الرئيسية الأولى

الجمعة,12 أغسطس, 2016
الثورة التونسية و ريو دجنيرو

الشاهد _ حين فازت قرغيزستان بميداليته البرونزية |أطنب الإعلام في الإحتفاء بها ، وأشاد بها رئيس البعثة بالإنجاز وحين سئل عن سبب الإحتفاء المبالغ فيه بالميدالية وهي برونزية يتيمة ، قال لهم ليس المهم في كمية البروز القليلة التي تحتوي عليها الميدالية بل في إسم البلاد الذي سيذكر في المحافل الدولية والعلم الذي سيرفرف وعدد الأسطر والكلمات التي ستكتبها الصحافة الرياضية وغيرها عن بلادنا ، العالم يتحدث عن قرغيزستان وكل ما تنشر وسائل الإعلام جدول الميداليات سيكون إسم قرغيزستان صاحبة الميدالية الوحيدة هناك إلى جانب الولايات المتحدة والصين أصحاب التقاليد الكبيرة والميداليات الكثيرة .


دفعوا الملايين في التحضيرات وفي إعداد الرياضيين لتظاهرة ريو دجنيرو ، وحصدوا ميدالية برونزية ابتهجوا بها لأنها حركت إسم الدولة المغمورة ووضعتها في الجداول إلى جانب الكبار ، اشترت قرغيزستان بعض المجد بأموال طائلة صُرفت على رياضييها ، وفرحوا بذلك وتغنوا به ، يرفعون بأموالهم أسهم بلادهم ويدفعون بسخاء من أجل أن تذكر في المحافل الدولية .. تلك أسمها وطنية ..

لنقوم بمقارنة بسيطة ونعود إلى أجواء الثورة التونسية وكيف استقبلها العالم ، كنا حيثما تصفحنا أو فتحنا أو استمعنا إلى وسيلة إعلام إلا وسمعنا إسم بلادنا ، لا يذكر في سياق سلبي ولا حتى في سياق محايد وإنتما في سياقات إيجابية فاخرة تبعث على الفخر ، اشترت قرغيزستان ومضة مجد بأموال طائلة وقدمنا نحن شهداء لجلب حالة من المجد والثناء لم تسبق أن عرفتها تونس عبر تاريخها الحديث والقديم ، ذُكرنا في الإعلام الدولي والمحافل الدولية والمؤسسات الدولية وتناقلت أخبارنا المجتمعات الدولية ، ذكرنا في القصور السيادية الدويلة وفي التظاهرات الرياضية الدولية وفي المهرجانات الدولية .. أصبحت تونس علامة بارزة ، تعرّف العالم إلى سيدي بوزيد الفقيرة أكثر مما تعرف إلى مدن غنية في أوروبا وآسيا وأمريكا ، عرفت وسائل الإعلام العالمية محمد البوعزيزي أكثر مما عرفت رئيس قرغيزستان ، ورفرفت رايتنا الوطنية عبر العالم كما لم ترفرف من قبل .

اشترت الشعوب بعض المجد بالأموال الطائلة ، وصنع الشعب التونسي مجده بالدماء الطائلة ، ثم برزت فئة من بني جلدتنا دفعت الأموال الطائلة من أجل طمس هذا المجد ، تدفع قرغيزستان أموالها في سبيل برونزية يتيمة ، ويدفع الخونة أموالهم في سبيل طمس ثورة سبعطاتش أربعطاش ، تدفع الدول لتقول نحن أصحاب مجد ، ويدفع السفهاء في بلادنا ليؤكدوا للعالم أننا لسنا أصحاب مجد ! يستميتون في نفي صفة النقاء عن ثورتنا ، يقاتلون من أجل أن لا تُحسب في رصيد تونس ، بعض هؤلاء الخونة عاشوا يتغنون بالانقلابات العسكرية يسمونها ثورة مجيدة ، وبنوا ثروتهم الفكرية والثقافية والسياسية على دبابة وعقيد ورائحة البارود والخراطيش الفارغة حين أفرغت عبوتها في صدور الوطنيين ، اختزلوا مفهوم الثورة القوي اللذيذ في إنقلابات رأس مالها زنزانة ومشنقة ! حتى إذا أهدى لهم الشعب ثورة إستثنائية نقية شعبية لا دخل للعسكر ولا للأحزاب ولا للرواد بها ، طعنوا فيها وأكدوا أن الفقراء الذين أطلقوها واحتضنوها وتوجوها ليسوا إلا عملاء للجهات الأجنبية ، ثم عادوا يتمسحون على الإنقلابات ، تركوا ثورة ودستورا وأحزابا وانتخابات ومؤسسات وخسارة وربح ونجاح وفشل ..تركوا سجال بطعم التأسيس ، بطعم المخاض ..وذهبوا يحتفلون بحفتر إذْ استرجع بناية وحقل وعربة مصفحة من الثوار، يحتفلون بجزار الشام ..يحتفلون بالبرميل التسعون بعد الألف الثانية.

نصرالدين السويلمي