الرئيسية الأولى

الثلاثاء,2 فبراير, 2016
التعليم…الصداع المزمن

الشاهد_لم يكن مفاجئا، بالمرة، التصنيف الجديد الذي تحصلت عليه بلادنا، في التقرير السنوي للـمجلة المختصة الــ “تايم هاير ايدوكايشن” والتي جاءت بموجبه خارج التصنيف. وحلّت السعودية في المرتبة الأولى عربيا، فيما دخلت كل من قطر ومصر والأردن والمغرب والإمارات ولبنان وعُمان التصنيف الذي كانت بلادنا خارجه.. الخيبات في هذا المستوى تتوالى منذ سنوات، كما تتالى التقارير الصادرة سواء عن التاميز أو عن “تصنيف شانغهاي” لأفضل 500 جامعة في العالم أو تصنيف موقع “ويبومتريكس” الخاص بجودة التعليم الجامعي في العالم.. ويأتي هذا التصنيف في وقت مهم للغاية بالنسبة لبلادنا، وقت نعيش فيه على وقع عملية إصلاح النظام التربوي، البعض يريده انقاذا لمنظومتنا التربوية من حالة “البؤس” الذي تردت فيه، ويريده البعض الآخر، مناورة جديدة، تفرض استمرار الحال على ما هو عليه بأشكال جديدة، بحيث تستصحب عملية الاصلاح، كل العاهات التي عانت منها المنظومة التربوية. خاصة وأن الذين يقومون بالإشراف على عملية الاصلاح التربوي الجديد، هم أنفسهم الذي أطلق عليهم أحد النواب اسم سراق المعنى وهم الذين حاربوا كل القيم النبيلة والجميلة وعملوا على تخريب المنظومة التربوية خدمة لهوس إيديولوجي حتى انتهى تعليمنا إلى هذا الخراب الذي نعانيه الآن. منذ سنوات، وتونس تتراجع سنة بعد أخرى في ترتيب الجامعات عبر العالم، البعض اعتبر أن هذه التقييمات سياسية حتى وإن تغطت بشعارات أكاديمية.. والبعض الآخر وفي ما يشبه الهروب إلى الأمام اعتبر أن مستوى التعليم في بلادنا جيد، ويستشهد على ذلك بالنجاحات العملية التي يحققها طلبتنا في الجامعات العالمية..

 

والحقيقة أن هذه مبررات واهية هدفها التهرب من مواجهة السؤال الأهم وطرح القضية الحقيقية وهي لماذا تراجع مستوى تعليمنا.. صحيح أن هناك معطيات موضوعية تجعل من تصنيف جامعاتنا يتدنى، مثل الامكانات المالية الهائلة التي تخصصها بعض الدول لجامعاتها وللبحث العلمي، ولكن هذا لا يبرر لوحده ما تعرف بلادنا من انهيار شامل للمنظومة التربوية ولمستوى التعليم. بدليل أن هناك بلدانا، تعيش أوضاعا اقتصادية شبيهة باوضاعنا، ومع ذلك نجدها ضمن الأوائل في الترتيب عربيا على الأقل، ومنها بعض الجامعات المصرية (3) والمغربية(2).. وللتذكير فقط، فقد احتلت بلادنا المراتب الأخيرة في تقييم دولي يتعلق بقياس كفاءة النظم التعليمية للبلدان، والقدرات الاستيعابية للتلاميذ في الميادين العلمية. التقرير صادر في ديسمبر 2013، واعتمد على البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ ( PISA ) وتراوح ترتيب تونس فيه ما بين المراتب الــ 5 الأخيرة على مقياس يحوي على 65 دولة. نفس المؤسسة أجرت في فيفري 2015، اختبارات تقييمية على 3400 تلميذ تونسي في العديد من المجالات، وانتهت إلى أن تلاميذ التاسعة أساسي في بلادنا هم بمستوى تلاميذ الثالثة ابتدائي باليابان.. ومستوى المتخرج بشهادة الأستاذية هو في نفس مستوى التلميذ سنة 3 ثانوي في اليابان. وبغض النظر عن هذه التقارير فإنّ تراجع مستوى تعليمنا نعيشه نحن يوميا، ونلمسه من خلال عملنا أو مستوى أبنائنا، لذلك فإن الانكار ودفن رؤوسنا في التراب، والتحجج بمبررات واهية لن يحلّ المشكل.. وإذا أردنا فعلا أن نكون جادين علينا أن نقرّ بوجود بعض الأسباب الموضوعية لهذا التراجع كالاعتمادات المالية القليلة وما يرصد للتعليم والبحث العلمي في بلادنا مقابل ما يرصد في بلدان أخرى، ولكن هذا لا ينفي وجود أسباب أخرى لعلها أكثر تأثيرا في مستوى تعليمنا من الأسباب المادية. علينا أن نعتبر نشر هذه التقارير والتقييمات عن وضع التعليم عامة في بلادنا، مناسبة تذكرنا بالصداع المزمن الذي نعاني منه وهو تدهور مستوى تعليمنا، وهو ما يدفع بنا إلى الحرص على وضع أنجع المخططات والبرامج لإصلاح هذا التعليم، لا العودة إلى التلاعب بهذا القطاع وحشره في صراعات هووية إيديولوجية لا علاقة لها بمصلحة البلاد ولا بمصلحة التعليم ولا التلميذ. لذلك تعتبر أول خطوة في اتجاه الإصلاح، هي إخراج التعليم من دائرة الصراع والتحارب الايديولوجي القائم في بلادنا، فالتعليم خدمة عامة تقدمها الدولة لأبناء شعبها وترتقي بها بين الدول، ويجب أن لا يكون مثلما كان قبل الثورة أداة للتوظيف السياسي وتوجيه الرأي العام وتصفية الحسابات..

 

فالمدرسة أو المعهد أو الجامعة، فضاءات للمعرفة، وليس حلبة للصراع بين الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين. وعلى هذا الأساس يجب أن نبدأ عملية الإصلاح، واختيار القائمين على عملية الإصلاح التربوي بعناية فائقة، والاستماع في نفس الوقت لكل الأطراف لا أن تتم هذه العملية في مكاتب مغلقة لا نعلم من يمسك بها ولا من يسيرها، وكأن ما يجري عملية سطو على التربية لا إصلاح لها. وبالإضافة إلى تحييد مجال التربية والتعليم، لا بد أيضا من تقييم حقيقي للتجربة السابقة وما انتهت إليه، حتى نقف على النقائص وعلى المتسببين فيها.. علينا أن ننتبه إلى السياسات التي اعتمدت على الارتقاء شبه الآلي في الكثير من المستويات وتحت شعار دمقرطة التعليم، مما جعل منظومتنا التربوية تركز على الكم وتغيب الكيف، وباتت جودة تعليمنا تقاس بعدد المتخرجين بغض النظر عن مستوياتهم لا بجودة تكوينهم. إن هذه التقييمات والتقارير، التي تصدر بين الفينة والاخرى، شهادة موضوعية على فشل المنظومة التربوية التي قامت في بلادنا في العهد السابق، وقامت عليها نخب لا زالت إلى اليوم، تتصدر المشهد، وتصنع التربية وتدّعي أنها تساهم في صناعة المعرفة، بينما هي في الحقيقة ليست إلا امتدادا للتصحّر الثقافي والمعرفي والقيمي والتربوي الذي عانت منه بلادنا قبل الثورة. وهذه النخب لا زالت إلى يومنا هذا تتمترس بالجامعة وبمبادئ الحريات الأكاديمية لبث تفاهاتها التي تسميها فكرا، ولتتجنى تحت مسميات خدّاعة، على هوية هذا الشعب وقيمه وتتهكم على معتقداته. وتنسى هذه النخب المنبتة، ان تونس شهدت اولى الجامعات في العالم يوم كانت القيروان والزيتونة منارة للعلم والمعرفة للعالم باسره.

 

 

محمد الحمروني