مقالات مختارة

الأحد,19 يونيو, 2016
ازداوجية القول والفعل

الشاهد_ نشرت مجلة افريقيا الفتاة في عدد 1530 ليوم 30/04/1990 حديثا مطولا مع السيد محمد الشرفي وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ورئيسها الشرفي حاليا. ونظرا لأهمية هذا الحدث وخطورة عدد غير قليل من المواقف المضمّنة فيه فإنّنا نتناوله بالنظر والتحليل.

1- هويةّ تونس محلّ شكّ : لم يطل الحديث بالسيّد محمد الشرفي حتى أرسى على إحدى قناعاته المتمثلة في التشكيك في عروبة تونس وإسلامها حيث يقول : ” …يعود تاريخ تونس إلى ثلاثة آلاف عام وقد عمّرها البربر والفينقيون والرومان والوندال والعرب وسكان هذا البلد اليوم هم نتاج هذا الخليط العجيب فلماذا نريد تغليب المظهر العربي والبعد الإسلامي على غيرهما …”

وليسمح لي السيّد محمد الشرفي أن أسأله بكلّ سذاجة ما هي أبعاد الحضور الفينيقي غير أسطورة تائهة في الزمن؟ وما هي عناصر تأثير الاستعمار الروماني-و أقول استعمار- غير حنين البعض إلى الخضوع للغالب أو بعض بقايا مسارح كان يعبث فيها بحياة عبيد من مستعمرة أفريكا أو مطمورة روما كما يحلو للبعض؟ وما هو حضور الوندال غير أثر في الذاكرة عن همج أحرقوا الأخضر قبل اليابس…إنّها المغالطة الكبرى والمحاولة البائسة لاجتثاث تونس من محيطها الحضاري لتتيه على ابواب المدائن تماما كما حاول من قبل ذلك بورقيبة مدعوما بالاستعمار الجديد وأذياله ووسائله عبر مشاريع مشبوهة من قبيل “احياء قرطاج”.

والشيئ من مآتاه لا يستغرب فالسيّد الشرفي تماما كبورقيبة (خصمه القديم ورائده الجديد) قد اتخذا من بيار مانداس فرانس قدوة ومثالا.

2- مشروع لإصلاح التعليم أم تحقيق لإرادة فرد؟

لا يخفى على السيّد محمد الشرفي أنّ تعيينه على رأس قطاع التعليم وبالتحديد بعد انتخابات 2 أفريل 89 ، داخل في باب الرهان السياسي enjeu politique.

ثم يضيف أنه يعرف جيدا إلى أين يريد أن يصل معتبرا أن الذي يمسك بالمدرسة هو الذي سيصنع رجل الغد مردفا بصريح العبارة (في الصفحة الاخيرة من الحديث) واذا ما توصلت إلى تطبيق إصلاح للنظام التربوي كما اتصوره أكون قد بلغت منتهى المرام.

والواضح الجليّ من تجميع هذه الإشارات أنّ السيّد محمد الشرفي يدفع نحو مشروع شخصي يحقق من خلاله أحلام اليسار الهجين المتغرّب مستغلا في ذلك ‘حاجة’ السلطة في مواجهة الاسلاميين وتجفيف منابعهم على حدّ قول السيّد الوزير ولو كان ذلك على حساب ثقافة البلاد وهويتها ومستقبل أجيالها ما دام في ذلك تحقيق لمرام السلطة ولذات الشرفي الذي يختتم بالقول :”إنّي تونسي قلبي على اليسار”

3- التغريب ديماغوجيا ومشروع دوبياس هو البديل:

والسيد محمد الشرفي لا يقف عند حدّ التعبير عن النوايا والأغراض بل يتقدّم بعد ذلك خطوات مستهلا تقييمه متحاملا على رجال التعليم ناعتا إياهم بالحثالة قصد التهوين intimidation لينشئ لديهم (لدى البعض) الشعور بالصغار والدونيّة بما ييسّر إنعزالهم عن ساحة الصراع.

ثمّ يمضي بعد ذلك إلى التهجم على التعريب وإعادة بعض الإعتبار للتعليم الإسلامي معتبرا ذلك من قبيل البيداغوجيا أو الانتهازية السياسية propos à caractère démagogique ou politicienne المقصود بها قطع الطريق على اليسار المتنامي مضيفا أنّ نتائج هذا الخطأ وغيره كانت وخيمة.

كيف يعقل أن يصف تونسيّ بعض إجراءات التعريب بأنّها خطأ رغم أنّ ذلك لم يصل إلى جعل التعليم الإبتدائي معربا بالكامل وهو ما يحصل في كلّ بلاد العالم (عدا المستعمرات التي تحكم بالوكالة) .

إنّه التجني الهادف إلى الإيهام بأنّ المصائب كلّها تكمن في التعريب والتأصيل وأنّ الخلاص هو العودة إلى المدرسة البورقيبية التي عرفت أوج إزدهارها في الستينات والتي كانت المدرسة الوحيدة التي لم تفلس، أو بعبارة أخرى أنّ الخلاص هو العودة إلى تطبيق مشروع مستشار وزير التربية في أواخر الخمسينات المسيو دوبياس l’enseignement en Tunisie Janvier 1958 projet de jean debiesse والذي طبّتق في الستينات فأنتج جيلا من التائهين والهجناء والمنبتين عن حضارتهم وقيمهم .

4- المنشور 108 والتجنيد :

لقد حاول السيّد محمد الشرفي دائما بدون كبير فائدة أن يحصر خلافه مع الإسلاميين في مسألة حقوق الإنسان ظنا منه أنّه مجال تفوقه وضعفهم وعليه فأحبّ (من هذه الزاوية) أن أتوقف عند مسألتين قد وردتا في تصريحات السيد الشرفي ‘لإفريقيا الفتاة’. فبخصوص المنشور 108 إعتبر أن هناك مناشير مملاة من 4 أو 5 سنوات (الصحيح منذ 9 سنوات و 3 سنوات) ولم يناقش مشروعية تلك المناشير ودستوريتها وتطابقها مع مبادئ حقوق الإنسان التي يتغنى بها بل إنّه يقرّ تلك المناشير عمليّا حيث يقول “أنا لم أفعل شيئا غير تطبيق المنشور غلى المدرّسات” مضيفا أنّ أحدا لم يطرد بسبب الحجاب وهذا غير صحيح لأن عددا غير هيّن من التلميذات وقع رفتهن في أكتوبر 89 وقد اتصل وفد من رابطة حقوق الانسان بالسيّد الوزير نفسه في الغرض وتحدثت الصحف اليومية وغيرها عن ذلك في إبانه. ويحتجّ السيد الشرفي على تمسكه بالمنشور الفضيحة أنّ الحجاب ينقل رسالة سياسية وليسمح لي السيد محمد الشرفي أن أسأله كيف غابت عنه هذه الحجّة البالغة يوم كان في جمعية أدانت في مؤتمرين متتاليين المنشور 108/81 ثمّ المنشور 108/81 ثانية والمنشور 29/87 أم أنّ لكلّ مقام مقال؟ ثم آ ليس في السفور وتقليد الغرب رسالة ثقافية سياسية !

5- أمّا بخصوص التجنيد فقد سقط السيد الرئيس الشرفي للرابطة في نفس المطبّ فبعد أن كان يدين إستعمال الخدمة العسكية للعقاب لما في ذلك من تدنيس للواجب الوطني المقدس ها هو اليوم يقبل بذلك بل يعتبره مشروعا وناجعا تماما كما هو الأمر بالنسبة للحضور البوليسي في الجامعة.

والشؤال المطروح اليوم أيّ الموقفين نحاسب عليه السيد الشرفي آ هو موقفه الجديد أم موقفه لمّا كان في قيادة الرابطة؟ أم الموقفين كلّ في مقام وفي أوان؟ إنّه إزدواج الفعل وهو لا شكّ أفظع من إزدواج الخطاب .

6- الديمقراطية ليست للجميع :

“أعرف أنّ الديمقراطية ليست صالحة إلّا مع أطراف تملك عقلية ديمقراطية “

فالسيد مجمد الشرفي فضلا على أنه يصنّف التونسيين على أساس أنّ لبعضهم عقلية ديمقراطية دون غيرهم فهو يمرّ إلى تطبيق هذه المقولة معتبرا إياها كافية لتبرير عمليات مداهمة الأحياء الجامعية والكليات وتعنيف الطلبة واللجوء إلى إتخاذ التجنيد شكلا من اشكال العقوبة موضّحا :”إن تصريف الشؤون (واضح أنه يعني شؤون الحكم) يفترض إستعمال أساليب نحبّ أحيانا إجتنابها. إنّ الحقيقة تفرض اللجوء إلى إجراءات صعبة فأنا مثقف تقدمي يمارس السياسة ” .

وقد يتبادر إلى الذهن أنّ هذا الذي ذهب إليه السيد محمد الشرفي لم يكن خيارا وانما كان خطأ دفعت إليه ملابسات الأحداث الجامعية لا غير لكنّ المتحدّث لا يقف عند هذا الحدّ بل يقف بعيدا في خيار الإقصاء والإستثناء (تماما كما إبتدع اليونان ديمقراطيتهم للأسياد فقط دون غيرهم) فيجيب عن سؤال واضح عمّ إذا كان مع أو ضدّ تقنين حزب النهضة :” الرئيس قالها بوضوح في خطابه ليوم 7 نوفمبر 1987″ إنّه لا سبيل للخلط بين الدين والسياسة.

وهذا موقف صحيح فكلّ الذين مارسوا السياسة بإسم الدين سقطوا في الدكتاتورية. “إنّ الحزب الديني خطر”
وهل النهضة حزب ديني؟

في الوقت الحاضر نعم

والناتج -دائما على سبيل المناورة- لا للإعتراف بحركة النهضة والسبب دائما على لسان السيّد محمد الشرفي (رجل المبادئ والرئيس الشرفي لرابطة حقوق الإنسان) : هل أنّ إعترافا لا يؤدي إلى تقوية حزب ديني مثل النهضة أمر تتحمله البلاد ؟ على الأقل (يجب) طرح هذا (السؤال).

بقي أن سؤالا آخر لم يطرح : ما هي الحجة التي إستند عليها السيد محمد الشرفي لإقصاء حركة تونسية واسعة الحضور؟

هل استند في ذلك إلى دستور البلاد وفصله الثامن؟ أم استند إلى التصريح العالمي لحقوق الإنسان وفصوله 19 و20 و 21 ؟ أم إلى الميثاق الوطني الذي أشرف على وضعه؟ أم إلى ..؟

سحنون الجوهري – 5 ماي 1990