الرئيسية الأولى

الثلاثاء,2 أغسطس, 2016
التوافق على وزارات السيادة ليس أقل أهميّة من أهداف و مهمات حكومة الوحدة الوطنية

الشاهد _ وفقا لما أفرزته صناديق إنتخابات 2014 تشكل الإئتلاف الحكومي السابق الذي مثل السند السياسي و الشعبي لحكومة توافقيّة إمتنعت بعض الأطراف عن المشاركة فيها لأسباب عدّة أبرزها و أهمّها على الإطلاق العائق الإيديولوجي الذي لازال محرّكا رئيسيا محددا لطبيعة السلوك السياسي لبعض التيارات في البلاد و أيّا يكن طبيعة السند السياسي ذاك فإنّ تونس تسير نحو تشكيل حكومة وحدة وطنيّة تخلف حكومة الحبيب الصيد وفقا لمهمّات مضبوطة يتطلّب تنفيذها جملة من الشروط و المقاييس نابعة أساسا من طبيعة الظرف العام سياسيا و إقتصاديا و إجتماعيا و حتى أمنيا و إقليميّا و لكن أيضا وفقا لتوازنات تضمن أوسع قدر ممكن من التوافق للمشاركة في عمليّة الإنتقال الإقتصادي بعد الخطوات المهمّة التي تحقّقت في مسار الإنتقال السياسي.

 

الإثنين 1 أوت 2016 إنطلقت في قصر الرئاسة بقرطاج الجولة الثانية من مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنيّة تونسيّة بإشراف رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي بعد نحو ثلاثة أسابيع على إمضاء “إتفاق قرطاج” الذي حدّد مهام و أولويات الحكومة قيد التشاور بشأن تركيبتها بمشاركة تسعة أحزاب و ثلاث منظمات وطنيّة، و إذا كان يطغى على النقاش العام موضوع المحاصصة الحزبية بالنسبة للمعارضين للمبادرة فإنّ موضوع التوافقات الصلبة بضمان التوازنات يبدو أهمّ شرط لنجاح حكومة الوحدة الوطنيّة.

 

المهمّات و الإصلاحات الكبرى في ظرف خاص وحساس جدا كالذي تمر به تونس حاليّا تتطلّب أرضيّة صلبة لتوفير الدعم و السند و الآليات الكفيلة بإنجاح العمل الحكومي فوثيقة “إتّفاق قرطاج” نصّت على جملة من الأولويات و الأهداف التي تتطلّب تعبئة شعبيّة تشرك التونسيين في الحلول و تجعلهم أكثر قربا من فهم و إدراك حساسيّة الوضع العام لذلك تبدو خيارات المشاركة و التوافق التي تم إنتهاجها لتشمل أكبر قدر ممكن من الفاعلين السياسيين و الإجتماعيين مسألة على غاية من الأهميّة.

 

شرط التعبئة الشعبيّة/السياسيّة للقيام بإصلاحات مهمّة و بالتالي النجاح في تحقيق أهدافها هو أهمّ عنصر يتوجّب حضوره في حكومة الوحدة الوطنيّة بمعنى إستدعاء القيم الإجرائيّة للديمقراطيّة التشاركيّة التي تحترم الأحجام الإنتخابيّة أولا و تجعل من التوافق على مهمّات واضحة نقطة تجميع و إلتقاء لمختلف الفاعلين ثانيا بمعنى إستجماع شروط النجاج السياسيّة/الشعبيّة و ضمّها إلى شروط النجاح التقنيّة المتعلّقة بالكفاءة و النزاهة و القدرة على مصارحة التونسيين و مخاطبتهم فيما يتعلّق بأعضاء الفريق الحكومي.

 

إذا كانت الشروط التقنيّة التي يجب أن تتوفر في أعضاء الفريق الحكومي القادم أيا كانت الأسماء محلّ توافق واسع بين مختلف الفرقاء المساندين لمبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنيّة فإنّ شرط النجاح السياسي/الشعبي بإحترام الأحجام الإنتخابيّة في المشاركة يعتبر في الديمقراطيات العريقة أمرا محسوما و لكنّه غير ذلك في تونس على الرغم من أهميّته فالتوافق إستراتيجيّة تجميع لا تنفي نتائج الإنتخابات و الأحجام السياسيّة و الإنتخابيّة للمشاركين فيه.

التوافق الذي نجحت به تونس في الخروج من عديد الأزمات و تجاوزت به مطبات كثيرة أمام إختبار حقيقي اليوم يتمثل أساسا في إحترام التوازنات الإنتخابيّة و السياسيّة التي تجعل من الجميع شركاء في عمليّة التعبئة الشعبيّة لإصلاحات كبرى و منتظرة و هذا سيكون مشروطا بعدم سيطرة حزب واحد على وزارات السيادة التي وجب توزيعها بين الفاعلين السياسيين الفائزين بالإنتخابات و على رأسهم حركة نداء تونس و حركة النهضة من جهة و بإشراك الفاعلين الإجتماعيين الكبار الذين أمضوا على وثيقة “إتفاق قرطاج” و هم إتحاد الشغل و إتحاد الفلاحين و إتحاد الصناعة و التجارة و الصناعات التقليديّة في إختيار الأسماء المشرفة على الملفين الإجتماعي و الإقتصادي.

 

في الظرف الحالي و بالنظر إلى طبيعة المهمّات المنتظرة من حكومة الوحدة الوطنيّة فإنّ التوافق السياسي الصلب رهين مشاركة تحترم الأحجام الإنتخابيّة خاصّة في وزارات السيادة و لكن هذا ليس وحده كفيلا بالنجاح و إنجاز هذه المهمّات إذ يتطلّب ذلك أيضا هدنة إجتماعيّة مشروطة أساسا بفاعليّة الفاعلين الإجتماعيين فتكون تونس قد قطعت خطوة نحو تعميد المشاركة و التوافق و بإحترام إرادة التونسيين و خياراتهم الإنتخابيّة و خاصة بجعل هواجسهم الإجتماعية و الإقتصاديّة ضمن الأولويات الحكوميّة و بالتالي إشراكهم في الحل و تعبئتهم لإصلاحات كبرى و هذا أساسا ماهو مطلوب من حكومة الوحدة الوطنيّة و هو شرط نجاحها الذي يجب أن تراعيه النخب السياسية.

 

إلى جانب الشروط التقنيّة المتعلّقة بمن سيحملون حقائب وزاريّة فإنّ شرط التعبئة الشعبيّة هو الملفّ الأبرز الذي يجب إدارته بحنكة كبيرة من النخبة التونسية التي جعلت من التوافق عمودا فقريا لتجربة تمثل نموذجا فريدا في المنطقة و هي اليوم أمام حتميّة مشاركة فاعلة تحترم الأحجام الإنتخابيّة في وزارات السيادة على وجه الخصوص إذا أرادت فعليا و عمليا تشريك التونسيين في الحلول و في الإصلاحات و خاصّة في إستجماع شروط إستكمال مساري الإنتقال السياسي و الإقتصادي حتّى الوصول إلى برّ الأمان.

مجول بن علي