وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,8 سبتمبر, 2015
الأندبندنت: أزمة اللاجئين، من أين يأتي كل هؤلاء الناس ولماذا؟

الشاهد_“إنه عصر العنف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تسعة من الحروب الأهلية التي تسير الآن في الدول الإسلامية بين باكستان ونيجيريا. وهذا هو السبب في وجود هذا العدد الكبير من اللاجئين الفارين من أجل ضمان حياتهم. فقد اضطر النصف من 23 مليون من سكان سوريا للخروج من منازلهم، مع أربعة ملايين الذين أصبحوا لاجئين في بلدان أخرى” هكذا إفتتحت صحيفة الأندبندنت البريطانية تقريرا مطولا إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربية.
و تجدر الإشارة إلى أن نحو 2.6 مليون عراقي قد نزحوا بسبب هجمات الدولة الإسلامية – داعش – في العام الماضي، و جلسوا القرفصاء في الخيام أو المباني نصف المبنية. و دون أن يلاحظهم أحد من قبل العالم الخارجي، حوالي 1.5 مليون شخص قد شردوا في جنوب السودان منذ اندلاع القتال هناك الذي استأنف في نهاية عام 2013.
أجزاء أخرى من العالم، ولا سيما جنوب شرق آسيا، أصبحت أكثر سلاما على مدى السنوات ال 50 الماضية أو نحو ذلك، ولكن في رقعة شاسعة من الأراضي بين جبال هندو كوش والجانب الغربي من الصحراء، فإن الصراعات الدينية والعرقية والانفصالية تمزق البلدان. و في كل مكان الدول تنهار، وتضعف أو تتعرض للهجوم. و، في العديد من هذه الأماكن، حركات التمرد الإسلامية السنية المتطرفة آخذة في الارتفاع حيث تستخدم الإرهاب ضد المدنيين من أجل إثارة النزوح الجماعي.
ميزة أخرى لهذه الحروب هي أن أيا منها لا تظهر أي علامة على الإنتهاء، و لذلك لا يستطيع الناس العودة إلى ديارهم. و يعتقد معظم اللاجئين السوريين الذين فروا إلى تركيا ولبنان والأردن في 2011 و 2012، أن الحرب في سوريا ستنتهي قريبا ويتمكنوا من العودة. إنها ليست سوى في العامين الماضيين عندما أدركوا أن هذا لن يحدث و أنهم يجب أن يبحثوا عن ملاذ دائم في أماكن أخرى. ثم إن هذا الطول للغاية لهذه الحروب يعني الدمار الهائل والذي لا رجعة فيه من جميع وسائل كسب العيش، و بالتالي فإن اللاجئين، الذين سعوا في البداية إلى مجرد السلامة، تدفعهم أيضا ضرورة اقتصادية.
ويجري حاليا شن مثل هذه الحروب في أفغانستان والعراق وسوريا وجنوب شرق تركيا، و اليمن، وليبيا، والصومال، والسودان وشمال شرق نيجيريا. وهناك عدد قليل منهم بدأ منذ زمن طويل، ومثال على ذلك الصومال، حيث انهارت الدولة في عام 1991 ولم يتم إعادة بنائها، مع أمراء الحرب، و الجهاديين المتطرفين، والأحزاب المتنافسة والجنود الأجانب سيطروا على أجزاء مختلفة من البلاد. ولكن معظم هذه الحروب بدأت بعد عام 2001 وغيرها الكثير بعد 2011. و قد حصلت حرب أهلية شاملة في اليمن فقط على تحت الطريق في العام الماضي، في حين أن الحرب الأهلية الكردية التركية، والتي أودت بحياة 40.000 شخص منذ عام 1984، استأنفت في جويلية الجاري مع القصف الجوي و غارات حرب العصابات. وهو تصاعد بشكل سريع: تم تفجير شاحنة محملة بالجنود الأتراك خلال عطلة نهاية الأسبوع من قبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
و عندما سقط الصومال على حدة، وهي العملية التي فشل فيها التدخل العسكري الأمريكي الكارثي في 1992-1994، بدت لأن تكون حدثا هامشيا، ضئيلا بالنسبة لبقية العالم. و أصبح البلد “دولة فاشلة”، وهي الجملة المستخدمة في عبارات الشفقة أو الرافضة كما أنه أصبح عالم القراصنة والخاطفين التابعين للقاعدة. ولكن بقية العالم يجب أن ينظر إلى هذه الدول الفاشلة مع الخوف فضلا عن الازدراء، لأنه مثل هذه الأماكن – أفغانستان في 1990 والعراق منذ عام 2003 – التي حضنت حركات مثل طالبان، القاعدة وداعش. كل الثلاثة يجمع بين المعتقد الديني المتعصب و الخبرة العسكرية. الصومال بدا مرة واحدة ليكون حالة استثنائية ولكن “الصوملة” تحولت لأن تكون مصير سلسلة كاملة من البلدان، ولا سيما ليبيا والعراق وسوريا، حيث كان لدى الناس حتى وقت قريب، ما يكفي من الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.
كل الحروب خطيرة، وكانت الحروب الأهلية دائما لا ترحم المعروف، مع الحروب الدينية الأسوأ من كل ذلك. و هذا هو ما يحدث الآن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع داعش – واستنساخ القاعدة مثل جبهة النصرة أو أحرار الشام في سوريا – الذين عقائديا يقتلون خصومهم ويبررون أفعالهم ، من خلال الإشارة إلى القصف العشوائي للمناطق المدنية من قبل حكومة الأسد.
و ما هو مختلف قليلا في هذه الحروب هو أن “داعش” تنشر أخبارا عمدا الفظائع التي ارتكبتها ضد الشيعة واليزيديين أو أي شخص آخر تراه من أعدائها. وهذا يعني أن الناس المحاصرين في هذه الصراعات، وخاصة منذ إعلان الدولة الإسلامية في يونيو من العام الماضي، تعاني رسوما إضافية من الخوف الذي يجعلها من المرجح أنها سوف تفر ولا تعود مرة أخرى. وينطبق ذلك على أساتذة في جامعة الموصل في العراق و كما هو الحال بالنسبة للقرويين في نيجيريا، الكاميرون أو مالي. ومما لا يثير الدهشة، أن تقدم داعش في العراق قد أسفر عن موجات كبيرة من اللاجئين الذين لديهم كل شيء جيد جدا فكرة عما سيحدث لهم إذا كانوا لا يهربون.
و في العراق وسوريا، نحن عدنا إلى فترة من التغيير الديموغرافي الحاد الذي لم تشهده المنطقة منذ أن تم طرد الفلسطينيين أو أجبروا على الفرار من قبل الإسرائيليين في عام 1948، أو عندما أبيد المسيحيين أو طردوا من ما هو الآن تركيا الحديثة في العقد بعد عام 1914. كما يتم تقسيم المجتمعات المتعددة الطوائف في العراق وسوريا مع عواقب مروعة. قوى أجنبية إما لا يعرفون أو لا يبالون بما حققته الشياطين الطائفية في هذه البلدان من تعطيل للوضع القائم القديم.
و يذكر أن مستشار الأمن القومي العراقي السابق، موفق الربيعي، استخدم ليحدث القادة السياسيين الأمريكيين، الذين اقترحوا من غير تكلف عن أن مشاكل الطائفية في العراق يمكن حلها عن طريق تقسيم البلاد بين السنة والشيعة والأكراد، والذين عليهم أن يفهموا ماذا يمكن أن تصبح عملية دامية لتصل حتما إلى أحداث المجازر والهروب الجماعي “على غرار تقسيم الهند في عام 1947”.
لماذا الكثير من هذه الدول تتهاوى الآن وتتسبب في طوفان كبير من اللاجئين؟ ما العيوب الداخلية أو الضغوط الخارجية التي لا يمكن تحملها، لديهم من القواسم المشتركة؟ حقق معظمها تقرير المصير عندما انسحبت القوى الامبريالية بعد الحرب العالمية الثانية. وبحلول أواخر الستينات و أوائل السبعينات، كانوا يحكمون من قبل القادة العسكريين الذين يديرون الدول البوليسية ويبررون الاحتكارات في السلطة والثروة من خلال الزعم بأنها كانت ضرورية لإرساء النظام العام، وتحديث بلدانهم، والسيطرة على الموارد الطبيعية والصمود أمام الضغوط الطائفية و العرقية المتصارعة.
وكانت هذه القومية عموما والأنظمة الاشتراكية في كثير من الأحيان التي كانت علمانية بأغلبية ساحقة. ولأن هذه مبررات للسلطوية كانت عادة منافقة، المهتمة بنفسها والملثمة بالفساد المستشري من قبل النخبة الحاكمة، غالبا ما ننسى أن دولا مثل العراق وسوريا وليبيا كانت الحكومات المركزية القوية لسبب ما – وسوف تتفكك دونهم.
و هذه هي الأنظمة التي تم إضعافها وانهيارها عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. القومية والاشتراكية لم تعد توفر الغراء الأيديولوجي لعقد الدول العلمانية معا أو لتحفيز الناس للقتال من أجلهم حتى الرصاصة الأخيرة، كما يفعل المؤمنون للعلامة التجارية المتعصبة والعنيفة للإسلام السني التي تبناها داعش، و جبهة النصرة وأحرار الشام. ويعترف مسؤولون عراقيون أن واحدا من أسباب تفكك الجيش العراقي لا يدخل في عام 2014 وعدم إعادة البناء بنجاح هو أن “عدد قليل جدا من العراقيين مستعدون للموت من أجل العراق”.
كما أن الجماعات الطائفية مثل “داعش” تحمل عمدا الفظائع ضد الشيعة وغيرهم، في حالة معرفة أن ذلك سوف يثير الانتقام من السنة التي من شأنها أن لا تترك لهم أي بديل سوى أن تنظر إلى “داعش” كالمدافعين عنهم. اضافة إلى ذلك، فإن تعزيز الكراهية الطائفية تعمل لصالح تنظيم “داعش”، و قد أصاب بلدانا مثل اليمن، حيث سابقا كان هناك القليل من الوعي من الانقسام الطائفي، على الرغم من ثلث سكانها البالغ 25 مليون نسمة ينتمون الى الطائفة الزيدية الشيعية.
و من المحتمل أن يصبح الفرار الجماعي أكبر. وفي وقت سابق من هذا العام، عندما كانت هناك شائعات عن هجوم الجيش العراقي و ميليشيا الشيعة الرامية إلى استعادة مدينة الموصل ذات الأغلبية السنية الساحقة في ربيع هذا العام، بدأت منظمة الصحة العالمية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين السابقة من حيث الغذاء لإطعام مليون شخص آخر الذين كان يتوقع أن يفروا.
و قد صدم الأوروبيين بصور لجثة الصغير الغريق أليان الكردي ملقاة على شاطئ في تركيا و تجويع نصف السوريين المحشورين في القطارات الهنغارية. ولكن في الشرق الأوسط الشتات البائس الجديد من الضعفاء والمحرومين كان واضحا لثلاث أو أربع سنوات الماضية. و في أيار/مايو، كنت على وشك عبور نهر دجلة بين سوريا والعراق في قارب مع امرأة كردية وعائلتها عندما تعرضت لأمر هي وأطفالها لأن حرفا واحد ينطق اسما على تصريح لها غير صحيح.
و أضاف “لكن أنا في انتظار لثلاثة أيام مع عائلتي على ضفة النهر!” صرخت في اليأس. كنت متوجهة إلى أربيل، عاصمة إقليم كردستان، والتي كانت تطمح حتى العام الماضي لتكون “دبي الجديدة” ولكن الآن هناك جمع من اللاجئين المنزوين في الفنادق نصف المكتملة ومراكز التسوق والشقق الفاخرة.
ما الذي يجب القيام به لوقف هذه الفظائع؟ ولعل السؤال الأول هو كيف يمكننا منعها من التفاقم سوءا، مع الأخذ في الاعتبار أن خمسة من أصل تسعة حروب قد بدأت منذ عام 2011. وهناك خطر من أن ينسب النزوح الجماعي للكثيرين إلى أسباب مختلفة، بما في ذلك تغير المناخ، القادة السياسيين المسؤولين عن هذه الكوارث خرجوا من المأزق، وحرروا من الضغط الشعبي على التصرف بفعالية لوضع حد لنهايتهم.
أزمة اللاجئين الحالية في أوروبا هي كثيرا الصراع في سوريا الذي لديه تأثير حقيقي في القارة للمرة الأولى. صحيح أن الفراغ الأمني في ليبيا يعني أن هذا البلد هو الآن القناة للناس من الدول الفقيرة والتي مزقتها الحروب على حواف الصحراء. فعلى طول 1100 ميل من ساحل ليبيا، 114.000 لاجئ قد شقوا طريقهم إلى إيطاليا حتى الآن هذا العام، ناهيك عن عدة آلاف الذين غرقوا في الطريق. ومع ذلك، سيئة على الرغم من هذا، فإن الوضع لا يختلف كثيرا عن العام الماضي، عندما رسم 112.000 شخصا طريقهم إلى إيطاليا من خلال هذا الطريق.
مختلفة جدا هي الحرب في سوريا والعراق التي شهدت عدد من الناس الذين يحاولون الوصول إلى اليونان عن طريق اجتياز البحر الذي انتقل من 45.000 إلى 239.000 خلال نفس الفترة. و على مدى ثلاثة عقود، قد أنتجت أفغانستان أكبر عدد من اللاجئين، وفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولكن في العام الماضي اتخذت سوريا مكانها، و واحدة من أصل أربعة لاجئين جدد في جميع أنحاء العالم هي الآن سورية. وقد تم تدمير المجتمع كله، والعالم الخارجي لم يفعل سوى القليل جدا لوقف حدوث ذلك. و على الرغم من الموجة الأخيرة من النشاط الدبلوماسي، فإن أيا من العديد من اللاعبين في ظل الأزمة السورية يبين الحاجة الملحة في محاولة لوضع حد لها.
و توجد سوريا والعراق في صلب الأزمة الحالية على اللاجئين بطريقة أخرى، نظرا لأنه توجد هناك “داعش” والقاعدة من نوع المجموعات المسيطرة على أراضي واسعة وقادرة على نشر سمها الطائفي إلى بقية العالم الإسلامي . إنهم يقومون بتنشيط عصابات من القتلة الذين يعملون في الكثير بنفس الطريقة سواء كانوا في نيجيريا وباكستان واليمن وسوريا.
و تجدر الإشارة إلى أن النزوح الجماعي للناس سوف يمضي قدما طالما استمرت الحرب في سوريا والعراق.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد