الرئيسية الأولى

الأحد,20 ديسمبر, 2015
الثورة… صراع الذاكرة ضد النسيان

الشاهد_إنه شعور خاصً حينما ذهبت الخميس، 17 ديسمبر 2015، وهو يوم عيد مليء بالمعاني، لأولى جلسات الاستماع الفردية في هيئة الحقيقة والكرامة. حيث، يوجد اليوم بالفعل في البلاد، وبفضل فرض العدالة الانتقالية، هيكل رسمي تم انشاءه في الدستور، مكلف باستقبال شهادات التونسيين الذي كانوا ضحايا الاستبداد والانتهاكات من الدولة أو ممثليها. لقد سيطرت الحقيقة الرسمية على البلاد منذ الاستقلال، وهي حقيقة مصنوعة من كل الأكاذيب وهي تتلائم مع السلطة غير إنها في الواقع هي في مواجهة الحقيقة الأخرى، الحقيقة الشعبية، التي لم يمكن لها أن يُعبّر عنها سابقا رسميا ولا يُعترف بها، إنها حقيقة ضحايا الاستبداد والخروقات وانتهاكات حقوق المواطنين، مهما كان المستوى، إنها حقيقة أولئك الذين لم يجدوا في الدولة الحامي على عكس ما قيل…

 

طيلة ساعات الإفادة التي قلت فيها ما استحضرته ذاكرتي حول الماضي، وحاولت خلالها استعادة مسيرتي ومعوّقاتها التي اعترضتي، وفهم ما حصل، استذكرت مقولة لميلان كاندورا “ان صراع الانسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان”. وأدركت أن في هذا المكتب حيث كنا أربعة، في هذه الهيئة التي تتعرض للهجومات دائما لأنها تقود مسار العدالة الانتقالية الذي يخشاه البعض، أننا نحن نعيش لحظة من لحظات هذه الثورة، في هذا الحراك الضخم للتونسيين الذي لا يقُاوم، وذلك لاستعادة كرامتهم، وكذلك تاريخهم.

 

الثورة ليست درسا مستمرا، ولا منتظما، فهي لا تتمثل دائما بنفس الطريقة، وليست في مكان واحد، ففيها التقدم والتراجع، والنصر والهزيمة، وكذلك كما قد تحمل لحظات مجد، قد تحمل لحظات تثبيط للهمّة… ولكن، ولأنها معركة ضد السلطة، هي دائما في مجهود متواصل لاحياء الذاكرة. وفي هذه المعركة، نحن اليوم لدينا الفرصة عبر وجود هيئة الحقيقة والكرامة، التي تمثل إحدى لبنات هذه الذاكرة، وهي التي تحرص من أجل أن تقاوم هجومات أولئك الذين يريدوننا أن ننسى، ومن أجل أن تنتصر الذاكرة على نحو متزايد في كل مكان على حساب النسيان.

 

جلبار نقّاش