الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الإثنين,2 مايو, 2016
الاولى من نوعها بين الجاليات العربية ..دراسة حول ابناء الجالية التونسية في المدارس الالمانية

الشاهد – المانيا – في اطار المساعي الرامية الى مساعدة الجالية التونسية بالمانيا والاقتراب من همومها وخاصة الجانب المتعلق باوضاع ابنائها الدراسية ، ولتسليط الضوء على العديد من المصاعب التي تعترض الاولياء والبحث في سبل حلها ، اعد نورالين الخميري الاستاذ السابق بالمعاهد التونسية والصحفي المتخرج من كلية النرويج ، اعد دراسة تعرض من خلالها الى اسباب الفشل الدراسي لدى بعض ابناء الجالية وانواعه ، وطرح حزمة من الحلول الواقعية ، الاستاذ الخميري الذي يشتغل كمساعد بيداغوجي لدى احد المدارس في مدينة بون ولحساب مؤسسة ألمانيّة مهتمة بالشباب والطفولة ، طرح الخميري دراسته التي جاءت ثمرة احتكاكه لسنوات طويلة بابناء الجالية في المدارس الالمانية واقترابه من معاناتهم والوقوف على حالات العزوف لدى العديد منهم واستهتارهم بالتفوق وجنوحهم الى الحلول السهلة ، اختار ان يلقي بتجربته بين يدي الجالية وجمعيات المجتمع المدني والبعثات الديبلوماسية ليتسنى الاستفادة منها ، الخميري اكد للشاهد انه على استعداد لتنشيط اي ندوة تهتم بالامر وتقديم المزيد من التفاصيل حول تجربته ، سوى كان هنا في المانيا او في تونس لحساب المؤسسات المعنية .

الفشل الدّراسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا أسبابه وسبل معالجته

فهرس المحتويات

ـ مقدّمة

ـ مفهوم الفشل الدّراسي

ـ أسباب الفشل الدّراسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا

ـ الحلول الكفيلة لمعالجة الظاهرة

ـ خاتمة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الفشل الدّراسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا أسبابه وسبل معالجته

لقد حاولنا من خلال هذه الدّراسة الميدانيّة البحث عن أسباب الفشل الدّراسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا واستندنا فيها على معطيات واقعيّة وما توفّر لدينا من تجربة في العمل التربوي على مدى سنين ببعض المدارس الألمانيّة
و في اعتقادنا أنها تكتسي أهميّة كبرى نظرا لكونها تبحث في أسباب الظاهرة وما يرتبط بها من آثار سلبيّة تم تقدّم بعض الحلول الكفيلة لمعالجتها

الفشل الدراسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا ، أسبابه وسبل معالجته

1 ـ مقدمة

مع بداية الستينات، والسبعينات مطلع القرن الماضي بدأت تتوافد على ألمانيا يد عاملة تونسيّة غير متعلّمة في الأساس ، كان شغلها الشاغل تحسين وضعها المادي ثمّ العودة النهائيّة إلى أرض الوطن إذا تحقّقت التنميّة الإقتصاديّة الموعودة التي كان يبشّر بها نظام الحكم بعد مرور سنوات على نيل الإستقلال ، غير أنّ شيئا من ذلك لم يحدث ،الأمر الذي دفع الكثير منهم ممن كان يقيم بشكل مؤقت في ألمانيا إلى البدء باستقدام زوجته وأبنائه في إطار ما يسمّى “بلم شمل العائلة” ، فظهر نتيجة لذلك جيل جديد من الأطفال لاهم مثل التونسيين ولا هم مثل الأوروبيين ممّا ولّد عند الكثير منهم حالة اجتثاث ثقافي وأزمة في التربية والهوية والمواطنة ، لعبت المدرسة الألمانيّة فيها دورا مهمّا لتعميق الهوّة في هذا الإتجاه، فخلقت بذلك أوضاعا معقّدة أثّرت بشكل كامل على نفسية الطفل لأنّها تأسّست في الأساس وفق مفاهيم مختلفة ولم تأخذ بعين الإعتبار الهويّة الإسلاميّة والمخزون الحضاري والثقافي التي تجسده الحضارة العربيّة على امتداد آلاف السنين. ومع انعدام أيّ حلول سريعة لهذه الظاهرة المعقّدة التي أفرزتها ظروفا اجتماعيّة وأوضاعا سياسيّة معيّنة بدأ الطفل يشعر بحالة كبيرة من الضغط النفسي باعتباره ليس مثل أبناء البلد الأصلي الذي يدرس معهم حيث يختلف عنهم من حيث اللّغة و الدّين والثقافة و الإسم الذي يحمله ، كما بدأت تتشكل عنده حالة من عدم الإنسجام التام بين ما يتلقاه في المدرسة وما يتلقاه في البيت ، نتج عنها صراع نفسي بات يهدّد كيانه واتزانه النفسي . إنّ هذه الوضعية الصّعبة جعلت الطفل يجد نفسه في مجتمعين متعارضين لا يستطيع أن يحسم أيهما يشكل هويته وشخصيته الحقيقيّة ، وبدأ يحسّ أحيانا أنه لا ينتمي إلى أيّ منهما بشكل كامل ممّا خلق عنده حالة من الإحباط انعكست بالسّلب على مردوده الدراسي و أدّت في عديد من الحالات إلى مغادرته مقاعد الدّراسة في سنّ مبكّرة فأسّس بذلك لنفسه عالمة الخاص في محيطه الذي يعيش فيه ممّا شكّل خطرا على نفسه وعلى المجتمع الألماني . ونظرا لخطورة ما نتج عن ذلك من انحرافات خطيرة ألقت بظلالها على الأسرة التونسيّة بالمهجر فإنّ الواجب الوطني والأخلاقي يدعونا جميعا ونحن نتّجه لبناء دولة مدنيّة عصريّة من أهم مقوّماتها العنصر البشري ،البحث عن معالجات لهذه الظاهرة تساهم فيها كلّ الأطراف كلّ بحسب ما تقتضيه متطلبات الواقع من إمكانيات ماليّة ورعاية اجتماعيّة وتوجيه وإرشاد. وفي هذا الإطار تأتي دراستنا هذه كمحاولة متواضعة لتشخيص هذه الظاهرة و البحث في أسبابها لاستكناه مكامن الخلل وتصّور حلول ملائمة كفيلة لمعالجتها.

2 ـ مفهوم الفشل الدّراسي

اختلف العلماء في تحديد مفهوم معيّن للفشل الدراسي ، فعرّفه بعضهم بالنتيجة السّلبية التي يحصل عليها التلميذ بالمقارنة مع زملائه من نفس العمر ونفس المستوى الدراسي والتي تؤدي إلى التكرار أو الإنقطاع عن الدراسة ، في حين ربطه البعض الآخر تارة بالذكاء ، وتارة بالقدرة على التحصيل العلمي والحفظ و الإدراك ، وقد عرّف لفظا بأنه ضرر مرتبط بنمو شخصية الطفل عند تحقيقه للمتطلبات الدراسية، واصطلاحا على أنّه العجز وعدم القدرة على الفهم والمعرفة وسوء التحصيل. غير أنّ ما ذهب إليه أحمد محمد الزغبي بالقول أنّ ” الفشل الدراسي مشكلة دراسية تظهر على شكل تأخر في مستوى التحصيل عن مستوى المتوسط، بحيث يكون هذا المستوى عند التلميذ أقل من مستوى قدرته التحصيلية الحقيقية ” يعدّ من أهمّ التعاريف وأقربها للصواب ، وعليه يمكن أن يستشفّ بناء على تمّ عرضه بأن الفشل الدراسي ناجم عن تأخر التلميذ في دراسته، وغالبا ما يكون ناتج عن عجز أومرض أو ضعف في الذاكرة، وبالتالي ينجرّ عنه تدني وضعف على المستوى الدّراسي للتلميذ.

3 ـ أسباب الفشل الدراسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا

لقد تبيّن لنا من خلال بحثنا في ظاهرة الفشل المدرسي عند بعض أبناء الجالية التونسيّة بألمانيا أنّ هناك أسبابا وعوامل كثيرة تؤثر بشكل سلبي على المستوى الدراسي للأبناء ، ولعلّ من بين هذه الأسباب نجد : العامل الذاتي ، والعامل اللغوي ، والعامل الأسري ، والعامل التعليمي ، وغير ذلك من العوامل الأخرى التي تلعب بدورها جوانب مهمّة في إعاقة تمدرس بعض أبناء الجاليّة التونسيّة ممّا يتمخض عنها مشاكل نفسيّة واجتماعيّة عديدة ، وهي ما سنحاول التطرق إليها جميعا بشيء من التوضيح والتدقيق

أ ـ العامل الذاتي

تشير العديد من الدراسات والأبحاث العلميّة بأنّ العامل الذاتي للتلميذ هو أحد الأسباب الرئيسيّة التي تعيق قدرته على الإستيعاب ومسايرة الدراسة ممّا يؤدي به إلى الفشل الدّراسي وضحالة مستواه الثقافي وعدم قدرته على التفكير السّليم والتخطيط الصّحيح لحياته. وتؤكد المعطيات الواقعيّة من خلال بحث ميداني أجريناه مع عدد من الأولياء والمدرسين الألمان أهميّة هذا العامل لدى التلميذ من حيث وعيه بذاته وقدراته العلميّة والفكريّة وتركيزه واهتمامه وحبه للمواد الدراسيّة ووضوح الأهداف التي يسعى لتحقيقها ، لذلك جعلنا مقاربتنا في هذا الشأن تتجه إلى تشخيص المشكل ووصفه بالقدر الممكن من الوضوح والدّقة بناء على جملة الخلاصات والإستنتاجات ، بغية التنبيه إلى انعكاساته السلبيّة على التحصيل المدرسي الجيّد للتلميذ وبحثا عن المقترحات والحلول الممكنة لما هو كائن . ويمكن أن نلخّص نتائج هذه الخلاصات في النّقاط التاليّة :

1- ضعف درجة الذكاء عند التلميذ والمرتبطة في الأساس بعدد من العوامل، تؤدي إلى إهماله لدروسه وعدم قدرته على الإستيعاب ومسايرة زملائه في القسم .

2- معاملة الوالدين القاسيّة للتلميذ لها دور سلبي على قدرته على التحصيل العلمي ممّا يترتب عنها قتل الطموح الشخصي فيه .

3 ـ صعوبة بعض المواد الدراسية بالنسبة للتلميذ تتولد عنها من ناحية عدم رغبته في دراستها نتيجة عدم قدرته على الفهم، ومن ناحية أخرى شعور بالإحباط ناتج عن صراع نفسي يضطره للتغيب المستمر عن المدرسة ، فينتج عن ذلك فشله في الدّراسة .

4- إصابة التلميذ ببعض الأمراض المزمنة يؤدي إلى انخفاض مستوى استيعابه وبالتالي إلى تأخره دراسيّا عن زملائه.

5 ـ الإضطرابات المرتبطة بالأساس بالعوامل العضوية قد تنعكس على وظائف العمليات العقلية المعرفية كضعف القدرة على الإنتباه والتركيز والإستيعاب .

أمّا عن كيفية معالجة هذه المظاهر والتغلب عليها فقد تمحورت أفكار المستجوبين حول النقاط التالية :

1 ـ العمل على تنمية ذكاء التلميذ وقدراته من خلال المطالعة المستمرة وتشجيعه على الألعاب التي تعتمد على استخدام العقل والعمل على تنمية التفكير لديه.

2 ـ المحافظة على صحّة الطالب من الأمراض المزمنة عبر التغذية الصحيّة اللآزمة ، وكذلك العرض على الطبيب المختص بصفة دوريّة لاتخاذ الوصفات الصحيّة اللآزمة ،لأن مثل هذه الأمراض تضعف من قدرته على التعامل مع زملائه بالفصل وتفقده الثقة في نفسه ممّا ينعكس على تحصيله الدراسي.

3 ـ حسن معاملة الآباء للأبناء باعتماد لغة الحوار داخل الأسرة بما يخلق نوعا من الإنسجام والتفاهم بين أفرادها ويؤثر بذلك إيجابيّا على الحالة النفسية للأبناء.

4 ـ بث روح الدافع الشخصي للدّراسة من حين لآخر للتلميذ لتحسين مستواه الدراسي وتطوير مهاراته ومكتسباته.

5 ـ متابعة الأبناء في المذاكرة ومساعدتهم على تخطي الصعوبات الناجمة عن عدم فهم بعض المواد الدراسية من شأنه تحفيز الأبناء على التعليم وكسب المعرفة.

6 ـ مساعدة التلميذ على تخليصه ممّا يعانيه من اضطرابات نفسيّة ، وتصحيح علاقته بالمدرسة تمكنه من مقاومة الشعور بالعجز والفشل.

ب- العامل اللغوي

تعتبر اللغة الوسيلة المثلى لنقل الأفكار, وهي أداة التعليم الأساسية , وينظر إليها على أنّها الوعاء الناقل للمادة الدراسيّة وبالتالي فإنّ التخلّف اللّغوي هوّ تخلّف دراسي . ووفقا لهذا التحليل لايمكن اعتبار أسباب نجاح أو فشل التلميذ في المدرسة مرتبط فقط بقدراته العلميّة ، ذلك أنّ القدرات اللغويّة من بين النقاط المهمّة لنجاح التلميذ أو فشله في الدراسة ، وتشير العديد من الدّراسات والأبحاث العلميّة أنّ المعرفة اللغويّة غير المكتملة لها تأثير سلبي على المستقبل المدرسي للتلميذ فتقوده إلى الفشل المدرسي والتهميش الإجتماعي.

وقد تبيّن لنا من خلال بحثنا عن الأسباب الحقيقيّة لهذا الضعف اللّغوي عند التلميذ وجود عوامل عديدة ساهمت بشكل فعّال في هذا الضعف من بينها :

1 ـ حرص العائلة على استعمال اللغة العربية كلغة للبيت ولغة للتعامل الأساسي على مستوى الأسرة دون الموازنة بين اكتساب اللّغة الأجنبيّة والتمكّن بالمقابل من اللّغة العربيّة ، على اعتبار أنّ اللّغة الأم في نظر العائلة تشكّل الهويّة الوطنية والخصوصية الحضارية والثقافية للأمة العربيّة والإسلاميّة.

2 ـ تعلم الطفل لغة غير سليمة من الحي الذي يسكن فيه أو من العائلة بحكم ضعف إجادتها للألمانيّة ، لا يساعد على تعلّم لغة المدرسة ولغة الكتاب ، وهي في كلّ الحالات تشكّل عائقا لإنجاز المهمّات المدرسيّة والتحصيل الجيّد.

3 ـ عدم تشجيع الطفل على المطالعة والحال أنّ ذلك ينمّي من قدراته اللّغويّة ويساعد على إتقانه للقراءة والكتابة.

ت ـ العامل الأسري

نعتقد أنّ من أهمّ المناخات وأكثرها تأثيرا على التحصيل الدراسي لأبناء الجالية التونسيّة هو المناخ الأسري، ذلك أنّ مستوى ثقافة الأسرة وإمكانياتها ومدى قدرتها على مساعدة الطالب في تحصيله الدراسي ، وكذلك توفير المناخ المهيأ للتحصيل العلمي داخل الأسرة ذاتها ، فضلا عن الرّعاية و الإهتمام والتوجيه الإيجابي للأبناء ، كلها عوامل مساعدة على تحقيق التفوق على المستوى الدراسي ، بيد أنّ معطيات الواقع تشير إلى هشاشة الوضعية الإجتماعيّة وضعف مستوى الدخل العائلي للعديد من العائلات التونسيّة ، ممّا حال بحسب بعض الوقائع دون توفير الشروط الضرورية لإنجاح تمدرس أبنائهم ، من ذلك توفير فضاء خاص للدراسة داخل المنزل بكل ما يحتاجه الطفل من أدوات و شروط للراحة لكي يكون عطاءه بالمدرسة في المستوى المطلوب، كما لاحظنا عدم توفر العناية و الوقت اللآزم من قبل الآباء لمتابعة المشوار الدراسي لأبنائهم حيث تنقطع علاقة التلميذ بالدّراسة بمجرد انتهاء الحصة الدّراسية لتستأنف عند ولوجه للفصل الدراسي في الحصة الموالية ، و ذلك راجع إلى عوامل عديدة منها ما هوّ مرتبط بأوقات عمل الولي خارج البيت لكسب العيش ( حصص العمل موزعة أحيانا على ثلاثة أوقات ، صباح ، بعد الظهر، أو بالليل ) ، أو الرّغبة في الكسب المادي السريع ، أوالمساهمة في تحسين الدّخل الأسري ( وجود الأم والأب كامل اليوم بمقر العمل) ، ومنها ما هو مرتبط بضعف إجادة الأهل للغة البلد المضيف ممّا يحول دون فهم المراسلات التي يوجهها المعلّم لهم ، أو تقديم المساعدة لأبنائهم لإنجاز متطلبات المواد الدراسية المختلفة . ويرتبط بذلك أيضا ضعف المقدرة على التواصل مع إدارة المدرسة، في أطار العمل المشترك بين البيت والمدرسة لتحسين أداء التلميذ وممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ هذه العوامل تؤدّي إلى صعوبات جمّة تعترض بداية المسيرة التعليمية لبعض أطفال المهاجرين التونسييّن وتؤثر بشكل كبير جدا على مستوى تحصيلهم وقدرتهم على مجاراة مستوى المدرسة.

ث ـ العامل التعليمي

1 ـ ضعف معرفة الأولياء بالنظام التعليمي الألماني من العوامل المهمّة أيضا في فشل العديد من أبناء الجاليّة التونسيّة في الدّراسة عدم استيعاب العائلات التونسيّة للنظام التعليمي الألماني ، ممّا أعاقها في كثير من الأحيان رغم بعض المجهودات المتواضعة على تحسين الوضع الدّراسي لأبنائها ، كما أنّ رفضها لبعض المبادئ والأفكار التي يتلقاها التلميذ بالمدرسة والتي لا تتعارض في حقيقة الأمر مع مبادئ الإسلام وقيمه ، وتمسكها بمعاييرها المتوارثة والمعيقة أحيانا لتطوّر أبنائها قد خلق لدى الأبناء حالة من الإضطراب الكبيرة ، أثرت بشكل سلبي على مردودهم الدراسي ، وحالت دون تغلبهم على المصاعب اليومية في المجتمع .

2 ـ علاقة المدرّس بالتّلميذ يتعرض المدرّسون أثناء عملية تدريس أبناء المهاجرين التونسيين إلى كثير من المشاكل والعراقيل نتيجة لضعف معرفتهم بثقافة أبناء المغتربين وحاجياتهم الخاصة، و هو ما ينتج عنه فهم خاطئ للسّلوكات التي تصدر أحيانا عن بعض التلاميذ ، كما أنهم لا يملكون الآليات اللآزمة لمد جسور التواصل مع عائلات هؤلاء التلاميذ لتتبع مشوار أبنائهم الدراسي وتذليل الصعوبات لديهم ، فيلتجأ بعض المدرسين إلى اعتماد الصرامة أحيانا ممّا يؤدي إلى كراهية التلميذ لهم ونفوره من حصصهم ، الأمر الذي يؤثر بشكل سلبي على نتائج العملية الدراسية .

3 ـ علاقة الأسرة بالمدرّس تبدو أنّ مسألة التواصل بين الأسرة والمدرسة هي الحلقة الأضعف في مسار العمليّة التعليميّة ، ذلك أنّ نتائج الإستشارة التي قمنا بها خلال هذا البحث أثبتت أنّ نسبة عالية من الأسر التونسيّة لا تتواصل مع هيئة التدريس لمعرفة مستوى الطفل ونقاط الضعف والقوة لديه إلاّ نادرا ، ولا تهتم بما يحدث لأبنائها في المدارس ولا تشارك في الإجتماعات الطوعية أو اجتماع الآباء في المدارس لمتابعة سير أبنائهم المدرسي ، فهم يضعون آمالا خياليّة على عاتق المدرسة باعتبارها المربي دون أي جهد ومشاركة ، ويعتقدون أنه لا حاجة للعائلة بالتدخل طالما أنّ المدرّس والمدرسة قائمان على أمور أبنائهم بيد أنّ العمليّة التعليميّة بكلّ أبعادها في حقيقة الأمر متفاعلة العناصر ،وتنقسم أدوارها أطرافا عدّة ، وعليه فإنّ الربط بين الأسرة والمدرسة أمر ضروري ،إذ أنّ التواصل بينهما يساعد على توفير الفرص للحوار حول المسائل التي تخصّ مستقبل الطفل ، ويسهم في حلّ المشاكل التي يعاني منها سواء على مستوى الدراسة أو البيت وإيجاد الحلول الكفيلة لها.

ج ـ الوضع السّكني للمهاجرين

كثيرا ما تلجأ العديد من العائلات التونسيّة المهاجرة نتيجة لمحدوديّة دخلها ، أولعدم الرغبة في الإندماج في المجتمع الألماني، أو لكثرة عدد الأطفال ، أو لتوفير جزء من الدخل لإرساله إلى مسقط الرأس لشراء العقارات، أو لمساعدة عائلة بأرض الوطن ، إلى البحث عن مساكن في أحياء قديمة أومناطق معزولة قد هجرها الألمان لسبب من الأسباب ، وتحت هذه الظروف تتضاءل الفرص أمام الأطفال للتعرف على أصدقائهم الألمان وتنشأ عندهم عقدا غالبا ما تكون لها انعكاسات سلبية على تشكيل هويتهم ، وبالتالي على مسار حياتهم مما يؤدي إلى عرقلة اندماجهم داخل المجتمع وشعورهم بالفشل في أساليب التوافق والتكيف مع مكونات البيئة التي يعيشون فيها ، قد تترجم في أحيان كثيرة إلى عزوف عن الدراسة أو رسوب، أو هروب من المدرسة لينتهي الأمر في جلّ الحالات إلى انقطاع تام عن الدّراسة ، وقد يأخذ أحيانا شكل عصيان لأوامر الأسرة ، ويصل التمرّد مداه عندما يوجه نحو النفس أو نحو المجتمع بكامله، في صورة تعاطٍ للمخدرات، أو عنف ضد الآخرين، أو انضمام لعصابات إجرامية. وقد أكّدت العديد من الدراسات العلمية بأن المشاكل الإجتماعية القائمة في مثل هذه البيئات لها تأثير سيئ للغاية على تطور الأطفال ومستوى دراستهم . وأن الأحياء أو المناطق التي تعيش فيها نسبة ضعيفة من المهاجرين يسهل عليهم قبول معايير المجتمع الجديد والإندماج فيه بشكل أفضل.

كما أكدت هذه الدراسات أنّ الإجراءات الإجتماعية التي تقوم بها الدولة الألمانيّة في مثل هذه الأحياء ، والتي تهدف إلى إدماج الشباب في المجتمع ، لا تحقّق في الغالب النجاح المنشود ، لأنّ العوامل التي سبق ذكرها تؤثر على الفرد وعلى هويته بطرق شتى.

ح ـ الطلاق والتفكك الأسري

إذا كان الطلاق هو العلاج الناجح لزواج معتل, فقد بدأ ينظر إليه بعد العديد من النتائج السلبيّة على أنه عامل مثير للضغط عند الأطفال ، ولعلّ أهم الآثار التي تنعكس على أبناء المطلقين تتمثل بالتخلف أو الإنقطاع المبكر عن الدراسة ناهيك على المضاعفات النفسية و تفكك الشخصية. وتشير كثير من الدراسات والأبحاث إلى أنّ سوء التوافق الأسري الناجم كذلك عن اضطراب العلاقة بين الزوجين لسبب من الأسباب كارتباط أحد الأبوين ( الأب أو الأم ) من أصول تونسيّة بأجنبيّ(ة) ، حيث يختلف عنه(ها ) في الوطن ، والهويّة الدينيّة ، والفكريّة ، والثقافيّة ، والبيئيّة ، يولّد حالة من الخلافات والشجار المستمر بينهما يؤثر على رعايتهما لأبنائهما وعلى استقرار الأسرة ، وبالتالي ينتج عند الطفل الشعور بعدم الأمن والأمان ، ممّا يجعل جوّ المنزل غير مناسب للدراسة والتحصيل العلمي ، فيلتجأ التلميذ في الأخير لإهمال دروسه كنوع من العقاب للوالدين ، وكذلك التمرد على الواقع الأليم الذي يعيشه في ظل مثل هذه الخلافات.

4 ـ الحلول الكفيلة لمعالجة الظاهرة

لقد بيّنت الوقائع والأبحاث التي قمنا بها حول هذا الموضوع أنّ هناك مشاكل حقيقيّة تتعلّق بالنظام التعليمي بألمانيا في علاقة مباشرة بأبناء الجاليّة رغم بعض الخطوات الجبارة التي تقوم بها الحكومة الألمانيّة على مستوى الإصلاحات ، بيد أنّ هذه الإصلاحات رغم أهميتها لم تعالج القضايا الحقيقية لأبناء الجالية لأنها وضعت وفق مفاهيم مختلفة اعتمدت فيها برامج التعليم على قضايا من بينها الهويّة الألمانيّة ولم تأخذ في الإعتبار بأنّ أبناء الجاليّة ينتمون إلى ثقافات وحضارات أخرى ، الأمر الذي أحدث حالة من الإرتباك والخوف على مستوى شخصيّة التلميذ ، هذا بالإضافة إلى العوامل التي تعرضنا إليها خلال هذا البحث، والتي لها أيضا تأثيرات مهمّة على المردود العلمي للتلميذ ، ممّا يحول دون حصوله على نتائج إيجابيّة بالمدرسة ويؤدي أحيانا إلى فشله المدرسي . وفي محاولة منّا للبحث عن حلول قد تساعد على تجاوز هذا الفشل نرى أنّه يجب التركيز على جوانب ثلاث:

أ ـ الجانب الأوّل : دور المدرسة

تعدّ المدرسة إحدى الركائز الأساسيّة لبناء الفرد وتكوين شخصيته الفكريّة والعلميّة والأخلاقيّة ، ويعهد إليها دور التنشئة الإجتماعية وفق منهاج وبرنامج محدّد ، وهي بشكل عام مؤسسة ذات طابع عمومي أو خاص، تخضع لضوابط معينة ، تهدف من خلالها إلى تنظيم فاعلية العنصر البشري ليتمكن عبرها من تحقيق أهدافه في الحياة. و تبرز أهميتها في ما تقدمه للأطفال من معارف وعلوم وما تساهم به من أدوار من أجل إحداث التطور الإيجابي في سلوكهم وبناء شخصيتهم من خلال اعتماد أساليب التربية والتعليم ، ولهذا فإنّ كل خطأ ينتج عن طاقمها المدرسي أثناء عملية التدريس من شأنه أن يحدث أضرارا بالغة الأهميّة وذات تأثير سلبي على الجانب النفسي والأخلاقي والمعرفي للطفل. وإذا كان الإنحراف السلوكي ، والإضطراب النفسي عند الطفل مردّه إلى انفعال عاطفئ أو اضطراب في المزاج أو ناتج عن ظروف بيئيّة أو اجتماعيّة، فهو ينظر إليه بدرجة أكبر على أنّه مرتبط بنوع المعاملة التي يتلقاها داخل المدرسة. وتشير العديد من الدراسات الميدانيّة إلى أنّ الفشل الدراسي الذي يلحق الطفل أثناء مسيرته العلميّة مرتبط هوّ الآخر بقصور يعانيه ، سواء كان هذا القصور نفسيّ، أوعضويّ ، أو اجتماعيّ ، أو نتيجة لعدم التوافق المطلوب مع العملية التعليمية ، ممّا يؤدي به إلى اختيار آليات دفاعية للتخلص من هذه الصعوبات وقد تتجلى إمّا في الهروب من المدرسة ، أوإبداء ردود فعل مضادة ضدّ المجتمع نتيجة هيمنة الإحساس بالنقص والقصور عن باقي الزملاء في الفصل.

وأمام هذه المخاطر المحدّقة بأبنائنا خلال العمليّة التعليميّة ، يحتّم على المعنيين بالشأن المدرسي استنفار كل قوى البحث العلمي للكشف عن الأسباب الحقيقية لهذا الإخفاق ومن ثم معالجته ويمكن أن يتم ذلك عبر مرحلتين:

1 ـ المرحلة الأولى تقتصر على التشخيص الدقيق لمعرفة عوامل الفشل الدراسي عند التلميذ هل هوّ مرتبط بصعوبة المواد ، أو بعدم رغبته في التدريس أم بفشل أسرته في القيام بدورها النفسي والتربوي ، أو مدرّسيه ، أم له علاقة بصحته ، وذلك ليتم التعامل مع تلك العوامل وتذليلها. ويلعب الإكتشاف المبكر وتحديد أسباب الفشل الدراسي دوراً مهماً في القضاء عليه وتخليص التلميذ منه ، لذلك فإن إجراء اختبارات تشخيصية بين الفينة والأخرى لتحديد مواضع القصور لدى التلاميذ ، وتحليلها للإستفادة من نتائجها ، من شأنها أن تساعد على تحسين تعلّم التلميذ، وعلى حسن تقبّله للعلاج ، ويمكن أن يساهم في هذا الدور كلّ من المعلّم ، أو أيّ طبيب نفساني ، أو مساعد بيداغوجي ، عبر تحديد مواطن تأخر التلميذ الدراسي لوضع الخطة العلاجية المناسبة، ومتابعة التحسّن الذي قد يطرأ على مستواه العلمي .

2 ـ المرحلة الثانية بعد أن يتمّ معرفة أسباب الفشل ومظاهره يقع التركيز على وضع الحلول المناسبة للتلميذ والمتمثلة في جملة من الخدمات تقوم عليها المدرسة بالإستعانة بالعائلة أساسا عندما يقتضي الأمر ذلك ومن بينها :

ـ دفع العائلة على معالجة الأعراض الصحيّة للتلميذ عبر عرضه على الفحص الطبّي وتوفير العناية الطبية الكافية له وخاصة فيما يتعلق ببرنامج التطعيم، والكشف الدوري عن السّمع والبصر وسائر الحواس الأخرى.

– المتابعة و الإطلاع المستمر على نتائج التلميذ وتوفير جميع الخدمات التي من شأنها أن تحسّن تقبله للدرس .

ـ تحفيزه بمختلف الوسائل المتوفرة لإثارة قابليته للتعلّم وتجاوز مرحلة تأخره الدراسي.

ـ تشجيعه ورفع معنوياته وبث الأمل والتفاؤل في نفسه.

ـ التواصل مع الأسرة لإطلاعها على كيفية التعامل مع حالة الطفل لمساعدته على إدراك أبعاد مشكلته وأسبابها ليسهل عليه التغلب عليها .

ـ تنمية ثقته بنفسه وإثارة دافعيته للتعلم ، وتشجيعه على تخطي الصعوبات التي تواجهه.

ـ العمل على توطيد العلاقة بينه وبين المعلم وبينه وبين أصدقائه بالفصل .

ـ إقامة دروس تقوية للتلميذ في بعض المواد إذا دعت الضرورة لذلك.

ـ توظيف الوسائل العلمية الحديثة لمساعدته في التعليم.

ـ تعيين مختص في التوجيه والإرشاد مع توفير الإمكانيات الآزمة للتلميذ لمساعدته على حلّ مشكلاته للوصول به إلى مستوى تحصيلي أفضل.

ب ـ الجانب الثاني : دور الأسرة

تعتبر الأسرة النواة الأولى للطفل ، ففيها ينشأ ويترعرع ، وفيها تتمّ أولى خطوات عمليّة التنشئة الإجتماعية ، وتكتسب أهميتها في كونها تقع على كاهلها عملية التربية والتكوين بالإضافة إلى كونها الجسر الذي يعبر الفرد من خلاله إلى مجالات الحياة ، فهي من تزوده بأنماط السلوك المختلفة في طفولته المبكّرة وقد لا نبالغ إذا قلنا أنّ الأسرة هي الإطار المرجعي لقيم الطفل وعاداته وتقاليده.

غير أنّ هذا الدّور وإن تراجع وبات أحيانا هامشيّا نتيجة التطوّرات التي طرأت على المشهد العالمي والمحلي بفعل العولمة وما صاحبها من انفتاح معرفي وثقافي عابر للحدود ، فإنّ عليها أن تعي بواجباتها الأساسية فتقوم بدورها ، لأنّ عليها واجب المسؤوليّة الأولى والأساسيّة في تحقيق متطلبات الأبناء ، ولن يتم ذلك من دون أن يكون لها دور هام في تربيّة الأبناء ، والأخذ بأيديهم ، وتقديم وسائل الرّعاية اللآزمة لتنمية قدراتهم العلميّة والفكريّة .

ومن هذا المنطلق من الطبيعي أن تقوم الأسرة بدور مهم لمساعدة المدرسة في محاولاتها الرامية لتخليص الطفل من تأخره الدراسي ويكون ذلك بـ :

ـ توفير المناخ الأسري المناسب القائم على الحب والإحترام والحدّ من الخلافات.

ـ الإطلاع على الواجبات اليومية للتلميذ والذي يعتبر صلة الوصل بين المدرسة والبيت.

ـ توطيد العلاقة بين الأسرة والمدرسة والتواصل معها من خلال الإتصال المباشر لمعرفة مدى التقدم الذي يحرزه التلميذ.

ـ متابعة جميع الملاحظات التي يكتبها المعلم حول أداء التلميذ و الواجبات المطلوبة منه.

ـ تشجيع التلميذ على وضع جدول للمذاكرة ينظم به وقته وعدم الخلط بين اللّعب والمذاكرة.

ـ تشجيعه على المطالعة لأن ّ ذلك من شأنه أن يساعده على الفهم.

ت ـ الجانب الثالث : دور المجتمع المدني

إذا كنّا ننظر إلى ظاهرة الفشل المدرسي على أنّها معضلة تربوية كبرى لها انعكاسات سلبية على الأسرة التونسيّة وآثارا وخيمة على المجتمع الألماني كتفشّي الجريمة والإنحراف، فإنّ معالجتها تتطلب حلولا ملموسة وعميقة واعتماد مقاربات علميّة جديدة لمواجهتها ، من خلال رصد جميع الحالات ، والبحث في أسبابها بشكل يساعد التلميذ على التشبّث بقيم المواطنة والهوية والإنفتاح على قيم العصر والديمقراطية ، ويحقّق شروط النجاح المدرسي المطلوبة. وممّا لا شكّ فيه أنّ مؤسسات المجتمع المدني رغم طابعها التطوّعي لها دور كبير و مهم يمكن أن تضطلع به في سبيل مساعدة الأسر التونسيّة على تحويل فشل أبنائها الدراسي إلى نجاحات فعليّة ، و قد يتمّ ذلك عبر تنظيم لقاءات تحسيسية لفائدة الأسر للتلاقي والحوار ووضع تصورات علمية ملائمة لمعالجة إشكالية التعثر المدرسي ، كما أنّ لها عبء المسؤولية على تشجيع التلميذ على الإيمان بمؤهلاته الفردية، وحثه على البذل والعطاء لإحراز التقدم والتفوق العلمي من خلال بعض النشريات أو الحملات التحسيسيّة، أو من خلال وضع منشورات ومطويات للتعريف بظاهرة الفشل المدرسي وخطورته وأثره السلبي على التلميذ والمجتمع ، وفي المقابل توضيح أهمية التعليم وأثره الإيجابي في حياة التلميذ .

ث ـ الجانب الرابع : دور الدولة

كنّا قد أشرنا إلى أنّ للأسرة دور مهمّ في تنمية الطفل وبناء شخصيته وبلورة التربية الصحيحة له لتحقيق تفوقه الدراسي واندماجه الإيجابي داخل المجتمع ، على اعتبار أنها تشكل منهجا متكاملا لتنمية قدراته ومواهبه وتقويم سلوكه الفردي وبعث الطمأنينة في نفسه بما يسمح له بالمحافظة على شخصيته وتحصينه اجتماعيا وثقافيا وتمتين صلته بهويته العربية والإسلامية ،غير أنّ وجود مشاكل وإكراهات مرتبطة بالبرامج والمناهج الدراسيّة المعتمدة في المدارس الألمانيّة تحول في كثير من الأحيان دون تحقيق هذه الأهداف، ما يجعل من أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به الدولة على مستوى تأطير وإرشاد الطفل ومساعدته على تحقيق تفوقه العلمي وحمايته من كل مظاهر الإنحراف والإنقطاع المبكر عن الدراسة أمرا في غاية الأهميّة، إذ لا تخلو تربية الأبناء في بلاد المهجر مثل ألمانيا من تعقيدات ومشاكل على اعتبار الصعوبات التي تكتنف الموازنة بين متطلبات الإندماج من جهة والمحافظة على الخصوصيات الثقافية والدينية والإجتماعية للفرد من جهة أخرى ، فطبيعة التضارب بين ثقافة البلد الأصلي ومثيلتها في ألمانيا يمكن أن يكون مصدر صراع نفسي قد تشتدّ تجلياته في نفسيّة وسلوك الطفل بالشكل الذي قد يؤدي إلى حدوث انعكاسات سلبيّة على مردوده الدراسي.

وإذا كان الجيل الأول والثاني للهجرة قد استطاع المحافظة على بعض القيم والمبادئ الدينية والثقافية ، فإن الأمر أضحى أكثر صعوبة بالنسبة للأجيال االجديدة ؛ وبخاصة الأطفال منهم نتيجة التحولات العميقة التي تشهدها ألمانيا في جميع المناشط البشريّة ، والتي تزداد تعقيدا أمام التسويق الإعلامي لنماذج سلوكية جديدة في مجتمع يجعل من العلمانية أحد ثوابته، ناهيك عن بعض المشاكل الأخرى التي قد يواجهها الطفل في حالة حدوث طلاق بين والديه ، والتي يترتب عنها اضطرابات نفسيّة وتدني على مستوى التحصيل الدراسي وخاصة في حالة الزواج المختلط .

وفي ضوء تعاظم هذه المشاكل وما يرافقها من أزمات نفسيّة وإخفاقات على مستوى الدراسة للطفل بما يؤول إلى الإنقطاع المبكر عن الدراسة وما يصحبها من مشاعر عدائيّة وانفصام في الشخصيّة وسلوكات سلبيّة على المجتمع ، نرى أنّ الدّولة التونسيّة يجب عليها القيام بجملة من الإجراءات باعتماد رؤية استراتيجية تربوية وتعليمية شاملة لمعالجة هذه المظاهر و ذلك من خلال :

ـ تعميم تعليم اللغة العربية بالنسبة للطفل من حيث دورها الفاعل في تشكيل فكره باعتبارها حاملة للقيم والسلوك والثقافة والمبادئ التربويّة والدينيّة بصورة تسمح بالمحافظة على هوية الطفل ، وهي مهمة وإن كان للأسرة دور أساسي في ترسيخها لدى الطفل؛ فيمكن للدولة أن تدعمها من خلال برامج متنوعة ومنفتحة على مختلف الحضارات والثقافات مع احتفاظها بخصوصيتها في كونها تنهل أسسها من التاريخ العربي والإسلامي ، غير أنّه تطرح كثير من العقبات والصعوبات في هذا الشأن ناجمة عن ضعف الدعم المادي والمعنوي المخصص لتعليم اللغة العربية و الفهم القاصر لوظيفتها وأهميتها .

ـ تحفيز أبناء الجالية بألمانيا على المثابرة والإجتهاد في الدراسة من خلال التواصل المباشر وإعداد النشريات وتكريم المتفوقين بجوائز ذات قيمة .

ـ إحداث برامج إعلامية تربوية وثقافية وتعليمية على مستوى القناة الوطنيّة وتكون موجهة برامجها خصيصا للأطفال في بلاد المهجر.

ـ إحداث برامج إعلامية تواكب قضايا الطفل في علاقته بالمدرسة والمجتمع والأسرة.

ـ دعم إنتاج أفلام “كرتونية” تستمد مقوّماتها من الثقافة والقيم الإسلامية وتعرّف بالثقافة التونسيّة بالإضافة إلى إحداث مجلاّت تربوية موجهة لهذه الفئة من الأطفال.

ـ تتبع أوضاع الأسر التونسيّة بألمانيا وبلورة الحلول اللآزمة لتجاوز مختلف الإختلالات والمشاكل المطروحة؛ وذلك من خلال دور الملحق الإجتماعي والمرشدة الإجتماعيّة والإنفتاح على النخب الأكاديمية التونسيّة بالمهجر للإستفادة من خبراتها في هذا الشأن .

ـ العمل على خلق مبادرات تهدف إلى توعية وحماية الأجيال الجديدة في ألمانيا وربطها بثقافة وقيم المجتمع التونسي الأصلية وتعزيز أواصرها العائلية من خلال الندوات واللقاءات الثقافية والإجتماعات .

ـ وضع استراتيجية تضمن الحفاظ على عادات وتقاليد وقيم الأسرة التونسيّة وخصوصياتها وهويتها العربيّة والإسلاميّة بدرجة أولى الطفل وفي نفس الوقت تساير مجريات العصر .

5 ـ خاتمة

لقد احتلت ظاهرة الفشل الدّراسي مكانا بارزا في سلّم أولويات الدّراسات المتعلّقة بمناهج التعليم في العديد من بلدان العالم ، كما شغلت حيزا واسعا من عقول المفكرين والمنشغلين بمجال التربية والتعليم ، وهذا الإهتمام لم يأتي من فراغ ، وإنما جاء نتيجة لما تمثله هذه الظاهرة من خطورة تهدّد سلامة الأجيال القادمة وتعيق عن الوصول إلى ركب الحضارة والتقدم. و المتأمل في أوضاع أبنائنا بألمانيا يدرك جيّدا ما يعانيه البعض من مشاكل اجتماعيّة وثقافيّة وتربويّة ، وهي في مجملها انعكاس لحالة الهجرة بأسبابها المختلفة ، وما ترتّب عنها من انعكاسات سلبيّة على مردودهم الدراسي، و هو أحد إفرازات هذه المشكلة , على الرغم من أنهم يعيشون في ظل نظم تربوية متطورة وتتمتع بكفاءة عالية ، لذلك كان حريّا بنا أمام هذا الوضع ، وما ينتج عنه من مخاطر تهدّد سلامة الفرد والمجتمع أن نساهم في تشخيص واقعي لهذه المشاكل ، وأن نقدّم بقدر المستطاع سبل العلاج لإعادة تأهيل أبنائنا الفاشلين في الدراسة وإدماجهم في الأوساط المجتمعية ليصبحوا مواطنين صالحين ، يحظون بالإحترام والتقدير رغم تعقيدات الأوضاع وصعوبة هذا الواقع الذي تتشكل فيه شخصيّة الطفل التونسي وقناعاته ورغباته الفرديّة بصفة مغايرة لمشروعنا العربي والإسلامي. إنها صيحة فزع ليدرك الجميع أنّ الكشف المبكر عن أسباب هذا الفشل المدرسي ، من شأنه أن يسهّل إجراءات علاجه ، كما أنّ معرفة أسبابه تسهّل عمليّة تذليله وتخليص التلميذ منه ، حتى يتمكن من اللّحاق بركب زملائه، وبالتالي يمكن تجنيبه المخاطر التي يمكن أن تلحق ببناء شخصيته وبمستقبله. فهل آن الأوان لتدرك الدّولة التونسيّة بواجباتها للإسهام إلى جانب كلّ الأطراف الأخرى في مساعدة الطفل التونسي بألمانيا على حلّ مشاكله، ورفع مستوى كفاءته العلميّة ، والفكريّة لخلق جيل واع بواجباته ، ومسؤولا في تنميّة مجتمعه ؟؟؟؟؟

نورالدين الخميري



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.