مقالات مختارة

الأحد,24 يناير, 2016
الأزمة في تونس.. هل هي 30 يونيو جديدة بتمويل إماراتي؟

اشتعل فتيل احتجاجات تونس السبت الماضي في ولاية القصرين إثر وفاة رضا اليحياوي (28 عاما) العاطل عن العمل بصعقة كهربائية خلال تسلق عمود قرب مقر المحافظ؛ احتجاجا على سحب اسمه من قائمة توظيف في القطاع العام.

 

وتوسعت هذه الاحتجاجات لتشمل مدنا ومناطق عدة طالبت بتوفير فرص عمل وتسوية أوضاع أصحاب الرواتب المنخفضة والعاطلين عن العمل.

 

وقد أعلنت تونس أمس الجمعة حظر التجول بعد الاحتجاجات التي وصفت بالأسوأ منذ الثورة عام 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

 

إزاء هذا المشهد يتخوف محللون أن تكون الأحداث الجارية في تونس صورة أخرى من أحداث 30 يونيو 2013 في مصر والتى أسفرت عن انقلاب عسكري دموي أطاح بكل مكتسبات ثورة يناير وأعاد الدولة البوليسية القمعية في أسوأ صورها.

 

حقائق أربع

لفهم الوضع في تونس؛ هناك حقائق أربع تسهم في قراءة المشهد بصورة أقرب إلى الصواب، أولها أن الرئيس التونسي قائد السبسي تم انتخابه عبر آلية ديمقراطية، شارك فيها جميع القوى الأحزاب، وأقر الجميع بنتائجها رغم ما شابها من بعض الملاحظات من خلال شراء الأصوات، واتهامات بتدخل إماراتي مشبوه لدعم نداء تونس وقايد السبسي، كما أن الفترة القصيرة التى تولى فيها الحكم والتي تزيد عن عام قليلا، لا يمكن الحكم من خلالها على فشل أو نجاح تجربته خصوصا في الملف الاقتصادي.

 

الحقيقة الثانية أن التجربة التونسية حتى اليوم هي الأكثر نجاحا رغم ما يواجهها من عقبات؛ فلم يتم إقصاء أي فصيل سياسي على الإطلاق، كما لم يحدث بها انقلاب عسكري دموي على أي رئيس أو حكومة منتخبة كما جرى في مصر.

 

الحقيقة الثالثة أن الثورة التونسية رغم ولاء كثير من وجوه الحكومة الحالية إلى النظام القديم إلا أن القوى والأحزاب تتمتع بقدر من الحرية والممارسة السياسية هو الأعلى بين الدول العربية على الإطلاق.

 

الحقيقة الرابعة، أنه رغم سقوط الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن على إلا أن مكونات الدولة العميقة سواء في الأجهزة الأمنية والحكومة ومؤسسات الدولة لا تزال تعمل بفاعلية، وهي التي ينتمي معظمها إلى أسر وعائلات كانت تتشكل منها شعبية النظام القديم، وتولى معظم هؤلاء مناصبهم بطرق ملتوية وغير مشروعة تمت بالواسطة والمحسوبية. وهؤلاء لديهم عداء مجتمعي تجاه الثورة ومكوناتها كما أن فريقا منهم على استعداد للتعامل مع أي جهة تسهم في إعادة الأوضاع القديمة كما كانت في عهد المخلوع بن علي.

 

دور إماراتي مشبوه

ولكن .. لماذا اتخذت التظاهرات منحى الشغب والعنف؟، يجيب على هذا السؤال الصحفي المصري أسامة الصياد في تقرير له بموقع نون بوست بعنوان “من يعبث بالمشهد التونسي في ذكرى الثورة؟» حيث يقول الصياد: « صرح الحبيب الصيد رئيس الحكومة بأن الاحتجاجات الآن لم تعد سلمية في بعض المحافظات وأن الحكومة ستتحمل مسؤولياتها على كل حال، في ظل توجيهات للأمن التونسي بالتعامل بأقصى درجات ضبط النفس، وهو ما ظهر بالفعل في التعامل مع الاحتجاجات الأخيرة بحسب ما أكد ناشطون لنا من الداخل التونسي.

 

لكن اتساع رقعة الفوضى اضطرت الحكومة التونسية إلى إعلان حظر التجوال ليس فقط في مناطق الاضطراب ولكن في كافة المدن التونسية من الساعة 8 مساءً وحتى 5 فجرًا، في تطور جديد للأحداث.

 

وهو ما يطرح السؤال لماذا اتخذت التظاهرات هذا الشكل العنيف الذي أسماه البعض بالتخريبي رغم البدايات السلمية للحراك، يجيب عن هذه التساؤلات الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل المكلف بشؤون الإعلام، سامي الطاهري، في تصريحات صحفية يؤكد فيها أن عناصر مشتبه في انتمائها لمجموعات إرهابية ومجموعات تهريب أخرى دخلت على خط الاحتجاجات.

 

وقد ظهر ذلك جليًا في أحداث السرقة والنهب التي شهدها حي التضامن في العاصمة التونسية، ويقول الطاهري أن هناك ثمة معطيات أكيدة من نشطاء في التظاهرات تؤكد أن أموالًا تعطى لبعض اللصوص من أجل تصعيد الشغب مع الأمن والقيام بعمليات اقتحام وحرق للمنشآت.

 

ورغم ذلك في إن الاتحاد العام التونسي للشغل يدعم حق الشباب المهمش في المطالبة بحقوقهم في التشغيل، وقد بدأ الاتحاد بالفعل في التجهيز لدعوة إلى حوار وطني حول قضية البطالة في تونس للعمل على حلها، على غرار الرباعية التونسية التي ساعدت في تخطي تونس لأزمتها السياسية.

 

الأحاديث عن العناصر المندسة في أوساط التظاهرات أحيانًا لا تلقى مصداقية من جانب الجمهور لا سيما وإن خرجت من الحكومات، لكن تأكيد بعض قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل -وهي منظمة نقابية مشهود لها بالنزاهة في الأوساط التونسية-، عن وجود أموال مشبوهة من دول عربية -تحفظوا على ذكر اسمها- تدفع لتأجيج الصراع في الشارع التونسي، يجعل مصدقية هذا التفسير أعلى في أسباب جنوح التظاهرات السلمية إلى العنف.

 

وهو نفس الشيء الذي أكده وزير الداخلية التونسي الجديد في تصريحاته عن رغبة بعض الأطراف في توريط الجهاز الأمني في صراع جديد مع الشعب من خلال هذه الأحداث».

 

الديمقراطية في خطر

من جانبه، قال رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد في مؤتمر صحفي عقده اليوم السبت عقب اجتماع وزاري استثنائي بحث التطورات الأخيرة إثر تصاعد وتيرة الاحتجاجات المطالبة بالتشغيل والتنمية، إن “مصلحة الوطن في خطر”، مشيرا إلى أن البلاد تواجه عدة تحديات.

 

وذكر الصيد أن تونس مرت بمرحلة انتقالية هامة أفضت إلى ميلاد ديمقراطية شابة، إلا أن عددا من المخاطر تهدد هذه الديمقراطية، مؤكدا أن المضي في المسار الديمقراطي خيار لا رجعة فيه ولا يمكن التشكيك في ذلك.

 

وكان الحبيب الصيد، رئيس الحكومة التونسية، اضطر لاختصار جولته الأوروبية والعودة للبلاد، وأكد في وقت سابق أن الوضع يتجه نحو الهدوء، وأن الأسباب التي تقف خلف الاحتجاجات اقتصادية بالأساس.

 

وترأس الصيد اجتماعا وزاريا اليوم السبت عقب اجتماع سابق عقد صباح اليوم لخلية التنسيق الأمني والمتابعة. وقالت وكالة الأنباء التونسية الرسمية إن الاجتماع الأول ناقش الوضع الأمني والمخاطر القائمة جراء ما أسمته تعمّد المخربين والعناصر الإجرامية الانزلاق بالاحتجاجات السلمية إلى ممارسة العنف والاعتداء على رجال الأمن وحرق المراكز الأمنية والمرافق العمومية.

 

كما أكد الاجتماع، الذي جمع الصيد بوزيري الدفاع الوطني والداخلية وقيادات عليا من المؤسستين الأمنية والعسكرية، دعم التنسيق بين المؤسستين الأمنية والعسكرية لحماية الأرواح والممتلكات ومجابهة المخاطر المحدقة بالأمن القومي واستقرار البلاد وسلامة المواطنين.

 

خطاب السبسي

وجاءت هذه الاجتماعات عقب ساعات من خطاب للرئيس الباجي قايد السبسي، اتهم فيه أطرافا لم يسمّها بتأجيج الأوضاع في تونس واستغلال المطالب المشروعة.

 

وقال السبسي -في خطاب بثه التلفزيون الجمعة- إن الاحتجاجات التي اندلعت في القصرين وغيرها “طبيعية”، معترفا بأنه لا يمكن أن يقال لأحد لا يملك ما يأكله أن يصبر أكثر. ولكنه أضاف أن الحكومة “التي عمرها أقل من سنة، وجدت نفسها في وضع صعب جدا، بطالة خانقة، وسبعمائة ألف عاطل عن العمل تقريبا”.كما دعا السبسي الحكومة إلى تقديم مشروع يهدف للتخفيف من وطأة البطالة.

 

الغنوشي يدعو إلى التضامن الوطني

إزاء ذلك؛ ومع تصاعد الأحداث؛ دعا زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي، جميع التونسيين إلى التضامن الوطني، لافتا إلى أن هناك من يستغل آلام المواطنين و يستثمر فيها، متهما بعض العضابات باستغلال آلام الشباب للحرق والنهب، التي شهدتها مدن تونسية مختلفة اليومين الأخيرين.

 

وأكّد الغنّوشي في حوار مباشر مع قناة “حنّبعل”، مساء الجمعة، أنّ هناك استغلالا سياسيا للعنف، مُشبّها الأطراف التي تستثمر فيه بـ”من يريد إكساء نفسه بكفن الميّت”، بحسب تعبيره.

 

ودعا الشباب إلى عدم التخريب، قائلا: “من حقّ الشباب العاطل عن العمل أن يغضب، لكن لا بد أن يعلموا أن هذه المشاكل لا تحل في يوم”.

 

واتهم زعيم حركة النهضة بعض الإدارات الحكومية بتعطيل المشاريع التى لا بد من تيسيرها، منتقدا حدوث أعمال شغب وعنف وحرق وسرقة، وعدَّ ذلك “لا يليق بثورة تونس، مشددا أنه إذا كان الوطن مهددا؛ فالتونسيون على قلب رجل واحد لحمايته”، بحسب قوله.

 

وطالب الغنّوشي الإدارة التونسية بأن تقوم بدورها، والشباب باكتساب الخبرات العملية والحرف، معتبرا إغراق الدولة بالموظفين لا يمثل حلا لإشكالية التشغيل، “بل مطلوب تسهيل الاستثمارات في المناطق الداخلية”، وفق تعبيره.

 

وتابع بقوله “التخريب والحرق يدفع نحو الإمعان في البطالة.. نحتاج إلى تنظيم حوار وطني حول التشغيل، فاللحظة التاريخية تحتاج منا إلى التضامن الوطني”.

 

ووصف الحكومة بأنّها “ليست مثالية ولكن فيها من هم وطنيون وليسوا فاسدين ولا بد أن نعيد لبلادنا ثقافة العمل وثقافة المبادرة”، مؤكّدا أن مشكلة التشغيل في تونس ليست وليدة اليوم بل هذا ميراث قديم سابق للثورة.

 

ويضيف رئيس النهضة أنّ المحافظات الـ14 المصنّفة “مناطق محرومة” هي نتاج حقبة زمنية طويلة من الحكم تعاملت معها الحكومات المتعاقبة بعد ثورة 14 يناير، لكنها لم تقدر على الإصلاح.

 

وأبدى الغنوشي رفضه لدعوة الرئيس السابق منصف المرزوقي الذي دعا في حوار له مع قناة “فرانس24” الجمعة، إلى انتخابات مبكّرة، معتبرا أنّه “من غير المنطقي إجراء انتخابات جديدة بعد عام من الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2014”.

 

وأضاف الغنوشي أنّ حكومة الحبيب الصيد وطنية، مشدّدا على أنّ الحكومات السابقة نفسها عجزت عن حل معضلة البطالة.

 

الكاتب المصري محمد فتحي