مقالات مختارة

الخميس,3 مارس, 2016
الجيل الذي سُرِقت أحلامه بحظر الحجاب

الشاهد_تركيا القديمة أو بمعنى آخر “تركيا العلمانية” أو “تركيا الديمقراطية”! حيث كنا قبل 14 سنة نعيش في دولة علمانية عظيمة. أنشأت هراء الديمقراطية والحرية والعلمانية في تركيا.

 

كنت طفلة صغيرة، لا أفهم جيدا ما يدور في بلدي حتى التحقت بثانوية الائمة والخطباء، كنت سعيدة جدا لأنني بدأت دراستي بالحجاب بعد تعليمي الابتدائي لثمان سنوات مضت بحظر الحجاب، دراستي كانت بمواد دينية وهو ما اعتبرته واعتبره شرفا لي إضافة إلى دروس مختلفة.

 

مشكلة مدرستنا تكمن في أنها تحظر الدراسة بالحجاب في المدارس التركية، لم اهتم لذلك كون ان مدرستنا دينية. كنت أحاول أن أفهم وأقبل هذا الأمر! لكن في هذه الفترة بدأت تسري إشاعات حول أن الحظر سيكون علينا في مدرستنا الدينية ايضا. ما كنت أريد أن أسمع هذا الكلام وتصديقه. كيف يمكن أن أدرس بلا حجابي أو بشعر مستعار؟ هل أدرس كما يريدون وأعصي أوامر ربي بخلع الحجاب.

 

رغم أنني أغلقت أذني لهذه الشائعات تحوّلت الشائعات إلى حقيقة. بدأت إدارة الثانوية تحذيرا حول منع الحجاب في الدروس وبدأ الأمر رويدا رويدا. في البداية تحذير تلته عقوبات. ثم في أول الأسبوع من الفصل الثاني تغير كل شيء.

 

رأيت حافلات الشرطة من نافذة صفّي وفيها شرطة مكافحة الشغب بعصيهم ومضاربهم. تسألتُ حينها: هل هناك قاتل متسلسل أو مجزرة أو احتجاجات غير شرعية في المدرسة؟ أكيد هناك أمر عظيم جدا! لماذا هذا؟ لا، طبعا. هناك مجرمين في داخل المدرسة وأعمارهن بين 14-18عاما! هل قتلنا أستاذا أو أي طالب؟ لا، ذنبهم الكبير أنهن دخلن إلى المدرسة بحجابهن. نعم؛ إنه الذنب الأكبر!

 

استغربت عندما رأيت هذا المنظر، وفي نهاية الدوام كانت حفلة نهاية الأسبوع بفناء المدرسة، تجمّع كل الطلاب في الحديقة وفي أذهاننا مليون سؤال. في بداية الحفل سمعنا صوت المدير الذي يقول “أيتها الطالبات، الفتاة التي لا تتبع قواعد اللباس والمظهر العام لتترك الآن حديقة المدرسة….” وصوته يرعب كل شيء من حوله، حتى ان الفناء أهتز من صوته المُحذر لنا.. بعد تصريحات المدير، فتح حارس المدرسة باب الفناء بعيون حزينة… حينها 90% من الطلاب والطالبات تركوا المدرسة بهدوء، وحولنا الشرطة والأمن.

 

بعد ذلك اليوم أصبحت المدرسة بمثابة الحلم؛ كل صباح كنا نذهب إلى المدرسة نستذكر أيامنا فيها. كنا ننتظر أمامها. لكنهم بعد أيام منعونا حتى من الوقوف أمامها. بعد المنع من الوقوف امام المدرسة التي نحب، صرنا ننتظر في زقاقها، فقاموا بمنعنا من الزقاق ايضا. عاملتنا الشرطة كأننا إرهابيين. طرد، ضرب والخ… اعمارنا في تلك الفترة تتراوح بين 14-18 عاماً.

 

مع مرور الأيام ازدادت خيبة الأمل لي وللطالبات أصدقائي، أصوات مختلفة بجواري؛ “اقلعي حجابك”.. “ممكن تقلعي حجابك من أجل التعليم”.. “أنت طفلة، لا يوجد مشكلة”.. “في المدرسة اقلعي حجابك وارتديه عندما تخرجين”.. “البسي شعرا مستعارا”.. واصوات أخرى كثيرة، كانت كلماتها مؤلمة أكثر من الحظر نفسه بالنسبة لي.

 

مرت تلك الأيام بألم بالغ، صديقاتي اللواتي كن يدرسن في الثانويات العامة بلا حجاب تكلمن لي عن دروسهن ونجاحهن وكنت ابتلع الحزن وأمسك نفسي لكيلا أبكي.

 

حظر الحجاب سرق سنتان من شبابنا، تسبب بالقضاء على أحلامنا وتعليمنا؛ أحلامي الجميلة في مجال التعليم بقيت كحلم مستحيل، بعد سنتين من كل هذه المعاناة تحسّن الأمر قليلا.

 

يوم ان وصل حزب العدالة والتنمية الى الحكم في تركيا، كنت أغضب من أردوغان الذي أصبح في السلطة في عام 2002 ولم ينته هذا الحظر. لماذا؟ متى سينتهي؟ إذا لم تحلّوا مشكلة الحظر لماذا اخترناكم إذن؟ كان لدي غضب عاطفي كبير تجاههم.. ولكن الحمد لله انتهى الحظر في عام 2004 وعدنا الى مدارسنا حتى ولو متأخرين.

 

مرحلة حظر الحجاب على الرغم من قسوتها والم محطاتها؛ علمتني أن لتغير لا يتم بليلة واحدة. كنا نحاول أن نركض بتعليمنا خلف الطلاب الذين استمروا بتعليمهم بلا توقف في وقت تركناه نحن بسبب حظر الحجاب، حينها كنا نبذل جهدا أكثر منهم كي ننجح.

 

بالرغم من كل الصعوبات أكملنا الثانوية، لكن لايزال شبح الحظر قابع أمامنا؛ حظر الحجاب في الجامعات، فما ان اكملنا ثانويتنا العامة الا وبدأت مشكلة اخرى وخيبة أمل جديدة. كل مرحلة تعليمية مررنا بها كانت بنفس الحاجز الذي يفرض علينا خلع الحجاب.

 

بعد سنوات ثلاث سُرقت من حياتنا أجمل لحظاتها، تخرجت من الثانوية العامة، لم أستطع الالتحاق بجامعة حكومية بسبب حجابي، فالتحقت بجامعة خاصة للطالبات اللواتي يعانين من مشكلة حظر الحجاب. أكملت دراستي هناك بحجابي الذي أحب، بشهادة جامعية لا تعترف فيها الحكومة التركية!

 

حظر الحجاب أرهقنا كطالبات في أروقة المدارس التركية، وفي كل المراحل التعليمية كما نواجه مشكلة جديدة عنوانها الرئيسي الحجاب. حتى أنى عندما انهيت تعليمي الجامعي، وتخرجت معلمة للغة العربية التي أحب، بدأت العمل في قطاع التعليم بمدرسة خاصة بإسطنبول، كنت أتوقع ان مشكلة الحجاب انتهت، فلم اعد طالبة وأصبحت معلمة في احدى مدارس بلدي، لكن على ما يبدوا مشكلة الحجاب لم تنته بعد، فمنعت وزميلاتي المعلمات من الخروج إلى حديقة المدرسة بالحجاب. لأن الحظر لم يرفع حينها من المدارس والمؤسسات التعليمية.

 

حظر الحجاب لم يكن ينتهي الا بتغيير جيل كامل؛ غير حياة الكثير من الطالبات والعوائل؛ بعض منا تركن التعليم وتزوجن، والآن يربين أولادهن دون تعليم، وبقي موضوع التعليم عقدة في داخلهن وهن امهات. طالبات اخريات ذهبن إلى بلدان أخرى ليكملن تعليمهن، وبعضنا الاخر انتظرن حل المشكلة بصبر لا يفنى.

 

اليوم الحمد لله انتهت مشكلة الحجاب في كل المؤسسات وتربع الحجاب على العروش والمقاعد الدراسية كما نحب نحن كطالبات محجبات، الحجاب الان مسموح به من الابتدائية إلى الجامعة ودون حظر. وهو كذلك في الشركات الخاصة والدوائر الحكومة التركية.

 

رفع الحظر عن الحجاب كُلّيا لم يكن يتحقق الا بمواجهة الكثير من الصعوبات؛ دفعنا فيها ثمنا عاليا بسبب خوفنا على الحجاب.

 

لن ننس الفوضى في البرلمان التركي عندما دخلت النائبة مروة قاوقجي بحجابها وصراخ النواب “اخرجي، اخرجي”… مثل أطفال في روضة. وكلام رئيس الوزراء السابق بولنت أجاويد “علّموا هذه المرأة حدّها!”.

 

أصوات الفوضى تلك لن تمحى من أذهاننا. فاليوم أخت النائبة مروى، روضة قاواقجي تدخل البرلمان التركي مرفوعة الرأس بنفس الحجاب مؤدية قسم اليمين. دخلت رضوى البرلمان ولم يحدث أي خلل أو فساد في الديمقراطية كما حصل في السابق مع اختها مروي، وليس هذا فحسب، فدخل البرلمان مع رضوى 21 نائبة أدّين قسم اليمين بالحجاب في برلمان تركيا.

 

لا نستغرب من دخول البرلمانيات التركيات بحجابهن الى البرلمان، فأحلام الأمس أصبحت حقائق اليوم.

 

يأخذنا موضوع حظر الحجاب الى عامل مهم في مرحلته، وهو ما يتعلق برئيس الجمهورية التركية السابق “سليمان ديميريل” والذي توفاه الله نهاية الشهر الماضي، يونيو /تموز.

 

ما لفت انتباهي في وفاته ان الناس تكلّموا حوله بشكل لطيف عندما مات، وذكروه بأشياء جميلة. ولكنني لم أستطع أن أذكره مثلهم؛ تذكّرت مباشرة “لا تستطعن دخول الجامعات بالحجاب. اذهبن إلى السعودية لكي تدرسن بالحجاب” هذا هو رئيس جمهورية تركيا الديمقراطية التي يدعون، لم أستطع ولن أستطع فهم كراهية هذا الرئيس لحجابنا! لكنني كنت أعرف حينها أن يجب علينا ان نذكر محاسن موتانا، لم أتكلم عليه بسوء، وفي نفس الوقت لم، ولن أستطيع الثناء عليه.

 

اكتب هذه المقالة وكلي ثقة بالله الذي كان حسبنا ونعم الوكيل، تلك المرحلة التي حظر فيها حجابنا، تركنا قضية الحجاب عند الله، وهذه الآية الكريمة نصب اعيننا “أَليس اللَّه بعزيز ذِي انتقام”.

 

لننظر إلى فترة حزب العدالة والتنمية التي حكم فيها تركيا ثلاثة عشر عاما، من عام 2002 إلى 2015. لنترك كل النجاحات في مجال الصحة، الاقتصاد، الديمقراطية، القضية الكردية، ونفكّر بموضوع الحجاب فقط. ولنقارن ما عمل عليه اردوغان خلال فترة حكمه بمرحلة انقلاب 28 شباط 1997 إلى يومنا هذا ولنبحث في أين كنا كأتراك، وإلى أين وصلنا اليوم من حضارة ورقيّ.

 

انتقلنا كنساء، وفتيات محجبات بمختلف التوجهات والاهتمامات من التحقير إلى أعضاء في البرلمان؛ من طردهن من المدارس إلى احترامهن كجزء رئيسي وفاعل في المجتمع.

 

نعم، من الممكن أن ننتقد تصرفات حزب العدالة والتنمية في كثير من المجالات ولكن وجب علينا أن نضع يدنا على ضميرنا قبل الكلام. فحزب العدالة والتنمية مسح الخجل الأكبر في تاريخ الديمقراطية التركية وأنهى هذا الحظر السخيف عنا.

 

في النهاية، باسمي وباسم كل الفتيات اللواتي سرقت أحلامهن، أشكر زعماء العدالة والتنمية: عبد الله غول ورجب طيب أردوغان وكل من لديه مساهمة في إنهاء حظر الحجاب ولو بشكل قليل. وأحمد الله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه الأيام الحرة.