الرئيسية الأولى

الخميس,21 يناير, 2016
الإحتجاج السلمي كأسلوب مواطني متحضّر و الصدام كأسلوب جبهاوي مفضوح

صحيح أن الإصلاحات الإقتصادية و التنموية و في عدّة قطاعات أخرى تحتاج ضرورة إلى إصلاحات سياسيّة كبرى خاصة في بلد مثل تونس يواجه عقبات كبيرة لعلّ أبرزها على الإطلاق التركة الثقيلة لسنوات الفساد و الإستبداد و ضعف موارد الدولة إلى جانب طبيعة تشكل المشهد السياسي فيها بعد الثورة و لكن الثابت و لا يمكن التراجع عنه اليوم أن الثورة كانت في عمقها على أوضاع إجتماعية مزرية بسبب ممارسة النظام السابق للإقصاء الإجتماعي الذي همشت جهات برمتها و فئات واسعة من التونسيين فكان أن نص الدستور الجديد على التمييز الإيجابي لصالحها و أكّد على مبدأ العدالة الإجتماعيّة غير أنّ طبيعة التدافع السياسي في السنوات الخمس الأخيرة همّشت المطالب الإجتماعيذة فعادت الحركة الإحتجاجية لتشمل عددا من الولايات.

الحركة الإحتجاجية التي لم تتوقّف طيلة الخمس سنوات الماضية بلغت أوجها بعد حادثة إنتحار الشاب رضا اليحياوي في مدينة القصرين لتتجاوز الحركة حدود الولاية نفسها إلى مناطق أخرى من البلاد خرجت في عدد من الحالات عن السيطرة و بدت فاقدة لسلميّتها التي انطلقت بها و مع هذا التطوّر بدأت المزايدات و الخطابات الغير مسؤولة تتواتر من هنا و هناك فرغم إصرار المعتصمين بمركز ولاية القصرين على سلميّة تحرّكهم و تبرّئهم من الإضرار بالأملاك العامّة و مناداتهم بانتهاج الحوار أسلوبا في التفاهم و التواصل مع السلط المركزية و الجهوية عرفت الإحتجاجات تسجيل مواجهات مع الأمن و إقتحامات لمراكز السيادة تشير الصور المتداولة على صفحات شبكات التواصل الإجتماعي إلى أن الواقفين وراءها ليس عليهم مثل هذا الفعل باعتبارهم نفس أصحاب ثقافة “الشوارع و الصدام” الذين نادوا ذات صائفة من سنة 2013 باقتحام مقرّات السيادة إبان إعتصام باردو المعروف عند التونسيين باعتصام “الروز بالفاكهة”.

مساندة التحرّكات السلميّة المشروعة و القضايا العادلة و نبذ العنف و الإعتداء على الممتلكات العامة هو تصرّف مسؤول جدا إنتهجه المعتصمون في القصرين و نادى به أغلب المتحدّثين و المعلّقين على الحركة الإحتجاجيذة و لكنّ الساعات الأخيرة كشفت بوضوح عن محاولة لا فقط للركوب على الأحداث في إطار المزايدات السياسيّة و محاولة تزعّمها بشكل فضّ و إنما عن محاولة لزعزعة الإستقرار بعد أن كانت شكوكا في البداية فصارت حقيقة معترفا بها وردت على لسان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي الذي أكّد ان الجبهة كانت موجودة في التحركات التي تعيش على وقعها عدد من الجهات على غرار القصرين، وقد اكد أن الهدف الذي أسست من اجله الجبهة الشعبية هو استكمال مهام الثورة مشددا على ضرورة توفير الدولة مقومات العيش الكريم للشعب التونسي من سكن لائق وتعليم وصحة وثقافة، مشيرا إلى ان الحكومات المتعاقبة لم تلتفت إلى الشعب التونسي ولم تبحث عن إرساء خيارات وطنية بل استنجدت بالدعم الخارجي الذي يثقل كاهل الدولة بالمديونية.

و إذا كان جزء من كلام الهمامي منطقيا و مقبولا و تستوعبه الممارسة السياسيّة لطرف في المعارضة فإنّ عدم الإشارة و لو بملاحظة إلى ضرورة التحلّي بالسلميّة التي خرقها منتسبوا الجبهة بالدليل الموثق في صور الإقتحامات لمراكز السيادة إنّما هو إستدراج للمحتجين نحو مربّع العنف مع الدولة و أجهزتها بعيدا عن كلّ مسؤوليّة تتحمّلها أطراف المعارضة نفسها التي إفتقدت إلى البدائل على مستوى البرامج و الى التمثيلية القوية على مستوى القواعد و الإنصار و على الأرجح أنّ ممارسات مثل هذه مفضوحة لن تزيدها شيئا سوى العزلة داخل مشهد سياسي يسير وفقا لإرادة الناخبين و مشهد إجتماعي على توتّره لا ينحرف إلى مربّعات القوالب الإيديولوجية الجاهزة و لا إلى معارك السبعينات.



رأي واحد على “الإحتجاج السلمي كأسلوب مواطني متحضّر و الصدام كأسلوب جبهاوي مفضوح”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.