الرئيسية الأولى

الأربعاء,22 يونيو, 2016
الحجاب “العصري” مشكلة تبحث عن حل ..

الشاهد _ على هامش شهر رمضان وعملا بسنة الإفطار الجماعي التي دأب عليها المسلمون في الغرب ، دار حوار مفعم بالدلائل على مائدة الإفطار بين فتيات غير محجبات وأخريات بغطاء الرأس وبقية اللباس لا يتوافق والحجاب وغيرهن بحجاب يبدو قد اكتمل المواصفات الشرعية ، نقاش تطور إلى تراشق كان لابد من الوقوف عنده وطرح قضية ملحة يتغافل عنها الكثير ، ويسعى القليل إلى إحداث مراجعات عميقة حولها والدعوة إلى الوقوف عندها بجدية ، ذلك هو الحجاب العصري أو الموضى أو نصف الحجاب أو غطاء الرأس أو كما أسمته أحد الحاضرات للإفطار الجماعي وغير المحجبة أصلا “تسجيل حضور سيئ أمام الله”.

مر الحجاب بمراحل متعددة انطلق بخلفية شرعية وانتهى عادة أبعد ما تكون عن العبادة ، تحول عند البعض حتى من أبناء الحركة الإسلامية إلى اجتهاد شخصي يقبل أصحابه مواصفات معينة ويرفضون أخرى، حتى يمر عليهم الوقت فيعودون إلى القبول بما تم رفضه سابقا ، وكل ما انكمش الحجاب يسعى أصحابه إلى مقارنته بالأكثر تسيبا لإثبات شرعيته ، إلى أن أصبح الحجاب محصورا في غطاء الرأس ويجوز ما دون ذلك ، وتبقى الفتاة محجبة في نظر الكثير ما دامت تحتفظ بقطعة تغطي رأسها “فولارة” ولا بأس من ضغط جميع مرتفعات وهضاب الجسم وحشرها بقوة في مساحة لا تتسع لنصف مواصفات الحجاب النظري .

يتجاهل بعض المنتمين إلى المشروع الإسلامي مسألة الحجاب بل ويطبعون مع الموجة التي زحفت على التعريف الذي تم اعتماده بشكل واسع “لا يصف ولا يشف ولا يكشف” وان كان الكشف راوح مكانه ولم يقضم الكثير من خصائص الحجاب و انتعش اللباس المشف لكنه لم يستفحل ، فإن اللباس الوصف إجتاح بلا هوادة وقدم صنوفا قد تخجل بعض المجتمعات المحافظة و غير المسلمة من الإعتراف بها ، ترتدي الفتاة ثيابا محصورة تكاد تفجر بعض أجزاء جسمها ثم تشرع في الحديث عن ملابسات حجابها وكيف اقتنعت به ، ليس ذاك بالحالة الشاذة وإنما هو سلوكا يجتاح باستمرار ويتسبب في خلط كبير بين الحجاب الديني والتقليدي والثقافي ، كل ذلك والكثير من رواد الحركة الإسلامية ورائداتها لا يحركون ساكنا ، بل يصرون على مغالبة من قال بأن الحجاب تعبيرة سياسية بإمتياز وهو ما ظهر لدى بعض الإسلاميين في حين تمسك ببعده الشرعي نسبة لا تمثل الأغلبية في الجسم الدعوي السياسي ، ما عرض الحركات الإسلامية الوسطية إلى الكثير من الإنتقادات من قبل الحركات السلفية ومن قبل خصومها من العلمانيين ، إلى حد أن السلفي والعلماني اتفقا على إدانة الظاهرة كلا من زاويته ، فالعلماني يرغب في الإطاحة بالجزء المتبقي من الحجاب “غطاء الرأس” لايعلن إنتصاره النهائي على الحجاب ، بينما يرغب السلفي في استعمال الحجاب المعدل “جينيا” ، للاستدلال على فساد منهج “خصومه” بشكل عام .

المشكل أن الحركة الوسطية فشلت في استيعاب المسألة ، لم يسعها الإستنجاد ببعض الفتاوي لتأصيل الأمر الواقع وحصر الحجاب في غطاء الرأس ، ولا هي استطاعت القيام بمراجعات تعترف فيها بوجود مشكلة مستعصية . يعاني محور الحجاب من إخلال كبير والملفت أن بعض التبريرات التي تصدر من أنصار الحجاب والقائلين به لم تعد قابلة للتسويق ، حتى أن ريشة رسامي الكاريكاتير نشطت بقوة في هذا الجانب واعتمدت على الرسوم الساخرة لتعبر عن غرابة المظاهر التي أصبحت تغزو عالم الحجاب والمحجبات ، وليس أقلها أن تتباها إحداهن أمام زميلاتها بغطاء رأس فيما ملابسهن أقرب الى الحياء من ملابسها .

بعض المنتصرين للحجاب والذين أسرهم العناد يثورون عندما ينتقد الحجاب من طرف خصومه ، ويثورون عندما ينتقد من طرف أنصاره الذين يدعون إلى اعتماده بشروطه الشرعية ، إلى درجة أن بعض المدافعين عن الحجاب لم تعد تعنيهم المسألة من جوانبها الشرعية بقدر ما تعنيهم رؤيتهم وموقعهم الذي يقفون فيه ، وبقدر اعتمادهم ومحيطهم على وصفة معدلة مقلمة من الحجاب بقدر دفاعهم عنها ، هم في الحقيقة يدافعون منسوب الإستسلام الذي وصلوا إليه ولا يدافعون عن الحجاب بمواصفاته الشرعية ، ولا شك أن الذين لا يقولون بالحجاب من غير غلاة الإستئصاليين هم أقرب في طرحهم من الذين استماتوا في الدفاع عن حصن الحجاب الأخير “غطاء الرأس” واستسلموا للاجتياح الذي اكتسح بقية الجسد .

وفي انتظار قراءة عصرية للأحكام الشرعية التي قد يجد فيها بعض القائلين بحجاب ما فوق العنق ضالتهم أو عزاؤهم ، وإلى ذلك الحين مازال العديد من أنصار الحجاب “المختصر” يعتمدون في سجالهم مع خصومهم العلمانيين أو المتدينين على الإرتجال والعشوائية ، تغيب الحجة الشرعية ويجنح العقل إلى تبريات رثة وهزيلة ..

نصرالدين السويلمي