهزة ويمكنه التفريق بين جرائمها الواضحة وبين ما ينسب إليها باطلا للإمعان في إغراقها بالرذائل ، اذْ لا يمكن قبول شروحات باهتة مثل الإدعاء بأن الجماعة ماسونية وأن قياداتها ورموزها ينسقون منذ التسعينات مع الموساد وأنهم أعضاء في شبكة عالمية تضم ليفني وبيريز وضمت في السابق شارون وشامير وغيرهم من عتاة مجرمي الإحتلال الصهيوني ، ما كان لمناهضي الإنقلاب وأنصار الشرعية الحديث عن كولن كعميل أسس جماعة شريرة لخدمة أمريكا وحبا في الصهيونية العالمية ، ومن المضحكات أن نسوّق لفكرة عيية مجانبة للعقل تقول بان كل تلك الجحافل التي كانت تحت ذمة جماعة الخدمة أو “الكيان الموازي” بآلافها المؤالفة والتي كانت تعمل في اجواء خطيرة وسخرت اعمارها وقدمت التضحيات وانتظمت وتم تأطيرها وتكتمت عن مشروعها وبالغت في الوفاء لمنهجها ..إنما كانت تفعل ذلك في سبيل التمكين المبين لوعد بلفور وهدية لروح غولداماير في قبرها وتمهيدا لبناء الهيكل انتهاءا بتثبيت خطة ينون”Yinon Plan” التي تعتمد على الهيمنة والتجزئة.

بعيدا عن لغة الأنظمة المحنطة المتكلسة ، وأيضا بعيدا عن ثنائية القداسة والشيطنة ، ما يدور في تركيا هو صراع بين إسلام سياسي وإسلام اجتماعي “برؤية خاصة” ، انتهى إلى جفاء ثم صدام تمترس فيه اردوغان بالشرعية والديمقراطية وخيار الشعب واعتمد فيه كولن على نخبة واسعة الإنتشار استعملها بعد أن اشتد عودها في تنفيذ إنقلاب دموي بغية الإجهاز على الديمقراطية ومن ثم غرساء ديمقراطية شكلية ومحدودة على غرار ” ديكتــــقراطيات” العديد من الدول الإفريقية و العربية وليس بعيدا عن توليفة الحكم الروسية المعقدة ، يعتقد كولن أنها منهجية صالحة “للسيطرة” على تركيا وما بعد تركيا .

يبحث أردوغان على توسيع نفوذ تركيا بأشكال ديمقراطية وغستئناسا بهوية تفرض نفسها بقوة وبسرعة لتنتقل من مرحلة الإستئناس إلى مرحلة الاعتماد ، بينما يبحث كولن على توسيع نفوذ تركيا اعتمادا على نخبة صلبة شحن بها الدولة على مدى عقدين إلى ثلاثة عقود ، مستندا على ذخيرة صوفية مرنة فضفاضة ليس لها من النورسي غير الإسم والرسم .

نصرالدين السويلمي