الرئيسية الأولى

الأربعاء,13 أبريل, 2016
الثورة والتوافق ..تونس لا تصدر وإنما الأشقاء يستلهمون ..

الشاهد _ حققت تونس نجاحات ملفتة يمكن أن نسميها بالنجاحات الفريدة منذ ثورة الحرية والكرامة ، حيث تمكنت من حسم ثورتها في زمن وجيز وهو الأقصر نسبة إلى الثورات الأخرى ثم نحجت في ترتيب المرحلة الإنتقالية في شقها الأول وصولا إلى تثبيت مؤسسات تمكنت من الإشراف على أول إنتخابات حرة ونزيهة في تاريخ البلاد ، حتى إذا باحت الصناديق بإصرارها واستقرت النتائج بين يدي الأحزاب الفائزة ، تمكن المكون الفائز بالمراكز الاولى من تخليق وصفة تونسية فريدة اعتقد البعض انه لن يكتب لها النجاح لكنها اثبتت مع الزمن أنها صلبة بما فيه الكفاية و تحمل في جيناتها مقومات الثبات والصمود ، كانت تلك وصفة الترويكا أو الثلاثي الحاكم “نهضة – مؤتمر- تكتل” ، مع الوقت اتضح جليا أن الشعب التونسي كان يملك حسا إستثنائيا فقد أثبتت الأحداث أن من إختارهم خلال استحقاق 2011 كانوا الأجدر بحماية الثورة والوفاء لمشروع الإنتقال الديمقراطي ، حيث تورط بقية النسيج في محاولات إنقلاب متكررة أفشلها الجيش بإمتناعه الإستجابة للمغازلات ثم المناشدات ، كما أفشلها الفريق الحاكم بتماسكه وقدرته على المضي بالتجربة إلى ما بعد الدستور والإنتخابات الرئاسية والبرلمانية 2014 ، في الأثناء قدمت النهضة المؤتمن الأول على صناديق 23 أكتوبر سلسلة من التنازلات المدروسة ساعدت بقوة في التوقيع على أول دستور منبثق عن الشعب .

ثم كانت إنتخابات 2014 التي جاءت على خلاف ما تهوى العديد من مراكز النفوذ بالداخل والخارج ، وسببت مشاكل كبيرة للسلطة الجديدة لأن الراعي الإماراتي اشترط قبل التمويل أن يتم إيقاف الثورة ولا يُبنى عليها، تماما مثل ما وقع في مصر أراد إستنساخ تجربة السيسي بحذافرها ، كما اشترط إقصاء الإسلاميين وإجتثاثهم ، لكن المسعى خاب والمؤامرة فشلت وكان التوافق الإستثنائي ، الذي لم يقدم النهضة كشريك في الحكم بقدر ما قدمها “كمعارضة” قوية اختارت المساندة إشفاقا على طبيعة المرحلة ثم رغبة في فرملة بعض الرغبات المهوسة التي تهدف إلى إستنساخ تجربة بن علي في إبادة الإسلاميين ومن ثم إقحام تونس في أتون 7 نوفمبر جديدة قد تطول أكثر من السبعة السيئة الذكر .

بين الجار الشرقي الذي يعيش حالة إنفلات كبرى ويتلاطم السلاح على أرضه ، والجار غربي غير الراضي عن ثورات الربيع العربي وينظر إليها بعين الريبة وعلى مرمى من مليارات دويلة ثرية تأبى على تونس أن تخرج من ربقة الديكتاتورية وتخشى على أمرئها من إفشاء الحرية وما سينجر عن ذلك من متاعب ، وبين قوى عالمية متوجسة من وصول الإسلاميين إلى السلطة ، بين كل ذلك الخليط المعقد والمشاكل المتورمة ، شقت التجربية التونسية طريقها بلطف وتأني مع تقديم جرعات من التنازلات المدروسة تماما كجرعات المضادات الحيوية . مررنا في تونس بجانب الفشل ورأينا الموت واستشعرنا الكارثة في العديد من المرات لكن الله سلم ، ثم بحكمة أبناء تونس وأخيارها الذين سيكتب التاريخ عنهم بعد أن يهدأ الهرج ويخفت صوت الدعاية المحشوة بالمال ويرتفع صوت التاريخ النقي النزيه .

ثورة تونس لم تكن معدة للتصدير ولا نذكر واحدة من الدول قبضت على تونسي بصدد تصدير الثورة والحديث للشعوب الأخرى عن حتمية الإنتفاض وإقتلاع حكامهم ، كل ما في الأمر أن ثورة سبعطاش أربعطاش كانت ثمرة مغرية وجذابة ، نزعت إليها الشعوب إيحاءا و استلهاما وليس أمرا ولا وتحريضا ، حاولت العديد من الأنظمة إدانتنا لكنها لم تفلح في تثبيت تهمة واحدة على شعب تونس ، واقتنع الكل أو الــ”جل” بان شعب تونس لم يسوق لثورته ولا هو عمل على تصديرها لكنها تسربت مع الريح المرسلة ومن فرط لذتها اقتنصتها الشعوب بلا تردد دون أن تخضع لهاجس التكاليف والتداعيات .

الذي حدث مع ثورة الحرية والكرامة يحدث اليوم مع فكرة التوافق أين يتحرك المشهد الليبي بخطى حثيثة لإستنساخ التوافق التونسي بعد أن تيقن الجميع أن الرصاص لن يصنع الربيع ، تونس أيضا هذه المرة لم تفرض التوافق ولم تتح لها الفرصة أمام كبار اللاعبين لكي تبسط بضاعتها بروية ، لكن القوى الكبرى وبعد أن هددت بالتدخل ولوحت بالحسم العسكري ، مرة عبر الجو ومرات عبر التدخل البري ، وأعدت الفيالق في ذلك ودرست الأرضية وأرسلت الكومنوس ، وعندما كنا نترقب إعلان اللحظة الصفر لبدء الزحف على سرت وطرابلس وبن غازي ..ارتخت قبضة القوى العالمية وتمتموا في إستسلام ليس غير التجربة التونسية ، وليس إلا التوافق ولا سبيل للتعويل على الدبابة والصاروخ والــبي 52 و الشبح ، لقد اعترفوا بفشل خيار القوة الجبارة ، كما اعترفوا بنجاعة الخيار الحضاري التونسي .

هذه ليبيا ترتب أوراقها وفق النسخة التونسية ، ونحسب أن مصر في الطريق بعد أن يقتنع ذاك المشير أن الطاولة اصدق أنباء من العسكر . مكون البعث أيضا عليه أن يستعد بعد رحيل الأسد ليدخل في توافقات مع بقية النسيج السوري ، لقد قالها خيار تونس والقول ما قال الخيار التونسي .

نصرالدين السويلمي