كتّاب

الأربعاء,5 أكتوبر, 2016
“الباجي” و “النهضة” …الصراع و الوحدة ..أو الاستقطاب “النافع”

خيار “التسوية” أو “التوافق” أو “الشراكة في الحكم” الذي اختاره الحزبان الأكبران  بقرار واضح من شيخيهما على قاعدة  نتائج انتخابات 2014 يبدو اليوم بعد سنتين خيارا  متجها الى استنفاذ صلاحياته   بعد أن دخل على هذا “الترتيب الثنائي” لمشهد الحكم  تحوير جوهري مع تشكل حكومة “الوحدة الوطنية” منذ قرابة الشهر  و بعد مجمل الهزات و اعادة ترتيب الاوراق داخل نداء تونس  و في سياق تنوع  خرج الى العلن بين  وجهات النظر داخل حركة النهضة  بما يوحي أيضا بديناميات و تموقعات جديدة للحركة و خطوطها  .

هذا  الحراك  الجوهري في المشهد الحاكم  يتساوق مع  تحديات رهيبة تواجه “حكومة الشاهد” التي تزمع  الانطلاق في مجمل “المعارك” التي وعدت بخوضها في مواجهة الفساد  من ناحية و تدشين “عصر الاجراءات الموجعة ” من ناحية أخرى في ظل احتقان اجتماعي مفزع و هشاشة واضحة  لهيبة الدولة و اختلال عميق في الأرقام الاقتصادية و  الموازنات المالية للبلاد  في الوقت الذي يبدو فيه المشهد الدولي و الاقليمي مفتوحا على تحولات دراماتيكية رهيبة .

أجواء الاستقطاب الايديولوجي  و التوتر بين أطياف  الطبقة السياسية و ضعف المعارضة و تشتتها  مع تنامي  هاجس التموقع  و الوراثة  و الانتخابات القادمة  و الركون الى اللوبيات  المالية  و الاعلامية  و الى منطق المناورات و المزايدات  من أجل “المساومات” و  “التسويات” مع مراكز النفوذ و السلطة  أدى الى ترهل  المشهد التعددي و فقدان  “السياسة” لسُمعتها لدى المواطنين مما أدى الى اختلال التوازن بين الحكم و المعارضة و غلبة الصراعات الجانبية و المعارك المغلوطة بما يضع البلاد في وضع من الفراغ و غياب قوة الاقتراح و انسداد  أفق بلورة مشروع وطني جامع  و معبئ  سواء لدى الحكم أو لدى المعارضة . و هو ما يجعل الصراع محصورا في تقديرنا بين الباجي قايد السبسي و الدائرين في سياقه قربا و بعدا  من ناحية  و حركة النهضة و فضاءها من ناحية أخرى في حين تبقى الأطراف السياسية الأخرى  مجرد  لاعبين  موضوعين على الذمة في هذا الصراع  و الاستقطاب المتجدد .

“الباجي” يُخطط  للمستقبل ؟؟؟

رغم وضعية الغموض البادية لعموم المواطنين على ملامح المشهد السياسي و مستقبله فان  صراعا خفيا يشقه حاليا و يلعب فيه رئيس الدولة دورا رئيسيا  من أجل فرض رؤيته في ترتيب جديد يتم فيه خلط الأوراق و اعادة توزيعها بما يجعله و الفريق الموالي له مُحددا أساسيا في صياغة الوضع  الحالي و القادم .

الصراعات داخل نداء تونس و تقلب التحالفات داخله و اعادة توزع  القوى و الاحزاب القريبة و البعيدة عنه تبدو محكومة برغبة رئيس الجمهورية لتحوير النظام السياسي نحو استعادة مركزة النفوذ في قرطاج  و ضمان هيمنة خياراته في الانتخابات المقبلة التي تضغط بشكل ظاهر و خفي على محاولته في المسك بكل خيوط اللعبة السياسية و تحجيم شريكه الاكبر الثاني أي حركة النهضة و الاشتغال على آلية الاستقطاب معها و  تقليم أظافرها  عبر  الدعوة الى ما يُسمى بالجبهة “الديمقراطية” و “التقدمية” و تأليف قلوب الأطياف التي ساهمت في صعود نجمه في الانتخابات الماضية .

في السياق نفسه تتنزل محاولة الباجي قايد السبسي و فريقه  مواصلة اضعاف حلفائه أو منافسيه من رموز أو  مكونات ما يُسمى  بالمنظومة القديمة من  أحزاب و مجموعات “دستورية” أو “تجمعية” و منعها من الذهاب الى غريمه النهضاوي  في نفس الوقت الذي اتجه فيه الباجي  الى  تفتيت جبهة اليسار القريب أو البعيد عنه  عبر آلية  التقريب و الابعاد  و الاشتغال على تناقضات هذا اليسار و صراع الزعامات داخله .

من ناحية أخرى و دون التقليل من قيمة الرئيس السابق الدكتور المنصف المرزوقي يبدو حرص الباجي و فريقه على حصر الصراع معه و مركزة الاستقطاب معه شكلا من أشكال المناورة  في “اختيار المنافس” القادر عبر التركيز عليه من تحشيد الدعم حول الباجي أو حول من ستتفق عليه  قوى المنظومة المتصدعة   و “قطع الطريق” على كل محاولة لصناعة “اسم آخر ” يزعم وراثة “الاصل التجاري” لرمزية الدولة البورقيبونوفمبرية  أو يصعد بدعم و تخطيط  من “الجراب” النهضاوي .

الباجي قايد السبسي الذي فرض اختياره لرئيس الحكومة الحالي  يستثمر الوقت بشكل سريع  في احتلال كل مواقع الدولة و السلطة الجهوية و المحلية  و استقطاب أغلب اللوبيات المالية  و  احتكار كل مكونات المشهد الاعلامي لصالح خياراته و مخططاته و بالرغم من الحرج الذي يسببه له حاليا الانقسام  داخل نداء تونس و اتخاذ هذا الانقسام  لطابع الصراع حول مكانة ابنه داخله فان ما عُرف على الرجل من قدرة على المناورة و اعادة ترتيب الاوراق بعد لخبطتها  تجعله قادر ا على  الخروج مرة أخرى منتصرا  عبر توظيف الانقسام  لصالح  خطته التي يعدها على مهل .اضافة الى توجه أصبخ واضخا من أجل استثمار “الدولة” لما نسميه  باعادة انتشار “حزبي”  و سياسي في الجهات و المحليات للقوى المساندة للخطة الباجية في استغلال كل الاستقطابات الممكنة المُغيدة لمزاج “التصويت المفيد” و “الالتجاء ” لخيارات الإنقاذ بمنطق التخويف من الفوضى و “الغول الأصولي”  بعد “رأب الصدوع” و توزيع “المكاسب” و التوظيف الجيد للملفات و النفوذ و “العلاقات الدولية” .

النهضة …استقرار في طعم القلق

تبدو  “النهضة” الحزب الأكبر الثاني في البلاد في وضع لا تُحسد عليه وسط مشهد سياسي  عاصف تُحاصره  امكانيات التغير المفاجئ في كل لحظة . خيار “التوافق” الذي دافع عليه رئيس الحركة  و ظل متمسكا به باستمرار حقق دون شك مكاسب لا يمكن انكارها  لصالح الحزب و الاستقرار النسبي الذي شهدته البلاد  . “التوافق” الذي أعطى للنهضة طابع الحزب المنخرط في البناء و الاقتراح منحها امكانيات مهمة في تحقيق اختراق مهم في علاقاتها الدولية و الاقليمية  دعمته بمخرجات مؤتمرها الأخير الذي ذهب بعيدا في المراجعات و تخفيض الطابع “الديني” للحركة بالاتجاه أكثر نحو اكتساب الصفة “المدنية” و “الديمقراطية” . و رغم ما بدا في عملية و تفاصيل  اقالة الحبيب الصيد و تشكيل حكومة الوحدة الوطنية  بتوجيه واضح من الباجي قايد السبسي من تخفيض لأهمية “الشريك” النهضاوي  فان الحركة خرجت مع ذلك بمكاسب معقولة في الحكومة الجديدة .

غير أن هذا الجانب الوردي في “مكاسب التوافق” و صوابية خيار “الشيخ الرئيس” الغنوشي  حسب البعض لا يمنع من حالة القلق و “الاحتجاج” العلني أو المكتوم  الذي بدأ “يجتاح” الأجواء النهضاوية  ما يوحي بوجود مبررات امتعاض لا تسمح باعتبار “التوافق” خيرا كله . معركة التعيينات و وضع الاعلام  و  استهداف  “المحمولين” على النهضة في مؤسسات الادارة  بالإضافة الى  استعادة ما يعتبره البعض استفزازا للنعرات الثقافية و اعادة الصراع “الهووي” تجعل الكثير من النهضاويين لا يتحمسون كثيرا في الوقت الحالي الى الاستمرار في “مدح” التوافق .

في سياق متصل تتصاعد خشية عدد كبير من النهضاويين في مواقع متعددة من  تحمل حزبهم لما ستُقدم عليه “حكومة الوحدة الوطنية” من اجراءات لا شعبية  مما  يُفقد الحركة طابعها الاجتماعي  الذي مثل عقودا طويلة معينا لقوتها البشرية بالانتصار للمستضعفين و مطالبهم الاجتماعية و الثقافية كما يبدو تردد الفريق الحاكم منذ انتخابات 2014  في مواجهة موجة الفساد المتصاعدة  و ارتفاع منسوب دور لوبيات المال المشبوه سببا في احساس كثير من النهضويين بالحرج في تحمل مسؤولية هذا الوضع عبر الاستمرار في “توافق لا مشروط” مع “الباجي و فريقه” خصوصا في ظل اقصاء الحركة عن “المسؤوليات” الحكومية  المرتبطة بالقرارات الاستراتيجية الكبرى في البلاد من شؤون اجتماعية و خيارات اقتصادية  و تربوية و ثقافية و كل ما يتعلق بشؤون الاصلاحات الكبرى و محاصرة وزرائها في الحكومة بشخصيات “تتقن” لعبة الاستئصال و المحاصرة  .

هذا القلق “النهضاوي” الداخلي يتقاطع مع مؤشرات استهداف خفي للحركة من “الشريك الندائي اللدود” مما دفع “الغنوشي” مؤخرا الى التعبير عن امتعاضه من محاولة البعض افساد علاقته بالباجي قايد السبسي  كما اعلن في فترة سابقة أن مساندة النهضة لحكومة الشاهد لن تكون صكا دائما على بياض . و لكن ذلك لم يمنع راشد الغنوشي من استمرار تمسكه بالتوافق و يؤكد الملاحظون أن التعيينات الأخيرة في الهياكل التنفيذية و السياسية للحركة  توحي برغبة رئيس الحزب في ضمان استمرار خياراته . و لا شك ان الاستمرار في هذا الخيار تفرضه سياقات دولية و اقليمية و محلية لا تسمح للحركة الإسلامية بهامش كبير للفعل أو “التراجع”  النهائي عن الوفاق و الشراكة في الحكم للعودة الى مواقع المعارضة أو ممارسة الضغط العالي المتناسب مع القوة البشرية و التنظيمية للنهضة .