كتّاب

الخميس,26 مايو, 2016
الحكم و المعارضة في تونس …الواقع و المآلات

12065507_10205329376262473_1473281544539723352_n (2)

الحبيب بوعجيلة

لا نشك أبدا في أن استطلاعات الرأي تبقى رغم كل شيء احدى وسائل صناعة الرأي العام و ما لم يتم تنظيمها بقانون صارم فان الثقة المطلقة فيها تبقى محدودة و مرتبطة بنوعية الأسئلة و بالسياق الذي يوضع فيه المستجوبون .
و رغم ذلك فإن استطلاعات الرأي على حدودها تبقى مع ذلك دالة الى حد ما على المزاج العام الذي يحكم الناخبين في فترة معينة كما تبقى وسيلة يمكن اعتمادها من الفاعلين السياسيين لتدارك أخطائهم و تطوير أدائهم .

الموالاة مستقرة رغم حدود الاداء …

في مقياس الشأن السياسي اثر الاستطلاع الذي أجرته “مؤسسة ايمرود” للفترة الممتدة بين 16 و 19 ماي بدا المزاج السائد للمستطلعين متجها نحو “الرضى” على أداء الفريق الحاكم حيث لامس كل من رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة نسبة ال50 بالمائة لكليهما .

و في نوايا التصويت حصدت ثلاثة من أحزاب الائتلاف الحاكم مجتمعة ما يقارب ال55 في المائة من جملة المستجوبين تقاسمها “نداء تونس” بما يناهز ال30 في المائة و 20 في المائة لحركة “النهضة” في حين تدحرج حزب “آفاق” الى حدود ال5 في المائة وراء “الجبهة الشعبية” و “مشروع تونس” و اذا اعتبرنا أن “مشروع” محسن مرزوق يبقى محمولا على المنتصرين في الانتخابات الماضية فان نسبة ال7 في المائة التي حصدها ستؤول الى المُركب الحاكم ما يعني ان المزاج العام ميال الى “الموالاة” و “الاستمرار” أكثر من ميله الى “التغيير و المعارضة” .

لاشك أن السياق الاقليمي و الدولي المخيف يجعل المواطن في هذا الوضع الانتقالي الذي تمر به البلاد ميالا الى “المحافظة” و التوجس من كل مغامرات التغيير و لاشك أيضا أن سنوات الاهتزاز و الاثارة التي عاناها الشعب من مشهد سياسي صاخب على امتداد السنوات الماضية اضافة الى غول الارهاب الذي أوجع البلاد و الخوف من انهيار الدولة تجعل الناخب أميل الى “الاستقرار” و “الاستمرار” منه الى التغيير .

لكن هذا الميل الى المحافظة لا يبدو مطمئنا جدا للفريق الحاكم اذ أن مظاهر الغضب و الخيبة و ملامح الاحتقان و سوء الأداء الحكومي و البرلماني لم يرفع نسبة الرضى الى أكثر من نصف المستجوبين ما يدل على أن النصف الآخر يتمترس في عدم الرضى أو قلته أو في اللامبالاة و الاحتفاظ بالتعبير عن الشعور .

غير أن عدم ذهاب كل أصوات “الغاضبين” أو “اللامبالين” الى حساب المعارضة دليل على ان نسبة هامة منهم لا يرون في المعارضة بديلا يجعلهم يفضلون “الأشوم”(الأسوأ) المفترض عن “المشوم” ( السيء) . و هو ما يجب أن يدفع المعارضة الى التفكير في سبل تدارك ضعفها للاستثمار في ما تبقي من أصوات غير الراضين .

المعارضة في الشتات و أكثر ميلا لليسار ….

بعد احتساب نسبة نوايا التصويت للأحزاب الحاكمة نفترض أن ما تبقى سيكون للأحزاب المحمولة على المعارضة و نقدر هذه النسبة حسب استطلاع “ايمرود” في حدود 37 في المائة دون احتساب لنسبة “مشروع تونس” الذي تحصل على ما يقارب ال10 في المائة ما يجعل نوايا التصويت لغير الأحزاب الحاكمة حاليا تفوق نسبة ال40 في المائة .

لكن ما يُلاحظ في هذا الاطار أن نوايا التصويت للمعارضة تبدو مشتتة لا تستقر على طرف يمكن اعتباره قوة وازنة . فالجبهة الشعبية التي حلت ثالثة قبل “المشروع” و آفاق لا تُحرز هذه المرتبة إلا بقرابة 12 في المائة بفارق كبير بعد “النهضة” و فارق أكبر بعد “النداء” . في حين يستقر “حراك تونس الارادة” و “التيار الديمقراطي” في حدود ال4 في المائة لكل منهما .

أما نسبة 17 في المائة من اصوات من سينتخب المعارضة فتتشتت على “أحزاب أخرى” يذكرها جدول الاحصاء مجملة لأن الواحد منها لا يتجاوز عتبة تخول له الظهور في قائمة تقاسم البقايا . و هذا ما يعني أن 17 في المائة من الأصوات يمكن أن تضيع دون احراز مقاعد في حين أن ال20 في المائة التي تتقاسمها “الجبهة” ثم “الحراك” و “التيار” ستكون مشتتة بينهم بحيث قد ينقص مردودها في المقاعد حتى اذا استمر قانون أكبر البقايا .

و هذا ما يسمح لنا بالاستخلاص الأول بأن تشتت المعارضة سيكون باستمرار في صالح الأحزاب الكبيرة حين يتعلق الأمر بتقاسم المقاعد باعتبار أن الأصوات الموزعة بينها ستجعلها غير قادرة على المنافسة إلا على الفواضل مما يمنع أي طرف منها من ان يكون قوة وازنة في التعديل .

في سياق متصل يُظهر ترتيب أحزاب المعارضة في هذا الاستطلاع مرة أخرى ميلا نحو أحزاب “جبهة الإنقاذ السابقة حيث احتلت “الجبهة الشعبية ” المرتبة الثالثة بنسبة 12 في المائة و حافظ “مشروع تونس” على المرتبة الرابعة بما يفوق ال7 في المائة بتراجع طفيف بعد نشر “أوراق بنما” في الشهر الفارط .

“الحراك” و “التيار” يستقران في المرتبة السادسة و السابعة في حين لا تظهر حركة الشعب و الجمهوري و التحالف و المسار رغم تراجع “آفاق” و غياب “الوطني الحر” في حين خرج “التكتل” من سباق استطلاع ماي مما يؤكد أن “أحزاب الترويكا” السابقة مازالت تعاني من تبعات تجربة الحكم وهو ما يسمح لنا باستخلاص ثان مفاده أن من يفكر في انتخاب المعارضة مازال يتجه الى “معارضي الترويكا سابقا” و يُعتبر صعود “الجبهة الشعبية” الى المرتبة الثالثة لافتا تماما و اذا أضفنا الى ذلك استمرار “مشروع ” مرزوق في المرتبة الرابعة يتأكد المزاج “اليساري”(ثقافيا) للرأي العام المعارض. بمعنى أن “القوى المحافظة ثقافيا” أو غير “المعادية للنهضويين” تذهب الى “التوافق” بين “النهضة” و “النداء” و ان كانت هذه الاغلبية التوافقية لا ترى ضرورة استمرار موالاتها لحزبي “آفاق” و “الحر” اذ تقهقر الأول الى المرتبة الخامسة و غاب الثاني في زحام الكسور غير المذكورة.

في ترتيب الأحزاب لا يمكن للملاحظ أن لا يستخلص غياب “الأحزاب التجمعية الدستورية” الخالصة ما يعني أن كلا من الرأي العام الموالي و المعارض لا يصنفها في السباق و مرد ذلك في تقديرنا أن كلا من المستجوبين الموالين و المعارضين يرون “التجمعيين و الدساترة” في الأحزاب الأخرى و نقدر ان “نداء تونس” او “المشروع” أو “آفاق” و حتى “النهضة” أو “الجبهة” تبقى عناوينا ممكنة لمن يحن للتصويت للدساترة و التجمعيين دون حاجته الى عنوان سياسي خاص بهذه “الهوية السابقة” .

أما في نوايا التصويت على الأشخاص في انتخابات رئاسية مفترضة فقد بقيت الموالاة بحظوظ وافرة مادام الرئيس الحالي مازال يحتل المرتبة الأولى في حدود 26 في المائة نضيف اليها نسبة ناجي جلول(نداء) الذي احتل المرتبة الثالثة بنسبة 7 في المائة و عبد الفتاح مورو(نهضة) الذي جاء سادسا بنسبة 6 في المائة و باقي الكسور الموزعة على الغنوشي و مرجان .

لكن اللافت للانتباه أن المعارضة تدخل الى المرتبة الثانية عبر حمة الهمامي الذي حصد قرابة ال12 في المائة من نوايا التصويت مضافا اليها صافي السعيد رابعا و محسن مرزوق خامسا بما يقارب ال13 في المائة بينهما و هو ما يعني مرة أخرى أن من يفكر في التصويت لرئيس معارض فهو لا يرى الآن إلا في اتجاه مشتقات المعارضين للترويكا سابقا.

و رغم بقاء الدكتور المرزوقي و محمد عبو في السباق الا أنهما يأتيان في كوكبة ما بعد المرتبة السادسة في حين لم تتمكن النهضة من ان تكون لحد الآن منافسا جديا في الرئاسيات .

و لكن نفس الاستخلاص يبقى صالحا في الرئاسيات اذ أن المرور للدور الثاني لن يكون متاحا للمعارضة الحالية بمختلف أطيافها ما لم تتمكن من تخفيض مرشحيها و الاتفاق على أقل ما يمكن من المترشحين تجنبا لتشتت الأصوات .

هل من أفق لمعارضة قوية ….؟؟

اذا افترضنا استمرار “التوافق” في الحكم بين الإسلاميين(الديمقراطيين الآن) و الندائيين بعد حسم التجمعيين و الدساترة لأمرهم معه فلا شك أن المعارضة ستكون في وضع صعب و لن يكون لها بعد الآن ان تراهن على الاستثمار في الاستقطابات الثقافية أو في مسائل الحريات أو في الاستمرار في سردية الثورة و قواها المضادة . وهو ما يعني أن الاشتغال على صياغة الحلول في المسائل التنموية و الاستجابة لطلبات المهمشين و مقاومة الفساد يبقى هو مجال صراعها الوحيد مع الفريق الحاكم .

في المحور الاقتصادي و الاجتماعي و مقاومة الفساد يمكن أن تكون المعارضة في طريق مفتوح نظرا للاكراهات الرهيبة التي سيضطر فيها ائتلاف الحكم الى تحمل اجراءات موجعة للطبقات الشعبية و لكن نجاح المعارضة في الاستقطاب على هذه القاعدة يحتاج الى صياغة بدائل مقنعة قادرة على التعبئة و الاستثمار في الاحتقان دون الذهاب به الى اهتزازات لا تبدو “الجماهير” مستعدة الى التسبب فيها و الانخراط مع الداعين اليها مطلقا .

سيكون محور استقلال القرار الوطني و عدم الانجرار في محاور المعاداة للأمة و مستقبلها و قضاياها المركزية مجالا مهما للاستقطاب و التعبئة و نتوقع ان الصراعات الرهيبة التي ستشهدها المنطقة العربية و الذهاب بثورات الربيع العربي الى فخاخ تفتيت الوطن العربي و التمكين لأعدائه عبر اثارة الحروب المذهبية و الطائفية ستجعل الطبقة السياسية الحاكمة في اتون صراع اقليمي يمكن لمعارضة برؤية ايتراتيجية وطنية و قومية أن تعبئ على اساسها في مواجهة امكانيات الارتهان التي قد يتجه اليها الفريق الحاكم .

لكن وحدة المعارضة ستبقى باستمرار مستبعدة نظرا للخلافات التي تشق زعاماتها ثقافيا و سياسيا مما سيجعلها في المدى المنظور منافسة على حدود ماهو مُتاح لها حاليا بالإضافة الى أن وضع القرار الدولي و وضع الاعلام و تموقع أصحاب المال و الاعمال في المشهد السياسي لا يجعل للمعارضة الحالية حظوظا كبرى لمنافسة جدية على “الحكم” رغم أن تحولات المشهد التونسي و الاقليمي لا تجعل شيئا مستحيلا .