مقالات مختارة

الجمعة,20 مايو, 2016
الاتحاد .. وصراع المؤتمرات المحليّة والجهوية .. ما أشبه اليوم بالبارحة..

في تطور غريب وصادم، يعكس انخرام الموازين لدى بعض القيادات النقابية المركزية والجهوية، أعلنت تسريبات عن قيام كل أعضاء النقابة العامة ومجموعة من أعضاء الهيئة الادارية للتعليم الثانوي، تقديم استقالاتهم..

 

 

الخبر أريد له أن يظل طي الكتمان، وربما أريد استعماله للضغط داخليا، على القيادة النقابية، ولم يرد له أن ينشر، فهل هذا الأمر من باب واجب التحفظ؟ أم لأن الأسباب التي تقف وراء تقديم الاستقالة غير مقنعة بل قد تكون، فضيحة لأصحابها.

 

 

للإجابة على هذه التساؤلات، علينا أن نعرف بداية أسباب الاستقالة، وخلفياتها..

 

 

ومما ورد من تفاصيل في الخبر، تقول إن نقابة الثانوي دعت مؤخرا إلى عقد لقاءين للجهات، الأول كان يوم 23 أفريل الفارط، والثاني يوم 5 ماي الجاري.. دون الإعلان عن فحوى ومضامين الاجتماعين وخاصة الاخير منهما، الذي تمت الدعوة إليه عن عجل.

 

 

أما اللّقاء الأوّل فخصص على ما يبدو، للنظر، في “إلغاء مؤتمر النقابة الأساسية بزغوان لأن الفائزين إسلاميين”.. وأمّا اللّقاء الثاني ووفق ما تسرب من بعض النقابيين، فكان الهدف منه، التشويش على مؤتمر النقابة الجهوية بزغوان ولكن عملية التشويش فشلت، ونجحت الجهة في عقد مؤتمرها، الذي كان الفوز فيه من نصيب للإسلاميين. وقد أقرت المركزية النقابية ممثلة في لجنة النظام والمسؤول عن النظام الداخلي نتائج المؤتمرين، …فقرّر “المجتمعين في لقاء الجهات الثاني (ليوم 5 ماي) رفض التعامل مع النقابة الجهوية الجديدة بزغوان وحرّروا استقالاتهم كتابيا من “مسؤولياتهم النقابية”، وبصفة فردية، في تحدّ صارخ لمقررات لجنة النظام ومؤسسة النظام الداخلي، وفي رفض غير مبرّر لنتائج صناديق الاقتراع.

 

 

يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه حدّة السجالات (البين نقابية) وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي بسبب النتائج المسجلة في عدد من النقابات الأساسية والجهوية وخاصة في قطاعات التعليم.. والسبب الرئيسي لتلك السجالات كان فوز بعض الإسلاميين أو من يساندونهم في بعض النقابات أو الجهات، وهو الأمر الذي تعتبره بعض القوى اليسارية وحتى بعض القوميين، كفر بواح، يجب التصدّي له بكل الأشكال والوسائل حتى لو اقتضى الأمر الانقلاب على نتائج الانتخابات وإرادة الأساتذة.

 

 

وبلغت حدّة السجالات درجة تبادل الاتهامات والتخوين والتنابز بألفاظ خارجة عن سياق المألوف السياسي والنقابي، فالبعض وصف الإسلاميين أو المحسوبين على الإسلاميين من الفائزين في بعض النقابات بــ(الدواعش)، فيما ردّ آخرون عليهم بوصفهم بــ(الزنوس).. وتمّ توظيف هذه الاتهامات لخلق فزّاعات تذكّر بتلك التي أقيمت ضد الإسلاميين في فترة عاشور ..

 

 

ولأن الأمر أخذ على ما يبدو في التصاعد، وجب التنبيه إلى الملاحظات التالية:

 

 

1 – إن الاتحاد ملك لكل التونسيين، وليس حكرا على بعض الأطراف، وهو ليس أداة للتوظيف من قبل الأطراف التي تعتبر الاتحاد أصل تجاري، تحتكره لنفسها، وتمنع الآخرين من حقهم في العمل النقابي وفي المنظمة العتيدة التي أسسها حشاد عليه رحمة الله، وكان للشيخ الفاضل بن عاشور إسهام كبير في تأسيسها.

 

 

2 – المراد من هذه الفزاعات، الضغط على القيادة النقابية، كي تعمل بأساليب غير ديمقراطية ولا نقابية، من أجل إقصاء طيف واسع من التونسيين من حقهم في العمل النقابي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي نفس الوقت، خلق حالة من الاستنفار بحجة تسييس العمل النقابي، واتهام أطراف معينة بالعمل على الهيمنة على اتحاد الشغل.. وفي ذلك استمرار لنفس النهج الذي قام منذ فترة في البلاد، وهو منع هذه الفئة من الحق في العمل النقابي، ومن قبلها في العمل السياسي، وصولا إلى منعها من حقها في الحكم كما وقع زمن الترويكا..

 

 

3 – هذ الرفض لنتائج الانتخابات، وإضافة إلى ما يعنيه من رغبة بعض الأطراف إقصاء طرف معين، والحفاظ على التوازنات النقابية الحالية داخل نقابة الثانوي، بما يعني تواصل هيمنة اليسار وبعض المتحالفين معه، فهي تؤكد انقلاب هؤلاء على آلية الانتخابات، بل وتحولهم إلى هيئة أعلى من لجنة النظام ومؤسسة النظام الداخلي، وهي الجهة الوحيدة المخولة داخل الاتحاد للنظر في شرعية المؤتمرات. ورفض التعامل مع نقابة زغوان دليل على أن نقابة الثانوي ومن لف لفها، لم تعد تعر لمؤسسات الاتحاد وهياكله الشرعية أية قيمة، وهي بذلك تهدد بنيان الاتحاد كله بالانهيار.

 

 

4 – الهدف النهائي من كل ما يجري هو حفاظ هؤلاء (المتمعشين) من العمل النقابي على مواقعهم التي لم يستطيعوا أن يحافظوا عليها عبر الانتخابات وبالطرق الديمقراطية، وهم يعلمون على الحفاظ على تلك المواقع حتى وإن ادى الامر الى الانقلاب على مقررات المؤتمرات الشرعية، وغبط الأساتذة حقهم، وهذه بلطجة نقابية لا يمكن أن تكون مقبولة بأي حال.

 

 

وفي محاولتهم تبرير مواقفهم يعمد هؤلاء إلى جملة من المغالطات، من بينها أن خصومهم هم في الحقيقة دخلاء عن العمل النقابي، وأنهم هم، من كانوا حرّاس المؤسسات النقابية زمن الجمر..

 

 

وما هذه في الحقيقة إلا مغالطات، فعلاقة الإسلاميين بالعمل النقابي تعود إلى الشهيد فرحات حشاد ورفيق دربه الشيخ الفاضل بن عاشور.. وتواصلت في مختلف المراحل، وكان للإسلاميين إسهام كبير ودور فعّال في الكثير من المعارك التي خاضتها المنظمة ضد محاولات تدجينها..

 

 

ولم يتمكن اليسار وبعض القوميين من الهيمنة على اتحاد الشغل إلا عندما اشتغلت آلة القمع ضد الإسلاميين في تسعينات القرن الماضي وخلت الساحة لأشباه المناضلين، الذين لم يكونوا في الحقيقة حراسا للعمل النقابي، بل سهلوا عملية تدجينه، وهيمنة النظام عليه، ناهيك وأنه منذ بداية محنة الإسلاميين في التسعينات وحتى قيام الثورة، لم تشهد البلاد إضرابا عاما واحدا.. وتم فرض المفاوضات الاجتماعية التي تقام كل 3 سنوات وبات الاتحاد المساند الرسمي لبرامج وخيارات النظام، ولترشحات المخلوع في كل المحطات الانتخابية التي عاشتها البلاد.

 

 

وفي سردّ لذلك التاريخ قال المناضل النقابي محمد المومني “ولمّا بدأ الاسلاميون يفوزون ببعض المواقع النّقابيّة في هياكل الاتّحاد هاج الشّيوعيّون وماجوا مطلقين صيحات الفزع عبر مختلف الصّحف والمجلاّت والمداخلات منبّهين الرّأي العام إلى أن “غزو الإسلاميين للنّقابات سيخنق كلّ نفس ديمقراطي في الاتّحاد. وتأثّر الحبيب عاشور في البداية بهذا القصف الإعلامي الرهيب وأوجس منهم خيفة غير أنّه بقي يرقب تصريحاتهم وممارساتهم حتّى بدأ يطمئنّ إليهم بعد إنصاته إلى بعض الأصوات الحكيمة الرّصينة، إلى أن حلّ موعد تجديد الاتّحادات الجهويّة (1983ـ 1984) وفاز الإسلاميون كلّيّا أو جزئيّا في زغوان وباجة وقبلّي وتطاوين وأصبحوا على اتّصال مباشر به وعرف حقيقة أمرهم بنفسه من قريب، اطمأنّ قلبه إليهم خاصّة بعد تأكّده من صدقهم في التّعبير عن ولائهم لعاشور المناضل الشّرعي المقهور أثناء معركة الشّرعيّة النّقابيّة..

 

 

ورغم الضغوط القويّة، ورغم الزّج ببعض المناضلين في السّجن مثل ما حدث لمحمد السعيدي والنّاصر الحكيري وعبد الله التّوجاني… (من باجة) وعبد الرّزاق نصرالله وعلي البيداني (من قابس) ومحمد القلوي (تونس) وضو الزّاهر (قبلي) وطرد البعض تعسّفا من الشّغل مثل ما حدث لصلاح العلوي (بو سالم )، عرف صدقهم لمّا رفضوا التحوير في المسؤوليات حين اجتمع المكتب التنفيذي الموسّع يوم 24 ديسمبر1985 بأمر من بورقيبة لإقصاء الحبيب عاشور من الأمانة العامّة وتعويضه بالصّادق علّوش معتبرين كلّ من استجاب لأمر السلطة خائنا حقّا. وما اشبه اليوم بالبارحة..

 

 

أخيرا فيما يخص تهمة التسييس أنصح أعضاء النقابة العامة ومن لف لفها، بأن ينظروا ويتأملوا أنفسهم جيدا، حتى يعلموا أنهم مسيسون للنخاع، فهل يمكن لأحد أن ينكر أن أحد أعضاء المكتب التنفيذي الحالي لاتحاد الشغل، تبرأ منه حزبه، وأعلن أنه يساند غريما له.. هو الجيلاني الهمامي.. هل يمكن أن ينكر أحد اليوم أن الجيلاني الهمامي الناطق الرسمي لحزب العمّال كان يتنافس على تمثيل حزبه في المركزية النقابية هو وحفيظ حفيظ..، وقس على ذلك، فلماذا لم يتحدث أحد حينها عن التسييس؟

 

 

محمد الحمروني