أهم المقالات في الشاهد - كتّاب

الأحد,21 فبراير, 2016
الثقافة الفرنسية بصفتها مقبرة

Editor529-150x150

 

 

 

 

نورالدين العلوي

يخوض قومي في السياسة كل يوم وكل ساعة ويفترسهم حديث المقاهي العامرة حول موضوع واحد بمداخل مختلفة ونهاية يتيمة. ما نوع حذاء الرئيس وهل يعقد ربطة عنقه بيده أم يستعين. فاذا توسع النقاش عبر عن الإحساس بالفقر والاشمئزاز من البلد والرغبة في الهروب إلى لا مكان. لكني أرى بؤسا أشد إيلاما من البؤس المادي.

قومي لا يملكون مشروع نهضة ثقافي عبقري يحرر الإرادات ويبني النماذج ويعيد تشكيل صورة العالم في أذهانهم وأعزو ذلك إلى أسباب كثيرة ولكني أضع في مقدم الأسباب تشبُّع الذين تعلموا من قومي برؤية للعالم أجنبية عنهم وغريبة ومستبدة. هي الرؤية الفرنسية. أو المشروع الثقافي الفرنسي. وقد اصطبغوا بها حتى صارت جوهر كل فعل ومحرض كل خيال.وماهي الا ثقافة من ضمن ثقافات أخصب وأغنى فضلا على انها ثقافة تتراجع وتفقد سلطتها على نفسها وتعيش من تاريخها. لكن اثرها الحنظل يدرس في مدراس قومي وقومي أمامها لا يحكمون مدرستهم. حتى صاروا لفرط إخلاصهم لها أو خوفهم منها نسخا كربونية غير قابلة للقراءة.

 

الثقافة الفرنسية ثقافة كاملة

يستند الفرنسي إلى ثقافة ثورة عظيمة. غيرت العالم وفرضت نمطا من الفكر والفن والخيال. لم ينعزل الفرنسي عن ثقافات العالم بل أخذ منها واستعار وذوب وهضم في مخبره الفرنسي بما جعل ثقافته أقوى تأثيرا من ثقافات غربية مجايلة له فهو مصدر ابتكار وإلهام له بصمته الجليَّة في كل فعل ثقافي من المطبخ إلى الملبس إلى السينما والمسرح والموسيقى والعطور. والأدب المكتوب والفن المغنى.

أن تتشبع بالثقافة الفرنسية فذلك يعني أنك من ارستقراطية العالم. لقد حوَّل الفرنسي ثقافته إلى هوية كونية. لكن الفرنسي رغم هذه الثقافة الكونية بل ربما بسببها تحول إلى قوة قهر للثقافات الأخرى. فهو يمحقها حيث ما حل ويزرع ثقافته مكانها. ومع الزمن يشكل أذهان المستعمرات الثقافية فيصير الكلام بلغته سببا للمكانة الاجتماعية الراقية وحتى طريقته في نطق الحروف تصير الطريقة المقياس. الذي يميز به درجة الانسجام معه أو البعد عنه. مع الزمن تحولت عظمة الثقافة الفرنسية المستندة إلى روح الثورة الفرنسية من ثقافة ثورة إلى ثقافة هيمنة ومحق للأخر. لقد صار الفرنسي يصنع نسخا مماثلة له حيث ما حل.إنه يربي لديه ولدى أتباعه المحليين إحساس بتملك الحكمة الكاملة. إن الثقافة الفرنسية تجعل المنتمي إليها ربَّا صغيرا.ومن لم يكن مثله لم يكن ولن يكون.

 

تونس مستعمرة ثقافية فرنسية

 

منذ دخل الفرنسي تونس بل ربما من رحلة أحمد باي إلى فرساي وانبهاره بعظمتها دخلت تونس تحت التأثير المباشر للثقافة الفرنسية ومكَّن الاحتلال العسكري الذي جاء بمدرسته ومكتبته من فرض مدرسة موازية للمدرسة التونسية التقليدية ذات الدرس الديني الوحيد. ثم ككل المستعمرين مكَّن لخرِّيجي مدرسته على حساب المتعلم التقليدي عبر فرض اللغة الفرنسية كلغة إدارة فوجد المتعلمون أنفسهم يدخلون من باب اللّغة إلى الإدارة والعمل ثم المكانة الاجتماعية والموقع الثقافي. وينتمون دون علمهم إلى نخبة المجتمع الارستقراطي والتدرب على سلوكها ثم التشرب بأخلاقها الفرنسية بما في ذلك الاحساس المفرط بالسيطرة على عقول الناس. أي التحول إلى أرباب.

 

قبل عصر الصورة كان الذهاب إلى فرنسا والدراسة بها مطمح كل الطبقة الارستقراطية. وإن كانت ذات ثقافة دينية والمثال الأبرز هو أن الشيخ المرجع الديني بن عاشور كان في الستينات يعلم أولاد العربان نواقض الوضوء في كلية الشريعة وأصول الدين بينما أرسل أولاده لتعلم القانون الفرنسي وهم يؤبدون الآن حالة الانتماء للثقافة الفرنسية .

 

يتصرف هؤلاء الأرباب الثقافيون بطرق متشابهة (يمارسون مسرح المكانة الاجتماعية كما يصفه ارفينققوفمان). فهذه الطقوس التي حرضها التصوير(عصر الصورة ضاعف هذا السلوك التفاخري). هي الإثبات الفعلي على الانتماء للثقافة الفرنسية.

 

 * لا بد أن يحجوا الى باريس ويتعلموا طرقها وأماكنها المشهورة

 * لابد أن يحسنوا الحديث عن المطبخ الفرنسي وعن النبيذ الفرنسي وعن الأجبان الفرنسية 

 * لا بد أن يكونوا على إلمام كبير بالسينما الفرنسية وخاصة ببرامجها التلفزية ونجومها.

 * هم دوما من قراء جريدة لمونود الفرنسية وهيمانتي (بالنسبة للحساسية اليسارية) وقد كانوا زمن الدكتاتورية ينتبهون لوجود    دكتاتورية إذا منعت هذه الصحف من الدخول.

 * لا بد من معرفة كاملة بآخر صيحات الموضة الباريسية والتعطر بعطورها.

 

طبعا هذه ليست الا قشرة الثقافة الفرنسية ففرنسا لا تزال تنتج الأدب الذي يجازى بنوبل على سبيل الذكر فقط. لكن فرنسا تعرف كيف تصطنع المغرمين بقشرتها الثقافية دون اللب الحقيقي.وعباد القشرة (أنصاف الأرباب) يمكن التحكم فيهم بسهولة فهم طيعون ومستسلمون ومهمتهم الأولى الإبقاءُ على حالة الإلحاق الثقافي لفرنسا الثقافية (والسياسية والاقتصادية بالضرورة) عبر الترويج لمنتجها واصطناع نماذجها وتكريسها كمرجع في الفن وصناعة الذائقة.

 

ولتقريب صورة تبعية النخبة التونسية للنموذج الثقافي الفرنسي للقارئ سأقدم صورة مبسطة:في عالم إصلاح السيارات يعرف الميكانيكي التونسي كل أعطال السيارة الفرنسية فيصلحها بينما يعجز أمام السيارة اليابانية أو يتظاهر بمعرفتها فيفسدها. لا لأنه جاهل بل لأنه دُرِّب على نموذج واحد هو السيارة الفرنسية لقد اصْطُنع ليكون ميكانيكيا للآلية الفرنسية فقط وكذلك يعيش المثقف/ النخبة التونسي إنه مصطنع على صورة واحدة للعالم هي ما سمحت له به الثقافة الفرنسية عنوان فخره وانتمائه للطبقة التي يريد. وليس بعد هذا من استعمار.

تونس في تقديري وبعد حوالي القرنين من العلاقة مع الثقافة الفرنسية تحولت ومكثت مستعمرة فرنسية ملحقة بالهامش منها دون أن تطال الجوهر. لقد زرعت فرنسا حقلا من الحنظل يرعى فيه المثقفون التابعون ويفخرون بالغين البارسية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا بأنفسهم وببلدهم .

 

الانعتاق المستحيل…

هذه الخاتمة محبِطة ولا يمكنني اصطناع نغمة متفائلة إزاء هيمنة الثقافة الفرنسية على العقل التونسي النخبوي وحتى الشعبي. سبب الإحباط هو الوعي بطول المسافة التي يجب قطعها للتحرر من هذا النموذج الطاغي والانفتاح على غيره بما في ذلك الانفتاح على الذاتي الذي هو الأصل. ويزيد المسافة طولا أن هناك طوائف(لوبيات) ثقافية تشتغل مروجا للثقافة الفرنسية وتعيش من ذلك وتستميت دفاعا عن (خبزتها).وهذا الطوائف تسيطر على مواقع القرار الثقافي والتعليمي في تونس أي مجالات صنع العقول وتوجيهها.

الانعتاق الضروري يمر عبر المدرسة أي عبر برنامج تعليمي منفتح على ثقافات مختلفة لكن قبل ذلك يمر عبر اتفاق سياسي حول نقطة محددة ودقيقة هي الإقرار بأن البقاء في هامش الثقافة الفرنسية هو موت ثقافي حتمي. هذا الاتفاق المبدئي العام الذي يبنى على أسس الاستقلال الكامل عن المستعمر القديم وثقافته. يمهد لاتفاق تأسيسي حول السياسة التعليمية في مجال اللّغات والأدب والفن وفي السياسة الثقافية في مجالات الإبداع المختلفة والاتجاه إلى مصادر استيحاء ثقافي متعددة.

 

التحرر من الهيمنة الثقافية يمر عبر التحرر من اللُّغة أولا ثم من الأدب والفن الذي به تصنع الذائقة ويوجه السلوك وينفتح الخيال. واعتقد أنه لا بد من مرور جيل كامل على الأقل ليكون ذلك ممكنا. ولكن التأخر في تنفيذه يشبه التصبّر في علاج مرض مزمن بمرهم جلدي في الأثناء اعتقد أن “الرَّغي” السياسي اليومي في الأحزاب والمواقع والندوات يشكل ملهاة جيدة تصرف لها الأموال الفرنسية الكثيرة لتصرف الاهتمام الواجب عن المعركة الثقافية الضرورية فمادام التونسيون المسيسون منشغلين بنوع حذاء الرئيس فإن معركة التحرر من الثقافة الفرنسية لن تقوم وهذا مريح جدا لفرنسا ولصنائعها المحليين.

لكن لنختم بجملة متفائلة رغم حنظل الواقع الثقافي التونسي نحن نسير في حقل الحنظل الذي زرعته فرنسا ونريد الخروج وقد جعلنا الحنظل مُرًّا في كل رموزنا لكن الحنظل على مرارته ينقذ الغزلان من الموت عطشا.. نحن في مرحلة أكل الحنظل لننجو من العطش الثقافي الذي فرضته علينا الدولة الحامية منذ قرنين. وستنجو الغزلان ولو بعيد حين.

 



رأي واحد على “الثقافة الفرنسية بصفتها مقبرة”

  1. رائع. .بديع الوصف و دقيق التوصيف..
    ملحوظة صغيرة: ليس الأمل حكرا على الإصلاح الفوقي و لعل من أسباب الياس التام أن نربط الإصلاح بإرادة سياسية لانها مرتهنة (مرة+هنة) كما هو معلوم. شمعتان خجولتان تتراءيان فضلا عن ما كتب في خاتمة المقال بخصوص اللغة بما هي قلب الثقافة و ليس غلافها :
    1- شباب الإنترنت و الإنجليزية يمحقون تفاخر الفرنكوفونية محقا. المواقع التي لا يزورها الكبار بشكل خاص – انستاغرام كمثال (فصل المعركة الرقمية فصل اخر و ويكيبيديا من ورقاته المهمة). الانترنت العربي أيضا يتنامى بشكل جميل بفضل عرب الخليج بالذات. الدور الباقي على حراس المعبد هو تنبيه الشباب للكلمات العربية التي يحسن استعمالها بدل تلك التي تسقط منهم احيانا (مجموعة /قروب – شارك/شير إلخ – أما النقاش الجاد حول تراجم المصطلحات في العلوم الإنسانية أكثر من غيرها من قبيل كولونيالية فهو لكم أيها الجامعيون ^^).
    2- جمهور المسلسلات التركية : مثال قد يقزز المثقف و يستفزه لكن الحقيقة هي أن اللغات الشرقية لو تذاكينا في تعاملنا معها خير جسر للعودة من صحراء الاستلاب لغرب ملكنا و لم نملك وسيلته. الكلمات ذات الأصل العربي أو المتشابهة في التركي و الفارسي و الأردو و غيره تشجع على الاستماع للأعمال باللغة الأم مع الترجمة الكتابية التحتية. السينما/ مسلسلات التركية الإيرانية هي طبعا من طراز عالمي من الناحية الفنية لذلك تشد المشاهد كما أنها مرتبطة بدول قوية تاريخيا و حاضرا ما يؤثر على اللاوعي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.