الرئيسية الأولى

الأربعاء,18 نوفمبر, 2015
الحرب ضدّ التطرّف و الإرهاب…تونس نموذجا

الشاهد _ عن زيارته إلى تونس و عن التجربة الديمقراطية الناشئة في البلاد و ما يتهدّدها من أخطار رأسها الإرهاب كتب “إيان دونكان” الأمين العام لمنظمة الإصلاحيين و المحافظين التي عقدت مؤخرا قمتها بتونس مقالا مطوّلا إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربيّة.

التقيت رئيس وزراء تونس الأسبوع الماضي وكان متأخرا عن الموعد. وكان مستشار رئيس الوزراء قد قدم لي اعتذاره وأوضح أنه كان هناك هجوم إرهابي في الجنوب حيث انحدر متطرفون من التلال وألقوا القبض على صبي يبلغ من العمر ستة عشر عاما وقطعوا رأسه. ثم تم تسليم الرأس المقطوع إلى صديق الصبي القتيل مع تعليمات لتسليمها إلى أولياء الأمور. وكان ذلك في الصباح بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس.

تونس ليست بغريبة عن الإرهاب، فقد عانت البلاد هجمات قاتلة مدبرة من قبل أفراد الذين هم على صلة بتنظيم “داعش” مرتين هذا العام. في مارس، قتل 22 سائحا في هجوم في متحف باردو في العاصمة. ولا يزال يمكنك رؤية ثقوب الرصاص في الجدران. وفي جوان، ظهر رجل مسلح من البحر ومشى بهدوء حتى الشاطئ في مدينة سوسة على الساحل الشرقي التونسي وقام بإطلاق الرصاص على المصطافين الأجانب مما أسفر عن مصرع 38 شخصا. في هذا البلد الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على السياحة، لم يقع اختيار الأهداف عن طريق الصدفة. وهكذا أفرغت الشواطئ وغطى الغبار فنادق ومنتجعات كلها طوابق وأجنحة، كما تم الاستغناء عن الموظفين.

ولهذا السبب بالذات، فإن المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، الذي أنتمي إليهم، إلى جانب السياسيين الذين يحملون نفس التفكير من مختلف أنحاء شمال أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط اختاروا أن يجتمعوا في تونس. لقد أظهرنا أن الإرهابيين لم ينتصروا، وأن جذور الديمقراطية التي اتخذت حتى مؤخرا لا يمكن أن تتمزق بسهولة. وإن رحلة تونس من نظام استبدادي إلى الديمقراطية هو انتقال عدد قليل جدا من الدول المحررة خلال الربيع العربي بنجاح. وقد أتى نحو 200 مندوبا من 18 دولة لبحث الأسباب.

على مدى يومين التقينا مع قادة المجتمع المدني والسياسي وقمنا بمناقشة قضايا حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وبحث القضايا الأمنية وواقع الإرهاب كأداة سياسية. كما تحدثنا عن التجارة واحتفلنا بنجاح الهيئة المدنية في تونس –الرباعي الراعي للحوار الوطني – بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للسلام. لقد فعلنا ما يجب على السياسيين القيام به: مناقشة القضايا ومحاولة إيجاد الحلول التي يمكن أن تعمل على حل المشاكل التي تكون كل شيء إلا المحلية. وقبل مغادرة القمة للقاء رئيس الوزراء، كان آخر عمل لي هو أن صمتت في ذكرى الذين قتلوا على يد المتطرفين في باريس.

رئيس الوزراء، الحبيب الصيد، هو رجل يتحدث بهدوء الذي لم يحضر إلى الحفل. وعندما اشتغل جهاز الفاكس بشكل متقطع في مكان ما في المكتب، أوجز مشاغله وأوضح أولوياته. وبالنسبة للسيد الصيد فقد كان للهجمات الإرهابية تأثير هدام على تونس. وبمجرد أن الحزن والغضب قد هدأ، وتم رفع حالة الطوارئ، أوضح أن تونس لا تزال تنتظرها مهمة كبرى والتي تتمثل في إقناع المجتمع العالمي أن السياح سوف يكونون آمنين إذا ما عادوا. لقد ضرب الإرهابيون في صميم الاقتصاد التونسي. في بلد الذي يضم فقط 11 مليون نسمة، أكثر من مليون شخص يستفيدون بشكل مباشر أو غير مباشر من التجارة السياحية حيث تشكل الإيرادات السياحية 6.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وكان طلبه الوحيد من النائب البريطاني سيد كمال ومني شخصيا هو تشجيع حكومة المملكة المتحدة لتغيير نصائح السفر التي تصدرها للسياح البريطانيين. كما أوضح أن ما تقوم به بريطانيا سوف تنسج على منواله دول أخرى. قد يكون طلبا صعبا في ضوء الأحداث الأخيرة الجارية في البلاد، إلا أنه تذكير لفعل أي شيء آخر غير العودة إلى الوضع الطبيعي وهو التسليم باليد العليا لأولئك الذين ارتكبوا الفعل، متأكدين من ردود الفعل.

الصيد يدرك تمام الإدراك تطرف الكثير من التونسيين الشباب. مشيرا إلى أن مرتكبي عمليات القتل في باريس كانوا أقل احتمالا من أن يكونوا المهاجرين، ولكن، بدلا من ذلك خاب أمله واستبعد الشبان المسلمين المولودين والناشئين داخل الاتحاد الأوروبي والتي أطلقها الأيديولوجيات الدينية والسياسية، مؤكدا أن كما هو الحال في باريس، لذلك هو في تونس . لدينا شعور بالخوف من أولئك الذين فقدناهم بالفعل داخل وطننا أكثر من أولئك الذين يسافرون من أجل حياة أفضل. ووفقا للأمم المتحدة، فإن التونسيين الشباب هم من بين المرجحين أكثر للسفر للانضمام إلى الصراعات في الخارج. وقد تأكد أن حوالي 3000 تونسي يقاتلون في سوريا، وأكثر من 1300 في ليبيا، و 200 في العراق، و 60 في مالي و 50 في اليمن. وفي نظر الصيد فإن التعليم والفرص هم فقط سوف يوفرون الترياق لهذا التطرف. فمنذ حصولها على الاستقلال من فرنسا، كان التعليم أولوية في تونس. واليوم تحتل تونس المرتبة 69 في العالم في الحصول على المعارف الأساسية، وأكثر من 96٪ لمعدل معرفة القراءة والكتابة بين الشباب، حسب تقارير صادرة عن البنك الدولي. كما أن تونس لديها واحدة من أعلى معدلات الوصول إلى شبكة الإنترنت التي يمكن العثور عليها في أفريقيا. وأما فيما يتعلق بالفرصة فهي من أصعب الأمور التي يمكن الحصول عليها، لا سيما في دولة خرجت لتوها من الفساد والمحسوبية والمنسوبية. وقد هز الإرهاب أيضا فرصا في قطاع الخدمات، وبالتالي تعيين الصيد لإثبات أن تونس آمنة وجاهزة للترحيب بالجميع.

بالاضافة إلى ذلك، يتطلب الحفاظ على السلامة يقظة دائمة. وقد عاد الصيد لتوه من قمة فاليتا للهجرة. وبالنسبة له ترتبط تحديات الهجرة ارتباطا وثيقا بالأمن. وعلى الحدود مع ليبيا، حيث تطبق سيادة القانون بأكملها ولكنها تفككت، مبرزة تحديات خاصة، على الحدود التي أغلقت البلدين في عدد من المناسبات. غير أن تونس تعد حاليا موطن لنحو 90.000 لاجئ ليبي. وبصرف النظر عن الآثار الأمنية المترتبة على الحدود الجنوبية والتحديات من الحدود الشرقية، أعرب الصيد أيضا عن قلقه إزاء رفاهية أولئك المهاجرين الذين لا يعتبرون تونس سوى نقطة انطلاق على الطريق من أفريقيا جنوب الصحراء إلى ساحل أوروبا على البحر الأبيض المتوسط.

وقد أنهى الصيد اجتماعنا بنبرة متفائلة. وتجدر الإشارة إلى أنه في الشهر الماضي، منحت لجنة نوبل النرويجية جائزة نوبل للسلام لرباعي الحوار الوطني في تونس، وذلك “لإسهامه الحاسم في بناء دولة ديمقراطية تعددية في تونس في أعقاب ثورة الياسمين من عام 2011.” وكنت قد التقيت مع جزء واحد من الرباعي، وهو الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، في اليوم السابق فقط. ومع النقابات والناشطين في مجال حقوق الإنسان ورابطة المحامين يستكمل الرباعي، الذي تم تأسيسه في عام 2013 بهدف تعزيز الحوار بين المجتمع المدني وإيجاد حلول سلمية للاضطرابات الواضحة للغاية في جميع أنحاء شمال أفريقيا وخارجها. وربما ما كان ملحوظا أكثر من التجارب في جميع أنحاء المنطقة هو أن المجموعة ضمت معا الأطراف العلمانية والإسلامية على حد سواء.

لا يزال هناك الكثير للقيام به في تونس، وسأكتب لاحقا على بعض من تلك القضايا لا سيما من حيث أنها تؤثر على الأقليات، ولكن في الوقت الراهن، تونس تواصل رحلتها. وهناك جملة في اللغة العربية التي تبدو مناسبة والتي تقول: ما هو قادم يكون أفضل من ما قد ذهب.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.