فن - كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الخميس,13 أغسطس, 2015
الإعلام التونسي وثقافة الكراهية

الشاهد_أصدرت المجموعة العربية لرصد الإعلام تقريرها لسنة 2014 المتعلق بمتابعة خطابات الحقد والكراهية ورصدها، في عينة شملت ثماني صحف تونسية، منها خمس يومية والباقية أسبوعية. وقدمت إحصائيات واستنتاجات مهمة حول مصادر وأساليب ترويج خطابات الكراهية والشخصيات والهيئات المستهدفة من مثل هذه الخطابات.

وإذا كان من الطبيعي أن نلاحظ انفلاتا كبيراً في ترويج ثقافة الحقد باستخدام الشتم والسب والوصم، وصولا إلى التمييز والدعوة إلى القتل، فإن العينة التي تمت متابعتها من 5 إلى 26 جوان 2014 تكشف، حسب التقرير، عن جملة حقائق تشمل وسائل الإعلام المذكورة، موضوع التقرير.

ولكن، يمكن تعميمها على وسائل إعلام أخرى، من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية. ويبدي التقرير استغرابه من حلول صحف (يعتبرها أصحابها مستقلة) في المرتبة الاولى في ترويج ثقافة الحقد والكراهية (صحيفتي التونسية والصريح).

وعلى الرغم من أن التفسير الذي يقدمه التقرير يتعلق بنقل هذه الصحف ما يرد في الوكالات العالمية من أنباء، فإن المراقب للصحف التونسية، أو حتى القنوات الإذاعية والتلفزيونية، يدرك أن وسائل الإعلام المحسوبة على خط الاستقلالية لم تكن يوماً مستقلة فعلاً، وإنما تخدم أجندات حزبية وسياسية محددة خاصة، وأنها في مجموعها ظلت وفية لخط ما قبل الثورة، وركزت خطاباتها وأخبارها الموجهة من أجل شيطنة الثورات العربية عموما والثورة التونسية خصوصا وهو أمر نجد صداه في التقرير، حينما يستنتج أن الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، كان أكثر الشخصيات السياسية المستهدفة من خطاب العنف والكراهية الذي روجته وسائل الإعلام موضوع المتابعة.

وبالعودة إلى الفترة الني رصدت فيها الهيئة المذكورة هذه الصحف (جوان 2014) يمكن أن نلاحظ أن تلك الفترة كانت تسبق خوض الانتخابات النيابية والرئاسية، حيث قامت هذه الصحف بدور نشيط وواضح في شيطنة حكم الترويكا، وتشويه صورة الرئيس حينها (المرزوقي) من أجل إشاعة صورة سلبية لدى الرأي العام، وهو أمر كان له دوره في النتائج الانتخابية التي أظهرت لاحقا تقدم حزب نداء تونس، وتفوق الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.

ويلاحظ أي متابع لخطاب الصحف نفسها، في الفترة الحالية، وبعد وصول السبسي إلى السلطة، انحساراً هائلا لاستهداف رئيس الجمهورية، لتحل محله خطابات التمجيد والثناء. ويكشف مثل هذا السلوك الصحفي غير المهني عن مدى انخراط وسائل الإعلام التونسية في اللعبة السياسية، وتخندقها خلف قوى وأحزاب سياسية بعينها، حتى وإن كانت هذه الصحف مستقلة ظاهرا.

وكما يكشف التقرير، فإن النسبة العالية من خطابات الكراهية كانت مرتبطة بالأخبار والتقارير الإخبارية، وهذا طبيعي، بالنظر إلى طبيعة الأحداث الجارية في المنطقة، غير أن الأهم ما كشف عنه تقرير المجموعة العربية لرصد الإعلام عن حالة الاستهداف العالية التي كانت موجهة إلى الشخصيات السياسية وأحزابها، بنسبة تصل إلى 25% مما يتم نشره في هذه الصحف، وهو أمر يشي بطبيعة التعامل غير السليم مع ظاهرة الصراع السياسي والتجاذب الحزبي في تونس ما بعد الثورة، وهو أمر يظهر أن فئة كبرى من الصحف، ومن الإعلاميين، لم تستوعب بعد طبيعة المرحلة، فهي في غالبها صحف ظلت تصدر منذ زمن الاستبداد، وحتى إن إعلاميين قدامى أصدروا صحفاً بعد الثورة ظلوا يعيدون إنتاج رؤيتهم البالية للمشهد السياسي، فنسبة كبيرة من الإعلاميين والصحفيين في تونس لم تدرك بعد أن التحولات العميقة في البلاد تقتضي مراجعة لطبيعة الخطاب، وأن فسحة الحرية الحالية لا ينبغي أن تتحول إلى مجال لفوضى الآراء غير المحسوبة، والتي تؤثر سلبا على السلم الأهلي.

وبغض النظر عما ورد في التقرير من إحصائيات مهمة، يلاحظ أي متابع للمشهد الإعلامي التونسي، من دون عناء، غياب أي تطور للخطابات الإعلامية، سواء في الإعلام العمومي (الإذاعي والتلفزيوني) أو الخاص، حيث ما زال مستوى التغطيات الإخبارية أو متابعة النشاطات الحزبية والجمعياتية يخضع لانتقائية واضحة، ويخلو من الشفافية المطلوبة من إعلام مهني مسؤول، وهو أمر يتجلى في طبيعة الشخصيات التي تتم استضافتها في البرامج السياسية، أو حجم التغطية التي يتم تخصيصها للأحزاب، أو حتى في أنماط الخطاب التي يتم تكرارها، والتي تبث أشكالا من الكراهية، والدفع نحو الصراع، على النحو الذي جعل العنف الخطابي يتصدر المشهد الإعلامي بوضوح، وهو أمر له تبعات خطيرة، إذا لم يتم وضع حد له، من دون أن يعني هذا دعوة إلى ممارسة الرقابة أو التضييق على الإعلام وأهله.

تكشف كل هذه الملامح العامة للخطاب الإعلامي في تونس أن الهدف منه لم يكن بريئاً، ولا محايداً، وإنما كان تحريضياً يستهدف التلاعب بعقول المتلقين، وصولا إلى تعبئتهم للتمرد ضد التحول الديمقراطي في البلاد، وصولا إلى تهديد أسس النظام الديمقراطي الناشئ.

وهو ما يستدعي التنبه إلى خطورة ما تنشره وسائل الإعلام، وأهمية دورها بوصفها وسيطا قادرا على الإقناع والإيهام والخداع، وتكمن قوتها في أنها قادرة على تشكيل الرأي العام وتوجيهه، والتلاعب بالعقول، وإبقائها تحت حالة من التلقي السلبي، والخضوع للتوجيه، وإذا اقترن هذا النفوذ المتعاظم لوسائل الإعلام بترويج ثقافة الحقد والكراهية، فإن النتائج ستكون كارثية، إذا لم تتم مراجعة هذه السياسات الإعلامية قبل فوات الأوان.

سمير حمدي- العربي الجديد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.