قضايا وحوادث

الأحد,2 أكتوبر, 2016
التسول في تونس وأشكاله المختلفة … المجتمع الموازي

ظاهرة الكسب أو الربح السريع في تونس لم تعد تقتصر على التجارة الموازية أو التهريب أو السرقة، وهي ممنوعة قانونيا، فحسب بل أصبحت هناك مهنة منافسة منتشرة على الطريق العام وغير خافية عن الجميع وهي “التسول”.

تشير الأرقام إلى وجود أكثر من 39 ألفا متسولا بين نساء ورجال وأطفال، يتواجدون أمام المساجد والمحلات والأسواق والبنوك ومكتب البريد وعلى قارعة الطريق وداخل وسائل النقل العمومي خاصة “الميترو”.

كانت ظاهرة التسول تقتصر على الفئات المسحوقة اجتماعيا، التي لا تملك قوت يومها، وتظهر عليها علامات التعب وصعوبات الحياة ، وهو عدد لا بئس بيه، تجد تجاوبا من المواطنين الذين يتعاطفون معها كل حسب قدرته المالية، وكانت تنحصر في فئة عمرية من المسنين.

الخبراء أرجعوا ذلك الى تدهور الوضع الاقتصادي بعد الثورة وتوسع الطبقة المهمشة بسبب غلاء العيش وعدم قدرة هذه الفئات على مجاراة نسق الحياة، وقد يقبل هذا التفسير على أن لا يكون تبريرا للذين فقدت قيمة العمل عندهم.

الجديد في الأمر هو بروز نوع آخر من المتسولين، وهم الذين يستعملون التسول زورا للكسب السريع رغم قدرتهم الصحية على العمل ورغم يسر حالتهم الاجتماعية ومستواهم المادي.

هم من مختلف الأعمار ومن الجنسين،أحيانا تجد أمّا تستعطف المارة عبر رضيعها!

وأنت تمشي في الطريق تجد متسولا من هنا ينادي ” حويجة ال ربي”، ومتسولة في الجهة المقابلة تطلب هي الأخرى “حويجة ال ربي”، تتقدم لتعطي أحدا منهم ما تيسر وما إن تولي ظهرك لتواصل طريقك حتى تسمع أصوات خلافات بين المتسولين الاثنين” إمشي شوف بلاصة أخرى فكيتلي بلاصتي” وقد تصل حد الضرب أحيانا، وهو ما يعني المنافسة على أشدها.

بجانب شباك التذاكر بمحطة الحبيب ثامر للمترو” المتواجدة بشارع الحبيب ثامر، تجلس إمرأة يبدو أنها في الـ45 من عمرها، ترتدي ملابس بالية وأحيانا تكون حافية أو تضع حذاءها جانبا لاستعطاف المارة, أحيانا تخفي وجهها وأحيانا تكشفه، حسب ما تتطلب طريقة التحيل، ولكن أيهما أنجع هي وحدها تعرف هذا.

تتواجد هذه المرأة يوميا تقريبا بنفس المكان تطلب المتوافدين على المحطة دون كلل أو ملل، تخفي النقود تحت ثوبها، وأحيانا تسمع رنين القطع النقدية يبدو أنه مبلغ مالي لا بأس بيه. بعد أن تظفر بالمبلغ الذي تريد تغادر هذه المرأة المكان “منتصبة القامة تمشي” ، والابتسامة لا تغادر وجهها، وتكون عادة مسرعة نحو السوق.

في الجهة المقابلة لنفس الشارع وأمام مقر الخزينة العامة للبلاد التونسية، يقبع كهل في العقد الرابع من عمره تقريبا يوميا، يتسول عطف الناس، يحاول هذا الكهل إظهار علامات الاعاقة على جسمه، تجده يجلس متكئا على يده ومطلقا ساقه وكأنه لا يستطيع الحركة ويردد” يا ربي عاوني.. يا ربي عاوني” وما إن يتحصل على المبلغ الذين يريد حتى يغادر المكان “منتصب القامة يمشي” كان الناس يتعاطفون بشدة مع المتسولين وتظهر أحيانا علامات التاثر على وجوهم، والآن وبعد إكتشاف حقيقة هؤلاء وبعد بروز الفئة المنافسة من الذين يمتهنون التسول كذبا، أصبحوا يواجهون بالنفور وغالبا ما يعبّر المارة عن امتعاضم من مثل هذه المشاهد التي باتت تفسد جمالية المدينة، المتسولين الذين أصبحوا عبارة عن “مجتمعا موازيا”.

فئة أخرى من المتوسلين تعتمد بيع بعض المواد من قبيل المناديل الورقية والحلوى واليوميات وكتاب حصن الحصين، خاصة بمحطات النقل ووسائل النقل العمومي سيما “المترو” وغالبا ما يلزمون المواطن على شرائها.

السلط الرسمية ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، تقول أنها وضعت برنامج عمل متكامل للحد من تفاقم ظاهرة التسول في تونس انطلاقا من شهر فيفري 2016.

ومنذ ذلك التاريخ، وعدد المتسولين زاد في مختلف الأماكن مما يطرح تساؤلا عن مدى نجاعة هذا البرنامج .