أهم المقالات في الشاهد

الثلاثاء,14 يونيو, 2016
التايمز: “الحركة الإسلامية ماتت!” عاش الديمقراطيون المسلمون

الشاهد_”الحركة الإسلامية ماتت!” كما أعلن سعيد الفرجاني، أحد قادة الجناح التقدمي في حركة النهضة، الحزب الإسلامي الرئيسي في تونس. وكان السيد الفرجاني، وهو متشدد سابق الذي خطط مرة لانقلاب ضد نظام الرئيس زين العابدين بن علي، متفائلا بينما كان يصف الانتقال التاريخي الذي كان حزبه على وشك القيام به.

وقد جمع جناحه مع قيادة الحزب للدفع من خلال مجموعة من القرارات التي لن تعيد تصنيف حركة النهضة فحسب، بل أيضا لتقطع مع تقاليد الإسلام السياسي التي بدأت مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر في أواخر العشرينات من القرن الماضي. ووفقا للسيد الفرجاني، الحركة الإسلامية كانت مفيدة في ظل ديكتاتورية بن علي عندما تعرضت “هويتنا والإحساس بالإستهداف” للتهديد من قبل الدولة الاستبدادية. والآن بعد أن أصبحت حركة النهضة تعمل في مجال مفتوح، السياسات الحزبية القانونية في ظل الدستور الجديد، الذي ساعد على الكتابة، وتتنافس على قيادة وطنية، فإن التسمية الإسلامية تصبح أكثر عبئا من فائدة.

وعند مقابلة المؤسس المشارك للحزب وزعيمه، راشد الغنوشي في منزله، وسألناه عما إذا كان يعتقد أن الحركة الإسلامية قد ماتت، علق قائلا “لن أضع الأمر على هذا النحو”. ولكنه رفض التسمية، قائلا: “نحن لا نرى أي سبب لتمييز أنفسنا عن المسلمين الآخرين.” وبدا أن كل من السيد الغنوشي والسيد الفرجاني يفضل مصطلح “الديمقراطيين المسلمين” – الذي يستمد عمدا قياسا مع الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا الغربية – لوصف، هويته الجديدة في مرحلة ما بعد الإسلاميين.

وعلى وجه الخصوص، التزام السيد الفرجاني الصريح بمبادئ الحرية والمساواة يجعله ربما الشخصية السياسية الأهم في مرحلة ما بعد الإسلاميين قبل كل شيء في العالم العربي السني. ففي الوقت الذي يصف نفسه بأنه محافظ ويمجد “القيم العائلية”، يقول السيد الفرجاني أنه يعتبر الجنس والميول الجنسي والهوية الجنسية – بما في ذلك قضايا المتحولين جنسيا التي تشغل الولايات المتحدة – كمسائل خاصة وشخصية، وليست مسائل متعلقة بالدولة أو السلطات القانونية لتتولى أمرها.

ويلتزم السيد الفرجاني أيضا بحياد الدولة في المسائل الدينية، حيث أنه يضع الحرية الدينية مع حرية الضمير في نفس الكفة، ويعتقد أن اللاأدريين والملحدين يتمتعون بنفس الحقوق المدنية كما الموحدين.

مرة أخرى، في حوارنا، دعا السيد الغنوشي إلى المساواة بين المسلمين من جميع الطوائف، ويمتد إلى حد ما أكثر إلى المسيحيين واليهود، ويشير بصفة قانونية إلى “الحماية الدستورية” للملحدين واللاأدريين.

وخلال مؤتمر النهضة في الشهر الماضي، وافق 1200 مندوب على معظم التغييرات الجذرية في برنامج الحزب التي كان قد دعا لها فصيل الفرجاني وقيادة الغنوشي. وأهم مقياس يسقط التزام الحزب ب “الدعوة” مبشرا بالقيم الإسلامية. وهذا ما يجعل الحزب منظمة سياسية بحتة، دون أي بعثة دينية واضحة – كسر جذري عن تقاليد الإخوان المسلمين التي نبعت عنها حركة النهضة.

وتجدر الإشارة إلى أنه في تونس والعالم العربي، يبقى الليبراليون والعلمانيون ومنتقدي الإسلام متشككين. ففي أكثر من مناسبة هنا في العاصمة، شاهدت فكرة موقف النهضة الجديد الذي يدعو إلى إثارة الضحك من جانب المعارضين السياسيين البارزين. هؤلاء الذين يدعمون الحوار والتعاون والشراكة وحتى التحالف مع حزب النهضة، ولكن هذا الإعلان “ما بعد الإسلامية” وجدوه مستحيلا ليأخذ على محمل الجد.

صحيح أن العديد من قادة الحركة لم يتفقوا مع فكرة الانتقال إلى ما بعد رؤية جماعة الإخوان المسلمين. فبعد ثورة 2011، التي ساعدت على وصول النهضة إلى السلطة، يبدو أن الحزب مصمم على التمسك بالسلطة بأي ثمن – حتى لحظة حاسمة في عام 2013 عندما أطيح بحكومة جماعة الإخوان بقيادة الرئيس محمد مرسي في مصر من قبل الانتفاضة المدعومة من الجيش. وبعد رؤية سقوط نظيرتها المصرية، سارعت حركة النهضة لحماية نفسها بالتنحي والموافقة على سلسلة من التنازلات.

تلك التجربة، جنبا إلى جنب مع واقعية جديدة حول افتقار معظم التونسيين إلى التعاطف مع حكومة إسلامية بصراحة، أدت إلى هذا المشروع من تغيير اسمها. وليس هناك شك في أن هذا كله جزء من خطة النهضة على المدى الطويل للعودة إلى السلطة.

ولكن صدق تحولها لا يكاد يكون ذات صلة. النهضة لم تعد حركة سرية أو جمعية سرية. هي حزب سياسي علني التي تتنافس على السلطة في النظام الدستوري والديمقراطي الوليد في تونس.

وكان هذا دائما كيف كان من المحتمل أن تتطور الحركة الإسلامية في الممارسة. لن يكون هناك أبدا عيد الغطاس (عيد الظهور الإلهي عند المسيحيين) الذي تحولت فيه المدرسة القديمة للإسلاميين السلطويين على الفور في لحظة من البصيرة العليا إلى المحافظين الاجتماعيين الديمقراطيين. إنه بالضرورة انتقال فوضي وسياقي، أساسا بدافع البحث عن السلطة في العالم العربي، حيث أن معظم الناس مسلمين أتقياء ولكن يظل مشبوها من أنصار الإسلام السياسي.

ما ينبغي على نقاد النهضة وأنصارها على حد سواء فهمه هو أن نوايا قيادتها لا تهم – في الديمقراطية، بل هو كلام العامة والأفعال، وليست الأفكار سرية، التي تعتمد. وحتى لو كان الاسم الجديد باسم “الديمقراطيين المسلمين” هو خدعة، فإنه سيتعين على الحزب المتابعة من خلال الوصول إلى السلطة في مجتمع تونسي الذي لن يقبل الطراز القديم الإسلاموي. إن الديمقراطيين المسلمين سيكونون ماذا يتعين على النهضة أن تصبح.

إن مستقبل الحركة الإسلامية في البلدان الإسلامية في كل مكان يرتبط ارتباطاً عميقا بالتقدم المحرز في نظرة النهضة الجديدة. وبالتالي فإن مصيرها مرتبط ببقاء تونس الجديدة.

جزئيا ضد الميول الخاصة بها، أصبحت النهضة أول حزب سياسي في مرحلة ما بعد الإسلاميين في العالم العربي. وأما المخاطر، للمنطقة وللعالم، في التجربة الديمقراطية الهشة في تونس قد زادت فقط بدرجة هائلة.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد