مقالات مختارة

الإثنين,22 فبراير, 2016
الحرب الليبية المرتقبة في المعادلة السياسية التونسية

الشاهد_لا أحد اليوم من السياسيين التونسيين يمكنه أن يصمّ آذانه عن الحرب التي تُقرع طبولها في ليبيا، وتعدّ لها القوى الأوروبية والأطلسية منذ مدّة ليست بعيدة، فقد تبارت وسائل الإعلام الغربية والمحلية في إعداد الرأي العام لهذه الحرب، وقبول ما سيترتب عنها من مآس إنسانية محتملة، وجرائم ضد البشرية متوقعة، وهجرة جماعية قسرية ونهب واستيلاء بغير وجه حق على ثروات الليبيين، وما تبقى من مقدّرات دولتهم الشهيدة المغدورة. ومظاهر الاستعداد قد طفحت بالبحر، تجسّدها البوارج البحرية وحاملات الطائرات التي باتت ترصدها العين المجرّدة لبحّارة السواحل التونسية وساكنيها، وبالبرّ عبر الانتشار المسلح على طول التخوم التونسية الليبية، وتهيئة القواعد العسكرية والمصحّات والمشافي المتنقلة وفسح المجال أمام طواقم الإنقاذ والإغاثة والطوارئ الأممية والإنسانية، وبالجو من خلال الطائرات بدون طيار التي تنتشر في السماء، والمقاتلات التي ما انفكت تضرب أهدافها العسكرية والمدنية بكلّ دقة وحرفية في الحواضر والبوادي والأرياف الليبية.

 

ولا بد، في هذا السياق الملتبس بالسياسات الغامضة الملفوفة بالأسرار العسكرية والأمنية التي تحجب عن المواطن التونسي خفايا الأمور الحكومية، من التذكير بما جرى سنة 2011 من تدمير منظم للدولة الليبية من قوات الحلف الأطلسي، وتحويلها إلى أشلاء جغرافية ومدن أشباح تهافت على خيراتها وأموالها وثرواتها الباطنية تجار الحروب والشركات الغربية المتعددة الجنسيات، من أجل تدفق النفط والغاز بكلّ انسيابية، بعد أن تمّت التضحية بمئات آلاف من الليبيين الأبرياء المسالمين، قتلا وتشويهاً وحرقاً وتشريداً وتفقيراً وتهجيراً باسم مقاومة الدكتاتورية والتبشير بالجنّة الديمقراطية.

 

لم يكن موقف الحكومة التونسية، بقيادة الباجي قائد السبسي، عشية تلك الحرب القذرة حيادياً بالمرّة، فقد اعترف، في أكثر من مناسبة، وبصفة علنية، ومن أعلى المنابر الإعلامية، أنه دعّم “الثورة الليبية”، بنصبه المخيمات واستقبال اللاجئين الليبيين والأجانب، لكنه، في الآن نفسه، فتح الحدود التونسية أمام التعبئة العسكرية وتوفير المعدات التي حطّت الرحال بالموانئ والمطارات في الجنوب الشرقي التونسي، لتُنقل إلى منطقة الزنتان الغربية، ما أدى إلى حسم المعارك البرية في طرابلس التي كانت اللحظة الحقيقية لانهيار السلطة الليبية، وتنصيب تنظيمات الإسلام السياسي بديلاً عنها.

 

 

ولم يكن موقف حركة النهضة مختلفاً، فقد احتفت، بصفةٍ رسميةٍ بالأمر، في حفل نُظم في مدينة جرجيس في الجنوب التونسي، حضره رئيس الحركة راشد الغنوشي، وأعلن فيه عن سروره بسقوط نظام العقيد القذافي من القوات الأطلسية، تحت يافطة انتصار “الثورة الليبية”، مؤكداً الموقف نفسه في بيان أصدره في 22 أغسطس/آب 2011، جاء فيه أن سقوط طرابلس في ذلك اليوم منّة من الرحمن. وتحول وفد قيادي في الغرض، آنذاك، إلى العاصمة الليبية لتهنئة زعيم الإخوان المسلمين الليبيين، علي الصلابي، وزعيم الجماعة الليبية المقاتلة، عبد الحكيم بلحاج، وذلك بعد أن كانت علاقات العقيد القذافي بالقيادات الإسلامية عموماً، والقيادات النهضوية خصوصاً، قائمة على التواصل والصداقة الشخصية مع نجله سيف الإسلام، وعلى الدعم المالي لهم في منافيهم، في لندن وفي غيرها من العواصم الغربية، وقد بلغ الأمر حدّ زيارة قيادات إسلامية بارزة ليبيا، في مناسباتٍ عديدة، وتوليهم مهمة إعادة تأهيل مساجين الجماعة الليبية المقاتلة، وزعيمها بلحاج، في سجن بو سليم، ما أفرز كتاب “دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم: مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة”.

 

هذه المعطيات التاريخية كفيلة وحدها بأن تمكننا من فك طلاسم الموقف التونسي من القضية الليبية، فقد كان الالتقاء في الرأي بين الشيخين، الباجي والغنوشي، ثابتاً ومؤكداً، على الرغم من اختلاف الخلفية السياسية التي حكمت توجه كل منهما. فقد كان الباجي قائد السبسي مستبطناً للتوجه البورقيبي المعادي للقذافي، ونظامه القومي العربي، ما جعله يستغل اللحظة التاريخية على أحسن وجه للتخلص من عدو قديم “مزعج”، أما راشد الغنوشي فقد “عضّ اليد التي امتدت إليه بالأموال في منفاه”، على حدّ تعبير رئيس الوزراء الليبي الأسبق، البغدادي المحمودي، في تصريح منشور في الصحافة العربية، عشية تسليمه في ظل حكومة حمادي الجبالي سنة 2012، منتصراً للجماعات الإسلامية الليبية، وكتائبها التي تولت الأمر بعد قتل القذافي وإنهاء حكمه، مستبطناً بدوره سنوات طويلة من الصراع بين القذافي القومي العربي وتنظيم الإخوان المسلمين المعادي للقومية العربية، بما في ذلك فرعه الليبي الذي كان له صولات وجولات دموية مع النظام الليبي. ويلاحظ المتأمل في تلك المواقف كيف التقى السبسي البورقيبي الليبرالي مع الغنوشي الإسلامي في تأييد تخلص الحلف الأطلسي من القذافي القومي العربي.

 

وتتمثل المفارقة في أن كلاً من السبسي والغنوشي يجدان نفسيهما في مواجهة جديدة مع القضية الليبية ومأزقها، وهما وحزباهما في أعلى هرم السلطة التنفيذية، في قصري قرطاج والقصبة، والتشريعية في قصر باردو، ما سيحمّلهما نتائج إدارتها هذه الأزمة وتأثيرها على تونس، من جراء الحرب الأطلسية والأوروبية المرتقبة على ليبيا. لكن مستويات التحالف والالتقاء مع أطراف ليبية، هذه المرّة، ليست نفسها، ففي حين تنهج حركة النهضة نهجاً سياسياً يقترب من الجماعات الإسلامية الليبية، وخصوصاً مجموعات “فجر ليبيا”، وهي تحالف بين تنظيم الإخوان المسلمين الليبي والجماعة الليبية المقاتلة المتغطية بحزب الوطن الذي يرأسه عبد الحكيم بلحاج وعدة مليشيات ميدانية مسلحة، مثل جماعات القعقاع والصواعق وحماية المطار ودرع ليبيا الوسطى والجماعات القادمة من مصراتة..إلخ، فإن الاتجاه السياسي الذي يقوده السبسي لا يخفي تعاطفه مع قوات الجيش الوطني الليبي التي يتولى أمرها الفريق أول خليفة حفتر في شرق ليبيا، والتي تنخرط في حرب مليشيات مع كل مجموعات الإسلام السياسي بدون استثناء. ولا نعرف ما سيكون عليه موقف حركة النهضة مما يروّج من أن اتفاقا بصدد الإبرام تُمكن بموجبه الحكومة التونسية التي تشارك فيها “النهضة” بأكثر من وزير، وتدعمها بواسطة الكتلة البرلمانية الأولى، دول أوروبية، وخصوصاً إيطاليا وألمانيا من تدريب مقاتلي حفتر على أراضيها، وإعدادهم للتدخل العسكري الغربي المنتظر في ليبيا.

 

تغيّرت المعادلة الليبية، اليوم، وبات أعداء نظام القذافي الذين ورثوه في حكم ليبيا المدعومون من الحلف الأطلسي سنة 2011 هم من يستهدفهم اليوم التدخل العسكري المحتمل من الحلف نفسه، والمقصود هنا جماعات الإسلام السياسي من “إخوان مسلمين” وجماعة ليبية مقاتلة إن هم عرقلوا اتفاق الصخيرات في صيغته الأخيرة، والحكومة التي أفرزها، زيادة عن تنظيمات أنصار الشريعة والدواعش والقاعدة والمرابطين ومجالس شورى المجاهدين في درنة والبيضاء وبنغازي والقبائل المتشددة الموالية لهم.

 

وفي ظل هذا الموقف المتناقض، تجد الحكومة التونسية نفسها مضطربة السياسات تجاه القضية الليبية، فهي مجبرة على أن تعبّر بوضوح عن رفض شعبها وقواه الحية من أحزاب سياسية، ومجتمع مدني ورأي عام شعبي، لكل تدخل أجنبي، وكل غزو برّي للأراضي الليبية من الحلف الأطلسي، فالحدس الشعبي يعرف أن الدواعش منتوج أميركي-غربي يستخدم بمهارة في تفكيك ما تبقى من الدول العربية، أو إضعافها، ولا يخطئ في اعتباره أن الأمر سيزيد الوضع تعكيراً وألما وقسوة لليبيا وتونس على حدّ السواء. وفي الآن نفسه، قد لا يستطيع حكّام تونس ردّ طلب الحلف الأطلسي في استخدام الأراضي التونسية في عمليات عسكرية خاصة، بعد توقيع تونس على اتفاقية الحليف للولايات المتحدة الأميركية من خارج حلف الناتو في السنة المنقضية. وربما هذه المشاركة مهما ضؤُل حجمها، ستبطل الموقف الرسمي الرافض للتدخل العسكري الأجنبي لليبيا، وتجعله فاقداً للمصداقية، وقد تستبطن رغبة خفية في التخلص من الجماعات الإسلامية الليبية التي طالما شكلت خطراً على تونس، من خلال توفير حاضنة ومعسكرات للتدريب لجماعات التطرف الديني التونسية، وخصوصاً تنظيم أنصار الشريعة، بقيادة سيف الله بن حسين المكنّى بأبي عياض، ومختلف الكتائب المقاتلة المنبثقة عن ذلك التنظيم، والمؤتمرة بأمره. ولكن، قد يتحول الأمر إلى نقيضه، بأن تتسرب تلك المجموعات المتطرفة التونسية والليبية إلى الأراضي التونسية، ضمن جحافل اللاجئين المنتظر وصولهم، هروباً من الحرب وأهوالها.

 

تبدو السياسة الرسمية التونسية تجاه الملف الليبي عرجاء في أحيان كثيرة، فالساسة التونسيون الذين تولوا الحكم بعد 14 يناير 2011، مع الباجي قائد السبسي البورقيبي الهوى والدستوري الانتماء، أو مع الإسلاميين بقيادة راشد الغنوشي، لا تزال تتعاطى وفق خلفيات تاريخية وأيديولوجية، أبعد ما تكون عن متطلبات السياسة وإكراهاتها وبراغماتيتها التي تمارسها دول أخرى بعيدة جغرافياً أو قرابيا على ليبيا، وتمثل لاعباً رئيسياً في الحقل الليبي، ولها مصالح حقيقية في ليبيا، لا تتنازل عنها في أي ظرف. وإن أمن تونس وشراكتها التاريخية مع ليبيا التي كانت قائمة في أزمنة سابقة، ووفرّت حجم معاملات اقتصادية ومالية قُدّر بآلاف المليارات من الدنانير، يستوجب أن يكون للدولة التونسية إستراتيجية واضحة في التعامل مع الجارة الشقيقة الجنوبية. وإذا كان لابدّ من تحالفٍ، فإن حكومة ديمقراطية في تونس لا شريك لها سوى تمثيليات الليبيين النابعة من عمقهم الشعبي الذي تمثلّه، في هذه المرحلة، القبائل والقوى الوطنية الليبية التي تعمل على الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها، وتؤمن بالعيش المشترك، وتلتزم بالتداول السلمي على السلطة، ولا تمثّله الميليشيات المسلّحة والمجموعات الوافدة من جنسيات أخرى، عربية كانت أو أعجمية، التي تتبع، أو توالي، هذه الدولة أو تلك، أو تروج يوتوبيا دولة دينية عتيقة، انقضى عهدها وولّى.

 

فهل تستيقظ الحكومة التونسية مع دق طبول الحرب على أن الأمن التونسي – الليبي والمغاربي والعربي أمن مشترك، وأن تحقيقه على الأرض لا يكون من خلال تأمين الحدود التونسية فقط، وإنما يستوجب الولوج إلى تلك الأعماق العربية والإقليمية، وسبر أغوارها ورسم سياسات واضحة اتجاهها، فهي ملاذها الحقيقي الذي فرضته دكتاتورية الجغرافيا والانتماء؟

 

 

سالم الابيض