الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

السبت,21 مايو, 2016
الجبهة والسبسي ..النهضة والسبسي ..

الشاهد _ تختلف علاقة حركة النهضة بالباجي قائد السبسي اختلافا جذريا عن علاقته بالجبهة الشعبية ، ولعل أول أوجه الإختلاف يتمثل في علاقة الجبهة بشخصية الباجي “المعارض” والتي كانت إلى حد قريب تؤمن أن لا حق له في العودة إلى المشهد وأن عمره السياسي انتهى ، لكنها قبلت بعودته بعد أن أيقنت أن مكون اليسار بكل أطيافه بما فيه فسيفساء الجبهة الشعبية غير قادر على قيادة عملية جدية وقوية لخلخلة الترويكا و إقصاء النهضة من الحكم ثم من الحياة السياسية والحزبية جملة وتفصيلا وإن تيسر الأمر فلما لا إعادتها بقيادتها وقواعدها إلى ما وراء القضبان . أما علاقة النهضة بالسبسي فقد كانت علاقة حزب شريك في الائتلاف الحاكم برئيس الجمهورية المنتخب والرئيس الفعلي للحزب الفائز بالمركز الأول في إنتخابات 2014 .

إذا نحن أمام حزبين إثنين أو حركة وجبهة ، كلاهما قبل بالباجي مع فوارق في نوعية القبول ، أما الجبهة فقد قبلت به كزعيم للمعارضة يفترض أن يقوم على مهمة محدد عنوانها الكبير الإطاحة بشرعية أكتوبر ومن ثم إفساح المجال لها للعبور بدعم من قوى نقابية وبعض النخب المتنفذة في الدولة والإعلام إلى سدة الحكم باعتماد التصعيد الثوري أو أي من المسميات الأخرى التي لا تتجانس والصناديق والإنتخابات والتداول السلمي على السلطة ، مقابل ذلك قبلت النهضة بالباجي كرئيس واختارت دعمه في مرحلة دقيقة وخطيرة من تاريخ تونس ، وإن كانت النهضة دعمت السبسي رغبة في إنهاء مشوار الإنتقال الديمقراطي او رغبة في فرملة توجهات إستئصالية خطيرة تهدف إلى إقحام البلاد وثورتها وإنتقالها الديمقراطي في أتون تطاحن إيديولوجي قد يأتي على الأخضر واليابس ويؤجل ديمقراطية تونس إلى 23 سنة مكرر أو مكعب ، في كلا الحالتين كانت النهضة تسعى بل وتصر على المضي قدما في مشروع الإنتقال الديمقراطي بمن حظر وتسعى الجبهة إلى فرملة المشروع بمن حظر.

بنت النهضة سياساتها على القبول واعتمدته أحد أكبر شعاراتها ، فقبلت بالتحالف مع أحزاب علمانية لتأثيث الترويكا ونجحت في ذلك وتمكنت مع شريكيها من قيادة أخطر مرحلة في تاريخ تونس الديمقراطي ، وقبلت بدعوة حزب العمال الخصم التاريخي إلى المشاركة في الترويكا مع بقية مكون الجبهة قبل أن يلتئم لكن “العمال” امتنع عن ذلك كما امتنع غيره ، ثم إن النهضة قبلت بالخروج من سلطة تقلدتها بموجب إرادة الشعوب بعد أن سعت الجبهة إلى القفز إليها بغير إرادة الشعوب ، كما قبلت بشراكة مع النداء والوطني الحر وآفاق ولم تشترط إبعاد الجبهة من الإئتلاف الحاكم. فيما رفضت الجبهة اعتماد الصناديق كلغة وحيدة لشرعية الحكم ، ورفضت فك الإرتباط مع القوة النقابية الضخمة في البلاد وسعت إلى احتكارها واستعمالها في جميع مناوراتها ، هي أيضا رفضت الدخول في حالة حكم تكون النهضة أحد أطرافها .

قبلت النهضة بشراكة مع حزب العمال وهي الحزب الأول في البلاد والفائز في أول إنتخابات حرة ونزيهة تشهدها تونس عبر التاريخ ، وصاحبة الكتلة النيابية الأكبر “89 نائبا ” في حين رفض حزب الهمامي العرض وكان حينها ممثلا في المجلس الوطني التأسيسي بثلاث نواب ، ثم عادت النهضة وقبلت بشراكة مع الجبهة سنة 2015 حين كانت صاحبة الكتلة الثانية في البرلمان “69 نائبا” بينما رفضت الجبهة الشعبية هذه الشراكة رغم أن كتلتها النيابية في البرلمان لم تتعدى 15 نائبا ! تواصل رفض الجبهة الشعبية كما تواصل قبول النهضة ، حيث رفضت جبهة الهمامي العديد من الدعوات للحوار مع حركة الغنوشي وذهبت إلى أبعد من ذلك حين جمدت عضوية حزب القطب عقابا له على لقاء منسقه العام رياض بن فضل بالأمين العام لحركة النهضة علي العريض . وسبق لرئيس النهضة راشد الغنوشي أنأكد في أكثر من مرة على استعداد الحركة للتحالف مع كل الأحزاب المعترف بها قانونيا لمصلحة تونس ، كان آخرها في حواره خلال شهر أفريل الماضي مع موقع “هافينغتون بوست” حين قال “نحن مستعدون للتحالف مع أي حزب يعمل في إطار الدستور بما في ذلك الجبهة الشعبية ولا نقصي أحداً”.

 

مفارقة ساخرة وعجيبة شهدتها العلاقة بين حركة النهضة والجبهة الشعبية ، فالكل يعلم أن مكونات الجبهة هي من دفعت بقوة لانتخابات مجلس تأسيسي تكون مهمته صياغة دستورا جديدا للبلاد ورفضت رفضا قطعيا ترميم دستور 59 ، الأمر الذي قبلت به النهضة ودخلت بموجبه إنتخابات هيمنت على نتائجها ، لتعود الجبهة وتنخرط في الدعوة لإسقاط المجلس الذي دعت الى انتخابه وتمتنع عن حضور الإحتفالات بالتوقيع على الدستور الذي دعت إلى كتابته ، ثم إن الجبهة الشعبية قبلت بقيادة نداء تونس لأطياف المعارضة وقطعت الطريق أمام المرزوقي لصالح الباجي وساعدت في وصوله إلى سدة الحكم كما ساعدت في تقدم النداء حين دخلت في عداوة مع جميع خصومه بما فيهم لجان حماية الثورة ، ولما وصل الباجي إلى السلطة أيدته النهضة وشرعت الجبهة في مشاغبته ، ثم تحالفت النهضة مع النداء وعادت الجبهة تتحدث عن الأزلام وعن جريمة ترقية المنظومة القديمة!

 

لقد كانت الجبهة تساعد في بناء حزب جديد من قوى المنظومة القديمة والدساترة ورجال المال والإعلام ومراكز النفوذ والنقابيين ليس لقهر النهضة وحكم تونس ، بل لقهر النهضة وتمهيد الطريق لحكم تونس ، وأسهمت في التحشيد لرئيس الجمهورية خاصة عن طريق الطعن في خصمه الرئيس السابق المنصف المرزوقي ليس حبا في السبسي ، وإنما أملا في إخلاء موضعه لحمة الهمامي بعد وقت يسير وفي أسوإ الحالات إنهاء عهدته ثم التفاف حملة السبسي التي أدارت انتخابات 2014 لنصرة الهمامي خلال إنتخابات 2019 ، ولما تبين أن القوى النافذة التي عول عليها زعيم الجبهة بدأت تميل للمستشار الأول لرئيس الجمهورية محسن مرزوق كبديل للباجي واتضح أن الدعاية الإعلامية التي اعتبرت الهمامي رئيس تونس المقبل بعد السبسي لم تكن إلا حبكة إعلامية مقصودة قضت وترها وانتهت مهمتها بسلام ،حينها شرعت الجبهة في الحديث عن وزير داخلية بورقيبة ورئيس برلمان بن علي وعن اليوسفيين وصباط الظلام ولم تنسى استحضار الثورة وشهدائها وتذكرت بعد طول نسيان البوعزيزي وبوزيد و القصرين ، واعتنت على حين غفلة بسبعطاش أربعطاش .