أهم المقالات في الشاهد - فن

الأحد,16 أغسطس, 2015
الإرهاب والمثقفون.. في تونس

الشاهد_الثقافة، كما نتمثلها، معرفةً وفناً وذائقة، ناهيك عن المنجز المادي، البديع منها كالمعمار والأكل والملبس، القائمة على العقل والحرية والجمال، هي إحدى خصوم الإرهاب وأشرس أعدائه، فالإرهاب “ثقافة مضادة” تقع خارج أرض الثقافة تلك، وتنطلق من مسلمات مقابلة لها تماما.

إنه يشكل “ثقافة سالبة” قائمة على كل ما يخالف القيم الإنسانية التي جاهدت البشرية من أجل وجود مشترك بينها، على الرغم من اختلاف الأعراق والأديان. لم يكن ذلك سهلاً، ولا أبدياً، وربما لا يساوي ما راكمناه شيئاً أمام ما يزال غير منجز.

يرتب الإرهاب، استناداً إلى عدته وعتاده، أوليات تصفية خصومه، بحسب السياق والخصوصية، فيبدأ تارة بالسياسيين وينتهي بالمثقفين، ويبدأ تارة أخرى بالمثقفين، وينتهي بالسياسيين، مروراً بمختلف القوى الاجتماعية التي يتوقع أن تكون له خصماً، وأحيانا يفعل ذلك من دون تبرير ظاهر، فكأنه يشتهي مضاعفة الفظاعة، فيقتل من دون سبب، خضوعا لما تقتضيه “إدارة التوحش”.

لا أحد يجادل، في اعتقادي، في أهمية أن يصطف المثقفون صفاً واحداً، ضد الإرهاب، فهذه جبهتهم، وهذا موقعهم الطبيعي في معركة بلادنا مع الإرهاب.

تختلف الاجتهادات في كيفية خوض المعركة وتخيّر أدواتها وأسلحتها، ولنا في ما عاشته المجتمعات المجاورة ما منه نستوحي: الإبداع والتفرغ إليه رسالة وحيدة توجه للإرهابيين، وتجعل الحياة أجمل، وقد دفع بعضهم حياته ثمن ذلك، الانخراط المدني من أجل التعبئة المواطنية السلمية لمقاومة الإرهاب، الالتزام الحزبي والسياسي، وهذا حق مشروع أيضاً.

وأحيانا أخرى، يختار المثقف خوض المعركة، باعتباره “جندي الوطن”، فيستشهد وهو يقاتل على الجبهة. حالات عديدة تشهد على تعدد الجبهات والسياقات والخيارات، وكل وصفة وحيدة لمقاومة الإرهاب تعد ترهيباً لاجتهادات أخرى، ممكنة تكريسا لحق الاختلاف وثراء التخيل الخلاق للمثقف. غير أن ما حدث في “مؤتمر المثقفين التونسيين ضد الإرهاب”، قبل أيام، يحتاج منا إلى توضيح التباسات حفّت به، من شأنها أن تحكم تطوراته اللاحقة، فضلا عن انعكاساته في مجرى الإحداث قريباً.

نشرت، قبيل انعقاد المؤتمر، مواقع اجتماعية وصحف يومية، مشروع بيان المثقفين التونسيين ضد الإرهاب الذي حافظ على محتواه إجمالا عند نشره في صيغته النهائية، ويبدو أن تدخلات الليلة الأخيرة من شخصيات نافذة في حزب نداء تونس، حفاظاً على شعرة معاوية مع شركائهم في الحكم، وأساسا حركة النهضة، لم تضف في النهاية إلى أشياء ذات بال، وربما الأمر الوحيد الذي تم تعديله نشره باللغة العربية، خلافا لصياغته الأصلية، وحتى لغة التداول في ردهات الإعداد كانت الفرنسية، فهي اللغة الرسمية لكل فعاليات المؤتمر، وقد يكون ذلك تبرؤاً من اللغة العربية، واعتبارها من روافد الإرهاب، كما ذهب إلى ذلك أحد الحاضرين من “المثقفين المسرحيين”، والذي كتب قبل أشهر (بالفرنسية) على خلفية العملية الإرهابية الشنيعة، في متحف باردو في العاصمة، والتي راح ضحيتها عشرات السياح الأبرياء، أن الإرهاب ضرب تونس، أول مرة، حين دخلها الإسلام، وأن أولى الأعمال الإرهابية تلك كانت مع الفاتحين، وأن أولى الاغتيالات السياسية كانت عند مقتل الكاهنة.. إلخ.

لم تكن تعديلات الليلة الأخيرة، حينئذ، ناجمة عن حوار مثقفين، تتبادل فيه الأطروحات ويرجح الأصوب منها، بل كان نتيجة تأثيرات سياسية مباشرة صدرت “من فوق”، وأساسا من محيط رئاسة الجمهورية، ودوائر نفوذ أخرى قريبة منها، ويبدو أنها لم تنجح في إملاء ما كانت تتمنى، فالمؤتمرون لم يكونوا منسجمين، بل تشقهم اختلافات تعود إلى أجنحة حزب نداء تونس التي يتمترسون وراءها، فضلا عن استراتيجية فردية شرسة، يصعب ترويضها.

أما نواة المؤتمر فتتكون من “اليسار الفرنكفوني” لكلية الآداب والفنون والإنسانيات/ منوبة، فلم يحضر تقريبا أي وجه جامعي من “مثقفي” كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية/ تونس، أو باقي كبرى كليات الحقوق، أو غيرها من المؤسسات الجامعية في مدن الجمهورية، كما لم تحضر وجوه من مثقفي التيار العروبي، على الرغم من أنها دفعت من قياداتها في معركة الإرهاب، ونالها من التنكيل والخوف الكثير، كما لم تحضر في هذا المؤتمر عائلات فكرية أخرى، كالمحسوبة، مثلاً، على الإسلاميين، أو بقية العائلات اليسارية التي امتنعت عن الحضور، لما لها من تحفظات كبيرة على هذا اليسار الفرنكفوني بالذات، الذي أصبح ذراعا أيديولوجيا وثقافيا لحزب نداء تونس.

كان الرأي العام الثقافي والسياسي الذي التفت بعض منه إلى هذا المؤتمر، في زحمة القضايا وحالة التشتت التي يعاني منها، ينتظر أن تناقش ورقات علمية، أو مشاريع ثقافية، تطرح مساهمة المثقفين المتميزة في معركة الإرهاب.

ولكن خاب أملهم، والمؤتمر بما فيه البيان الختامي يستنسخ آليات المؤتمرات السياسية، أياد غير مرئية ولجان شبه سرية تعد التفاصيل، بما فيها بيان الاختتام، والبقية تحضر للتصفيق والهتاف الأهوج وإنشاد النشيد الوطني قبيل مراسم التوديع. كما أن البيان بشكل خاص ورد متوتراً في مواقع عديدة، وكتب من دون رصانة المثقفين، وأساساً، تلك الرصانة الفكرية بالذات.

ونكتفي، هنا، بذكر تصنيف البيان، بشكل غير مباشر و”ذكي”، “الإخوان المسلمين” جماعة إرهابية، في حين أن الأمر موكول، في اعتقادي، إلى استقلال القضاء الذي أشار إليه البيان، ذلك أن أهم لجنة علمية، إلى الآن، أمر بتشكيلها رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، في 2014، والمتكونة من أساتذة مرموقين في العلوم السياسية والاجتماعية في الجامعات البريطانية (كمبريدج مثلاً)، وغيرهم من الخبراء، والتي ترأسها السفير البريطاني، جون جنكن، انتهت، على الرغم من ضغوط كثيرة تعرضت لها، إلى عدم وجود أدلة على تورط “الإخوان” في الإرهاب، وهي نتيجة مغايرة لما أقره هؤلاء المؤتمرون بجرّة قلم.

وقد أغفل البيان الإشارة إلى الثورة التونسية، مكتفيا بالإشارة إلى “أربع سنوات مرت”، فضلا عن عدم ذكر حقوق الإنسان مطلقاً في البيان، كإحدى ضوابط المعركة مع الإرهاب قانونياً وأخلاقياً، في سياق يعود فيه التعذيب، حسب المنظمات الدولية، إلى ممارسة شبه ممنهجة، تتنافى مع القيم التي عددها البيان.

سيستفيد بعض منظمي هذا المؤتمر، فيعزز به رصيده في معارك “نداء تونس” الداخلية والخارجية، في المحطات المقبلة التي تسبق موسم التسميات الخريفية، وقد حظي ما يقارب خمس المنظمين بشرف توسيم رئيس الجمهورية لهم، بعد أقل من ست ساعات على ختامه، بمناسبة عيد المرأة الذي اختارته اللجنة المنظمة موعدا لفعالياته بعناية فائقة، لشحنته الرمزية، وقد أتى ذلك أكله في الحين.

لن ينقص ذلك شيئاً من أهمية هذه المبادرة. ولكن، حتى تكون المعارك ضد الإرهاب مربحة، وأقل تكلفة على من يخوضها، عليها أن تكون فوق الكراهية والأحقاد، حتى لا تساهم في تخصيب بذور الإرهاب.

المهدي مبروك



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.