كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الإثنين,6 يوليو, 2015
الإعلام و الإرهاب و وعاظ التلفزة

الشاهد_يعقب كل حدث إرهابي استنفار ديني وسياسي وإعلامي منقطع النظير، يتسابق بعض المتدينين على شاشات التلفزة العربية، يحرّمون كل فعل أدى إلى تلك الأفعال الإرهابية، وأتخيل أن هناك طابوراً من هؤلاء ينتظرون دورهم للإدلاء بآرائهم الفقهية، تحريما وتبشيرا بالويل والثبور يوم القيامة، ويتبارون في سرد الأحاديث، بكل أنواعها، ليثبت كل منهم أن لما قاله سند في السيرة النبوية. في الطرف الثاني، يندفع المؤيدون من المتدينين لكل حدث أودى بحياة الأبرياء بأنه من أعمال الجهاد الذي أمر به الإسلام، وأن فاعله سيدخل الجنة من دون حساب. والحق أن هناك برامج دينية متلفزة موضوعية، يقودها أهل علم وفكر، وقوية الحجة تتحدث عن تلك الظواهر الإرهابية، وهناك أيضا أفراد أحاديثهم سطحية منفرة وغير مقنعة. الأولى قد تلقى صدى واستجابة، لكن الثانية تنفّر جمهور الأولى.

الإكثار من ظهور بعض رجال الوعظ والإرشاد الديني على وسائل الإعلام المقروءة أو المتلفزة أو المسموعة تحت “برنامج المناصحة” أزعم أنه يعطي ردود فعل عكسية، أهمها إعراض الناس عن الاستماع لتلك البرامج ومشاهدتها. وفي تقدير الكاتب أن الإقلال من هذه البرامج قد يؤثر في العامة، وحتى الخاصة، بشرط أن يكون الذين يتناولون هذه المواضيع في وسائل الإعلام من المقبولين عند العامة والخاصة، وصاحب لسان فصيح وحجة مقنعة وقول حسن من المتفقهين في الدين والتاريخ.

الأعمال الإرهابية التي حدثت في المملكة العربية السعودية أخيراً، وفي اليمن والعراق والكويت، أعني تفجيرات مقار عبادة، سواء كانت مسجداً أو حسينية أو كنيسة، دعت وسائل الإعلام المرئية إلى خليط من المشتغلين بالسياسة، لبعضهم القدرة على التحليل، لكنه ليس قادراً على إيصال رسالة إلى صانع قرار تقنعه برأي، أو إعانة متشدد في أمور الدين بلا وعي على إعادة النظر في تفكيره وإقناعه بمخاطر الأمور. بعضهم الآخر تاجر كلام يأتي إلى الشاشة لمكانته الاجتماعية أو الحزبية أو مركزه الحكومي. وهذا لا يقدم فكراً ولا اجتهاداً لإيجاد حل للظاهرة التي نعالجها، مثل هذه الفرقة الأخيرة تشوش الفكر وتربك المتلقي، ولا تقدم مقترحا قابل للتنفيذ.

نلاحظ أنه بعد كل حدث، تجتمع الحكومة المعنية، وهي مستنفرة، وتتخذ قرارات أمنية مشددة، ويجتمع وزير الداخلية في البلد المعني بأركان جهازه الأمني، ويدلي كل بدلوه كيف نتجنب حدوث مثل ما حدث، ويجتهد القوم في الدعوة إلى تشديد القبضة الأمنية إلى الحد الذي تكاد أجهزة الأمن أن تكبت أنفاس المجتمع، من دون وعي بعواقب الأمور.

ظاهرة انعقاد اجتماعات وزراء مجلس التعاون الخليجي في صالات المطارات كثرت هذه الفترة. المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي عقد في مطار الرياض، قمة خليجية عقدت في المطار، وزراء الدفاع، وأخيرا اجتماع وزراء الداخلية تم في مطار الكويت. ماهي دلالات ذلك؟ ينظر بعضهم إليها بأنها اجتماعات لتبادل التعازي والمواساة في مثل ظروف الكويت ولا غير، وينظر آخرون إلى أنها ليست اجتماعات جادة، فلا ملفات بين يدي المجتمعين، ولا محاضر جلسات، ولا الغوص في دراسة ونتائج ما حدث وما قد يحدث.

تقول وسائل الإعلام الخليجية إن اجتماع وزراء الداخلية في مطار الكويت ناقش آخر المستجدات الأمنية في المنطقة، والأعمال الإرهابية التي استهدفت دور العبادة، بهدف بث الفتنة، وإشاعة الفرقة، وشق الصف، وزعزعة الاستقرار، وتدارس المجلس تفاصيل الجريمة التي وقعت على المصلين في مسجد الإمام الصادق، أخيراً، والجهود التي بذلتها وزارة الداخلية الكويتية لكشف الملابسات والقبض على الضالعين فيها.

لا اعتراض عندي ولا رفض ولا احتجاج على اجتماعات القادة ووزراء الداخلية في دول مجلس التعاون في أي مكان، وفي أي ظرف، فذلك من عملهم، ونؤيد كل ما يفعلون من أجل حماية الوطن والمواطن من أي مخاطر، من دون إرهاب المواطن أو المس بكرامته، بذريعة محاربة الإرهاب.

ليست محاربة الإرهاب والإرهابيين في دول مجلس التعاون مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، إنها مسؤولية المجتمع بكل طوائفه واتجاهات نخبه الفكرية والسياسية. علينا جميعا الانخراط في حماية وطننا ومجتمعاتنا بكل الوسائل، وألا نجعل لمن يريد أن يفرّق صفوفنا، ويشتت وحدتنا سبيلاً إلى ذلك.

وهنا أتوجه إلى الجهات الأمنية في خليجنا المضطرب، هل درستم الحالة النفسية والحالة الاجتماعية لكل من اعتقل بتهمة أعمال إرهابية، وأوجدتم علاجا لها غير الاعتقال؟ هل درستم حال أسرة المتهم وأوضاعها الاجتماعية والمالية؟ شاهدت مقابلة تلفزيونية أجراها الزميل داود الشريان، وهو يناقش مواطناً سعودياً عن الكفر والتكفير، ومما قاله ذلك المواطن إن المجتمع السعودي كله كافر، لأنه قبل ببناء قبة على قبر الرسول عليه السلام، وإن القبر بني في المسجد في المدينة، والشريان يحاجج صاحبه، ويقول له: أنت تقول المسلمين كلهم كفار، ولا يوجد مسلم إلا أنت. قال: نعم، أنا ومن يؤمن بما أقول. ويذهب السؤال عن أمه وأبيه، فيكفر والديه، وقاطع كل الأسرة لأنهم كفار. مثل هذا نقول عنه مجنون، ويجب التحفظ عليه. لا جدال عندي أن لكل عمل إرهابي أسباب متعددة، وعلينا أن نحدد تلك الأسباب، لكي نجتثها من الجذور.

آخر القول: لكي يتحقق الأمن في مجتمعاتنا، فلا بد من تحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، ولا بد من اليقين أن الوطن للجميع، وليس لفئة دون أخرى، والشعب مستهدف بكل طوائفه، والتعايش السلمي مطلوب، والنظام السياسي مستهدف، ولا بد من إشراكنا جميعا في المهمة الأمنية لحماية أوطاننا من كل شر.

محمد صالح المسفر-العربي الجديد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.