مقالات مختارة

الجمعة,14 أغسطس, 2015
الثورة في تونس ليست بخير

الشاهد_منذ اندلعت الثورة في تونس عام 2011، لم تشهد البلاد حالات ركود على جميع المستويات، كالتي تعيشها اليوم.

ركود اقتصادي يهدد بنسبة نمو قد لا تتجاوز 0.5% هذا العام، كما توقع ذلك البنك المركزي التونسي، وأكدته توقعات وكالة التصنيف الدولي، فيتش رايتينغ، والتي تتنبأ بأسوأ معدل نمو تبلغه تونس في السنوات الأخيرة.

والسبب واضح، وهو الإرهاب الذي ضرب بعمق، وفي عز موسم الصيف، قطاع السياحة الذي يعد شريان الحياة في تونس.

وبعيدا عن الأزمة الاقتصادية، وتداعياتها التي مست جميع جوانب الحياة في تونس، تعيش البلاد حالة جمود أخرى، أكثر وقعا وأكبر أثراً على نفسية المواطن. فما ميز الثورة التونسية، منذ اندلاعها، حيوية المجتمع الذي احتضنها في البداية، وحماها، ودافع عنها طوال السنوات الأربع الماضية، وما يلاحظه الزائر، اليوم، هو ذبول وهج الثورة، بعد أن انكفأ المواطن التونسي على مشكلات حياته اليومية.

وفي ظل هذا الجمود على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ظهرت مؤشرات تهدد بما يمكن أن يكون تمهيداً لثورة مضادة، حملت ملامحها قوانين قد تفسح المجال لعودة نهج الدولة البوليسية، وأخرى تسعى إلى تبييض رجال العهد القديم، تمهيدا لعودتهم إلى الساحة.

القانون الأول، قانون الإرهاب الذي تم التصويت عليه، في ظرف زمني قياسي، تحت تأثير الضربات الإرهابية التي هزت البلاد أخيراً، وهو ما اعتبرته منظمة هيومن رايتس وتش “خطوة إلى الوراء”، لأن مقتضيات القانون الجديد تتعارض، في بعض بنودها، مع المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون.

ولأول مرة منذ قيام الثورة التونسية، يمرر قانون في البرلمان بأغلبية ساحقة، وبدون معارضة أي نائب، وهذا مؤشر سيىء بالنسبة إلى الديمقراطية، مع العلم بأن القانون نفسه كان مطروحا على المجلس التأسيسي السابق، وأثار النقاش حوله جدالات سياسية وحقوقية كبيرة، عطلت المصادقة عليه، فأين اختفت كل الأصوات التي كانت تعارض بعض بنوده، عندما كانت ترى فيها تضييقا على الحريات؟ وحتى المجتمع المدني التونسي الذي كان يخرج، ليحتل الساحة أمام البرلمان، للمطالبة بإسقاط القوانين والحكومات، لم يعد يسمع لأصحابه أي صوت! أول ضحايا هذا القانون، في حال دخوله حيز التنفيذ، ستكون حرية التعبير، وهي المكتسب الوحيد الذي تحقق للتونسيين منذ قيام ثورتهم.

“ظهرت مؤشرات تهدد بما يمكن أن يكون تمهيداً لثورة مضادة، حملت ملامحها قوانين قد تفسح المجال لعودة نهج الدولة البوليسية، وأخرى تسعى إلى تبييض رجال العهد القديم، تمهيدا لعودتهم إلى الساحة”

القانون الثاني الذي لا يقل خطوة عن قانون الإرهاب ما زال مجرد مشروع قانون، تقدم به رئيس الجمهورية (قانون المصالحة الوطنية)، بهدف إيجاد أجواء الثقة التي تساعد على تجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، لكن معارضيه يرون فيه محاولة لتبييض رجال أعمال وموظفين في الدولة، متورطين في الفساد في العهد السابق. وعلى الرغم من الجدل الذي يثيره هذا المشروع، والمعارضة التي تواجهه، إلا أنه لا يوجد ما سيحول دون المصادقة عليه، لأن حزبي الأغلبية الكبيرين (نداء تونس) الحاكم و(حركة النهضة) الإسلامية، يساندانه.

خطورة هذا القانون، في حالة تمريره، أنه يتجاوز قانونا آخر، سبق أن صادق عليه المجلس التأسيسي السابق، وهو “المصالحة والعدالة الانتقالية” الذي شُكلت هيئة دستورية، هي “هيئة الحقيقة والكرامة”، لمتابعته، لكنه ما زال يتعثر. لذلك يرى معارضو قانون المصالحة أنه محاولة لتبرئة رموز النظام السابق، الذي قامت الثورة ضده، خصوصاً رجال الأعمال.

وبالإضافة إلى هذين القانونين، هناك مؤشرات غير مرئية، لكن الجميع يشعر بتأثيرها السلبي على مسار التحول الديمقراطي الذي تعبره تونس.

أولى هذه المؤشرات هو أداء الإعلام الذي ما زال يتحكم فيه رجال الأعمال أنفسهم في عهد الرئيس الهارب، فقد أفاد استطلاع للرأي، أنجزته مؤسسة إمرود للإحصاء، بأن 42% من التونسيين متخوفون من تراجع حرية التعبير في البلاد، جرّاء عودة مقالات “تشيد” بالرئيس، الباجي قائد السبسي، بطريقة تذكّر التونسيين بأداء الإعلام في عهد الرئيس الهارب، زين العابدين بن علي.

المؤشر الثاني، وهو ذو دلالة كبيرة، يتمثل في انكماش المجتمع المدني، فالمعروف أن المجتمع المدني التونسي هو أنشط المجتمعات المدنية في المنطقة العربية، وسجل حضورا قويا منذ اندلاع الثورة، وطوال السنوات الأربع، وتمكّن من إسقاط بنود كثيرة من الدستور التونسي، عندما كان مشروع قانون، وأجبر وزراء على الاستقالة، وأسقط حكومة الترويكا، واليوم لا يكاد يسمع له أي صوت، على الرغم من خطورة قانوني الإرهاب والمصالحة!

تنبئ كل هذه المؤشرات التي تحاول أن تشخص الوضع التونسي بأن الثورة في البلاد التي انطلقت منها شرارتها ليست بخير، مما يجعل المؤمنين بانتصارها يضعون أيديهم على قلوبهم، خوفا على مصيرها.

علي انوزلا