كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,18 نوفمبر, 2015
“الإرهاب” يحتضر بصوت مزعج

الشاهد_لم يكن من الصعب على من تعمق قراءة الخطوط الرمادية في أحداث الأسابيع الأخيرة أن يدرك دلالة ما كشفتْ عنه بكل وضوح (وإن كان الوضوح لا يزال خافيا أو خفيا) من أن الإنسانية بدأت تضع يدها جزئيا، ولكن بثقة، على سر الوباء المزعج الذي تعارفت نخبها على تسميته بـ”الإرهاب”.

وذلك بعدما استغرقت من حياتها السياسية ونشاطاتها الاستراتيجية عمرا طويلا في التعامل معه من خلال علاجات صفق دعاتها لبعض جداوها مع أن معظم وسائلها فشلت على المدى الطويل بسبب خطأ ما، سواء أكان ذلك الخطأ في تشخيص العلة الحقيقية، أم في اختيار الدواء الأنسب، أم في إنفاذ العلاج المطلوب.

لكن الحياة مضت بتفاعلاتها العاقلة وغير العاقلة، حتى جاءت عبقرية “البيولوجيا” (وهى بالمناسبة عبقرية تفوق عبقرية السياسة لأن فيها بعدا رابعا وحاسة سادسة) لتجعل نهاية الإرهاب الحتمية على يده هو نفسه، أو بيد صانعيه المستترين أو على يد مستثمريه المحترفين.

كان هذا على سبيل التقريب هو جوهر ما فجرته المناقشات التي دارت بيني وبين ساسة في مواقع القرار عقب سقوط الطائرة الروسية في آخر أيام الشهر الماضي، ثم كان أيضا هو جوهر تأججات هذه المناقشات في أحداث باريس الدامية الأخيرة.

وقد استقصت هذه المناقشات مجموعة من الحقائق المؤلمة والمشرقة بالصدق النفسي والجلاء البصري في الوقت نفسه، وهي حقائق لم تعد تحتمل مجاملة أرباب الجدل المفاوض الذي يستهدف التشكيك المؤدي بحكم الحرفية إلى تقليل ما ظهر للحق من النصاعة، وهو ما كان يحدث أيضا من باب التظاهر المفيد بقبول الرأي الآخر.
كما أن الحقائق المترسخة عبر شباب التواصل الاجتماعي لم تعد أيضا تطيق قبول روح المماحكات الروتينية التي تخرج بالمسؤولية المباشرة والصريحة من مستوى إلى آخر.

بعيدا عن مناقشة فلسفة التغير فإن التعاقب التاريخي لأحد محاور تطور الظاهرة التي ضللت العالم وآذته كفيل بأن يدلنا على عملية تطور بيولوجية تسارع نموها، (بل تهرمن: أي غذي وخصب بالهرمونات في كثير من الأحوال) ورسخت الممارسات النزقة المندفعة الأخيرة عددا من حقائق فهم خطوات عملياتها السالفة، وقد كان في المقدمة من هذه الحقائق حقيقتان جوهريتان ترسختا مع الزمن:

الحقيقة الأولى أن هناك من يصنعون الإرهاب من أجل الاستثمار، كما أن هناك من يستثمرون في الإرهاب، والفارق بين هؤلاء وأولئك كالفارق بين عضو اتحاد الصناعات وعضو اتحاد المستثمرين، وإن كان من الجائز والوارد بالفعل أن يكون الإنسان الواحد عضوا هنا وهناك في الوقت نفسه، وهي الحالة الأكثر ظهورا في منطقتنا العربية.

وقد حال دون توصيف كتابنا وخبرائنا لهذا السلوك بوضوح أن هؤلاء وأولئك يمثلون طوائف متعددة من اللاعبين السياسيين، كما أنهم ينتمون إلى توجهات سياسية متعددة، ومن ثم استحالت نسبتهم إلى توجه فكري بعينه.
الحقيقة الثانية أن أخطر الصانعين والمستثمرين شأنا في عالم السياسة هم أولئك الذين يصنعون الإرهاب بأنفسهم، وينسبونه في اللحظة نفسها إلى غيرهم من الخصوم أو الأغيار مستغلين حالات التربص المتأهبة والمتحفزة عند أعداء الخصوم وكراهيتهم التاريخية أو المؤقتة لهذا الغير.

على صعيد آخر ومن ناحية ديناميكية أو ميكانيكية (في طبيعتها) فإن هذا الإرهاب الاستثماري شأنه شأن أي استثمار أو نشاط إنساني اجتذب إلى محيطه الصدوي أو مجال رنينه المغناطيسي أجهزة حكومية وسيادية تنتمي إلى نظم غير شرعية، وقد أصبح -رغم سخفه وعدم إنسانيته- بمثابة حل شبه نموذجي للشرعية المفتقدة، والمشروعية الناقصة، وبالنسبة لهذه القوى فإنه أصبح مجالها المفضل للعب غير النظيف.

وسرعان ما وجدت هذه الأجهزة نفسها لا تمانع في أن تواصل اعتداءاتها على الشرعية والقانون وحقوق الشعوب بأن تكرر ارتكاب ما يصنف على أنه إرهاب.
وفي خطوة تالية سرعان ما وجدت هذه الأجهزة نفسها تنتقل بتلقائية ميكانيكية من خانة الخصم إلى خانة الحكم، وتنسب حوادث إرهابية ترتكبها هي وحدها إلى القوى الشرعية (التي لم ترتكبها ولا اقتربت من ميدانها)، وذلك بما ييسر لها المضي المخطط سلفا في تمرير إجراءات استثنائية خارجة تماما عن نطاق الإنسانية والقانون الطبيعي.

وعلى صعيد الحياة الواسعة فإن هذا الإرهاب الاستثماري أصبح -شأنه شأن أي استثمار- في حاجة إلى تسويق احترافي بكل ما يتطلبه التسويق الاحترافي لمنتج فاسد من حملات مكثفة ومركزة لتغييب الوعي، والتلاعب بالعقول، وصولا إلى خلق حالة نفسية مرضية من عصاب مُلِح ومتضاعف الإلحاح، وهي حالة مستعذبة من المرض ترحب بها جماهيرها المغيبة بحكم المصلحة أو التعصب لتبرير اتهام الشرعيين بأي شيء كفيل بتشويههم، وهي تجربة إنسانية لا تخرج عن نطاق تلذذ المشوهين بتشويه الشرفاء.

قد ارتبط بهذا بل تواكب معه نتيجة لتوجهات تاريخية معينة أن قوى دولية كبيرة (كالولايات المتحدة بأجهزتها السيادية التي لا تمانع أحيانا في إظهار اختلافاتها البينية على أنها تنافر) قد مارست بل استمرأت التغاضي عن هذا الإجرام في حق الحقيقة.

لكن المردود السلبي لهذا الاستمراء كان أكبر بكثير من حجمه المتوقع، وقد تعدى الموقف من واقعة أو اثنتين إلى خلق توجه عام مميت، وليس ضارا أو ممرضا أو مرضيا فحسب، وهو ما شجع القوى غير الشرعية على أن تتمادى فيه، ومع التمادي ظنت القوى غير الشرعية في مستوياتها المختلفة أن هذا التمادي قد أصبح من حقها، كما أن تشويه الخصوم بالباطل بات من حقها أيضا، معتبرة أن ما هو معروف من انتمائها غير المعلن إلى معسكر الحرب على الإسلام يهيئ لها مظلة واقية تماما من أي مساءلة أو انتقاد، وهو أمر إن بدا صحيحا فإنه يصعب حتى الآن تقريره أو تمريره هكذا.

وكانت النتيجة التي لم يتوقعها خبراء السياسة أن هذه القوى غير الشرعية تمادت في تشويه النظرية السياسية إلى الحد الذى أقنعت فيه كوادرها وأفرادها بأن هذا التغاضي الجزئي المحسوب من قوة كأميركا يؤسس لها في الخفاء شرعية كشرعية العشيقة السرية لرجل الدولة الكبير في مجتمع محافظ.
وبتفصيل وتحديد أكثر فإن قوى الثورة المضادة استقرت جميعا مع اختلاف الأقطار على أنها حققت نجاحا في خلق أو استحداث شرعية مستجدة في العلاقات الدولية هي شرعية “كسر العين”، وهي الشرعية التي تسلب القوى الكبرى (وفي مقدمتها أميركا بالطبع) حق انتقاد الخطيئة ما دامت هذه القوى لا تؤثم العلاقات السرية غير المشروعة حتى وإن أثمت الدعارة، وعاقبت عليها.

وفي ظل هذا فإن قوى الثورة المضادة ازدادت إلحاحا في إثبات حقها في الوجود الإعلامي، حتى اضطر صناع الإعلام إلى الحفاظ لهم على حصصهم المفروضة بسيف الحياء!! رغم أن هذا ينافي كل عناصر المهنية والإنسانية.
وأذكر أن قناة فضائية غربية في نسختها العربية سألتني بمنتهى التقدير واللباقة: هل يمكن أن أكون أقل حماسا في تأييدي للسوريين وأكثر اعترافا بالحقائق المرة على الأرض؟؟ فقلت لهم بمنتهى الأدب: وما قيمتي أنا وحدي إذا كان كل المتحدثين والضيوف في الفضائيات يتوافقون مع العقل والواقع؟ هل تريدون صوتا نشازا يفسد العزف المتسق؟ امضوا في طريقكم فإن تجاهلي لا يضر، وإهمالي لا يؤذي، وإسكاتي لا يكلف!! فاقتنعوا أني لا أصلح ولا أقتنع!! وربما اقتنعوا أنني أغبي مما هو مطلوب! لكن الأحداث الأخيرة كان لها رأي مختلف.

 

 

محمد الجوادي-الجزيرة.نت