تحاليل سياسية

الأحد,1 نوفمبر, 2015
التوافق كحلّ جذري لإدارة التنافس السياسي في مرحلة التأسيس

الشاهد_بعد إنتخابات 23 أكتوبر 2011 الديمقراطية و النزيهة الأولى في تاريخ تونس عاشت البلاد على وقع حالة إنقسام حادّة في المشهد السياسي سببها أساسا سعي محموم لفرض خارطة إستقطاب ثنائي دخلت بالبلاد برمّتها إلى مرحلة تنافسيّة غابت فيها التصورات و الآراء و البرامج و حضرت بقوّة الإيديولوجيا و الأصل أنّها مرحلة تأسيسيّة ينتظر أن تكون مخرجاتها وضع القواعد الصلبة و الجديدة لمرحلة تنافسيّة تليها.

المرحلة التنافسيّة السابقة لأوانها غيّبت إلى حدّ بعيد منجزات المرحلة التأسيسيّة و فرضت العودة إلى قواعد جديدة للتنافس السياسي فكان الحوار الوطني و منهج التوافق السبيل الوحيد كحلّ جذري لقضيّة عالقة تتعلّق بمستقبل التجربة و البلاد برمّتها فالتنافس حينها قد فرض المرور بسرعة إلى وضع قواعد إمّا أن تكون مفروضة من طرف على الآخرين أو أن تكون ضمن شروط المشاركة الجماعيّة في وضعها و هذا تحديدا أبرز منجز للتوافق و للحوار الوطني الذي وضع قواعد صلبة عمودها الفقري إدارة الإختلاف بالحوار إلى حين الوصول إلى إرساء قواعد اللعبة الديمقراطيّة و تثبيتها بشكل صلب على عدّة مستوايات و من هذا المعطى تحديدا كان مجددا ضحايا الخيار السياسي و المجتمعي في صفّ التصعيد لا فقط لأنّهم ضحايا العمليّة بل و لأنّهم يسعدون جاهدا إلى فرض قواعد التنافس بصفة إنفراديّة خاضعة لخلفيات إيديولوجية و لماصلح حزبيّة و شخصية في بعض الأحيان ضيّقة جدا على حساب المصلحة الوطنية.


مخرجات الحوار الوطني ضمنت إتّفاقا عاما على خطوط عريضة لتنظيم عملية التنافس السياسي في ظرف إتّسم بالتوتر بين مختلف الفرقاء السياسيين لذلك نجحت المرحلة التأسيسيّة تحديدا و كانت تونس الفائز الأبرز لتدخل البلاد في بعد مرحلة جديدة بتوفّر دستور ديمقراطي توافقي كان لزاما الحفاظ على نفس الشروط السابقة المتّفق عليها في إدارتها لعدّة أسباب أهمّها إحترام الدستور نفسه بصفته ضامنا للديمقراطيّة و الحقوق و الحريات التي تقطع جذريا مع منطق المغالبة و الإقصاء و من ثمّة تؤسس لثقافة ديمقراطيّة تحتاج إلى مزيد من الوقت و التمرّس حتّى يشتدّ عود النموذج التونسي.


أبرز إنجاز للحوار الوطني يتمثل أساسا في تجنيب تونس فرض قواعد للتنافس السياسي خاضعة لنوايا و غايات طرف بعينه دون غيره و النجاح الكبير في تحقيق تلازم بين مساري التأسيسي و التوافق الذين كانا و لا يزالان روافد العمليّة الديمقراطيّة و عصبها الحساس لا فقط بمنطق المنجز الحالي بل بما ستقود إليه هذه الخيار من مكاسب بعد سنوات قليلة على مستوايات عدّة لعلّ أهمّها ما رسخ الآن من قطع مع ثقافة الحزب الواحد و الزعيم الواحد.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.