علوم و تكنولوجيا

الأربعاء,19 أغسطس, 2015
الإندبندنت: هل اقترب حلم زراعة رأس للإنسان من أن يصبح حقيقة؟

الشاهد_بفضل وحش فرانكنشتاين، وروبوكب، والقوات الخاصة سايبورغ في “غوست إن شل”، سيطرت عملية زراعة الأعضاء على خيالنا على مر السنين. وتمثل قصة يد المريض التي جرى لصقها في ساقه في الصين بعد حادث صناعي للحفاظ عليها قبل إعادة زراعتها في مكانها أحدث قصة نجاح لفتت انتباه العالم.

لذلك عندما أعلن جراح الأعصاب الإيطالي سيرجيو كانافيرو عزمه إجراء أول عملية زراعة رأس بشري على الإطلاق قبل ديسمبر 2017، بدا الخيال العلمي أقرب قليلًا إلى حقيقة علمية. تنطوي فكرة كانافيرو على إجراء عملية جراحية لمدة 36 ساعة يتم خلالها وصل رأس المريض بالحبل الشوكي لمتبرع ميت دماغيا مع جسد سليم.

وعلى الرغم من أن العلماء والجراحين عبروا عن شكوكهم من نجاح مثل هذا المشروع الضخم، إلا أن الدكتور كانافيرو يصر على أن التكنولوجيا اللازمة موجودة الآن – فمن خلال توظيف بروتوكول GEMINI، كما يقول، تبلغ نسبة نجاح العملية حوالي 90%.

ولكن إلى أي مدى تصمد ادعاءاته أمام التدقيق العلمي؟ فيما يلي ثلاثة فقط من العديد من القضايا الهامة التي لم يتم تناولها بشكل مقنع.

المبادئ الأساسية للفكرة

أولاً وقبل كل شيء، دعونا ننظر في الكيفية التي سيتم بها إجراء العملية الجراحية. سيتم تبريد رأس المريض والحبل الشوكي الخاص بالمتبرع إلى درجة حرارة أقل من 20 درجة مئوية. وهذا من شأنه إعطاء الفرق الجراحية أقل من ساعة لإزالة الرأس والرقبة في وقت واحد، ونقل رأس المريض إلى جسم المتبرع، وإعادة توصيل الأوعية الدموية والعمود الفقري قبل أن تبدأ خلايا الجهاز العصبي بالتحلل. سيتم ربط العمود الفقري، وسيستخدم مركب خاص معروف باسم غليكول البولي إيثيلين (PEG) في توصيل الشعيرات التي تمر عبر النخاع الشوكي. وبعد إعادة وصل كل الأوعية الدموية، وعضلات الرقبة والنسيج الضام، سوف يتم إدخال المريض في غيبوبة كيميائيا لمدة ثلاثة إلى أربعة أسابيع للسماح بالتئام الجروح والتعافي.

أحد المبادئ الأساسية وراء هذا الإجراء هو أنه يمكن إعادة ربط النخاع الشوكي بعد قطعه، إلا أن إصابات العمود الفقري تقضي على تلك الإمكانية. يقول كانافيرو إن من خلال تشريح العمود الفقري بسكين حادة للغاية، من الممكن إعادة ربط الألياف السليمة بمساعدة الغليكول البولي إيثيلين والتحفيز الكهربائي. وقد شرح كانافيرو هذا المفهوم في أحد لقاءات تيدكس هذا العام، حيث قارن الفكرة بسحق موزة من مركزها بسكين حاد.

يمكن رؤية اللقاء من هنا

تشمل فكرة كانافيرو عيوبًا خطيرة مثل فشل التجارب السابقة على الحيوانات أو لامعقولية فكرة حفظ رأس على قيد الحياة أثناء العملية. ومع ذلك، فإن كانافيرو ليس فقط على قناعة بأنه يمكن إعادة توصيل الرأس، ولكن يمكن أيضًا السيطرة الكاملة على الجسم. لفهم ما إذا كان هناك ما يبرر نقض كلامه، ينبغي أن ننظر في منطق علم الأعصاب الكامن وراء حججه.

الندوب الدبقية: غاندالف يتنقل بين الجسور

تنبت الخلايا العصبية في المخ ذيولًا تعرف باسم المحاور، التي تنتقل عبر النخاع الشوكي لإرسال واستقبال الإشارات من وإلى الجسم. وفي حالة حدوث إصابات في الحبل الشوكي، تنقطع هذه المحاور، ما يمنع الإشارات من الوصول إلى هدفهم. لكن كانافيرو محق إلى حد ما بأن العمود الفقري مزود بالأدوات اللازمة لإصلاح تلك المحاور، ولكن هذه الاتصالات يتم حظرها بشكل فعال عن طريق تشكيل فوري للندوب الدبقية.

الندوب الدبقية هي مجموعات من الخلايا المناعية التي تتجمع عند موضع الإصابة عند تلف الحبل الشوكي. هذه الندوب تعمل على رأب صدع في المحاور وتحمي الحبل الشوكي من وقوع مزيد من الضرر، ولكنها أيضا تفرز مادة كيماوية توقف طرفي الحبل من الانفصال. لا يشير بروتوكول GEMINI إلى الندوب الدبقية، التي من المرجح أن يثبت أنها عقبة قاتلة أما إجراء العملية.

إصلاح العمود الفقري يحتاج الى أكثر من اللصق

إذا تجاهلنا مشكلة الندب الدبقية، فإن السؤال التالي هو ما إذا كان استخدام غليكول البولي إيثيلين لفصل النخاع الشوكي سينجح فعلًا. لقد ظهر بالفعل أن غليكول البولي إيثيلين يساعد على إصلاح المحور العصبي إلى حد ما، ولكن تم تنفيذ معظم هذه التجارب على خلايا معزولة في المختبر. ومع ذلك، فقد ثبت أن بعض النتائج واعدة في النماذج الحيوانية الأخيرة. استخدمت مجموعة واحدة الغليكول بولي إيثيلين لعلاج فئران تعاني من قطع كامل في النخاع الشوكي ووجد أن بعض المحاور قد أعيد ربطها. كما أنهم نجحوا في استعادة بعض الحركة، مع سيطرة بعض الفئران بشكل جزئي على أرجلها الخلفية.

لا شك أن هذه النتائج تقدم بعض الآثار الهامة لعلاج إصابات الحبل الشوكي، ولكن عند النظر في الكيفية التي يمكن بها تطبيق هذا على عملية زرع الرأس، فالشيطان يكمن في التفاصيل. تم اختبار فقط السيطرة المادية على جسم الفئران، وهو ما يعني أننا ما زلنا غير متأكدين بشأن ما إذا كانت الفئران قد استعادت الإحساس في الأجزاء السفلى من أجسادها. كما وفر علاج الغليكول بولي إيثيلين أيضًا تحسنًا متواضعًا في عمل وإصلاح الخلايا في العمود الفقري. والأهم من ذلك، فقد جرى فصل العمود الفقري للفئران على مستوى الصدر TH8 / 9. وهذه هي المنطقة التي تقع في منتصف العمود الفقري، وهي منخفضة بما فيه الكفاية للحفاظ على وظائف الجسم الهامة.

في العملية التي يقترحها كانافيرو، سيتم قطع العمود الفقري في منطقة عنق الرحم حيث تقع المحاور التي تحمل الإشارات التي تشارك في الوظائف التي تبقي الجسم على قيد الحياة. وسيترك الفصل غير الناجح لهذه المحاور المريض مصابًا بالشلل ويتنفس باستخدام جهاز التنفس الصناعي. يدعي كانافيرو أن مجموعة بحثية في الصين نفذت بالفعل بنجاح عملية مماثلة على الفئران. وهذا صحيح جزئيًا، فقد بقي 18 فأرًا من أصل 80 على قيد الحياة لمدة ثلاث ساعات بعد أن أبعدوا عن جهاز التنفس الصناعي. الأهم من ذلك، لم يحدث أي ضرر في العمود الفقري لهذه الفئران وبقي جذع الدماغ للأجساد المتبرعة كما هو. ومثلما يتحكم الدماغ في الوظائف الحيوية بما في ذلك التنفس، فقد جرى خياطة رؤوس الفئران على حاضنة مشلولة.

عقبات ضخمة

على الرغم من أن اقتراح كانافيرو يمثل فكرة مثيرة، فإن البحوث ببساطة لا تدعم ادعاءه بأن لدينا الآن التكنولوجيا اللازمة للبدء في إجراء مثل هذه العمليات. ومع ذلك، حدث تقدم كبير في طريقة علاج إصابات الحبل الشوكي من خلال العلاج بالخلايا الجذعية أو تشكيل الجسور فوق الندوب الدبقية. ومن شأن تطوير أكثر قوة واستقرارا لهذه التكنولوجيا أن يمثل خطوة مهمة نحو علاج إصابات العمود الفقري وخطوة أولى ممكنة نحو تحقيق حلم كانافيرو.

لا يزال لدينا طريق طويل لنقطعه قبل أن نتمكن من البدء في مبادلة أجسامنا. وحتى بعد معرفة كيفية فصل العمود الفقري وإعادة ربطه، فما زلنا لا نعرف ما إذا كان بإمكان الدماغ تهيئة نفسه للسيطرة على الجسم الجديد. نحن نعلم من دراسات زرع اليد، التي هي أقل تعقيدًا، أنه يمكن استعادة هذه الوظيفة إلى حد ما، ولكن حتى هذا يختلف في نسبة النجاح مع التكنولوجيا المتاحة الآن. الأكثر إثارة للقلق هو أن قيام حلقات الجهاز المناعي بمهاجمة العضو المزروع أمر شائع للغاية. وهذا يمكن أن يكون حدثا كارثيا بعد عملية زرع الرأس، حيث إن الجهاز المناعي للجسم المتبرع يمكنه أن يهاجم الرأس.

وفي سبيل إقناع علماء الأعصاب أن هذا الإجراء يمكن أن ينجح، هناك حاجة إلى أدلة أكثر إقناعًا. يقول كانافيرو في ورقته البحثية إنه يجب إجراء التجربة الأولية على حيوان كبير. وحول ما إذا كان هذا عملاً أخلاقيًّا أم لا، فبالنظر إلى مستوى فهمنا الحالي، سيكون ذلك مسألة رئيسية أخرى. وحتى تتحقق فكرة كانافيرو، فإن أمام العلم بعض العقبات الضخمة التي يتعين عليه تجاوزها. وقبل أن ننتقل إلى البشر، ينبغي أن نبدأ بإصلاح الموز.

عبد الرحمن النجار



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.