الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الخميس,5 مايو, 2016
ماذا يريد راشد الغنوشي ؟

الشاهد_محاولة للاقتراب من راشد الغنوشي الرقم واحد في الساحة الاسلامية التونسية وربما العربية واحد الفاعلين في الساحة الاقليمية كرجل سياسة وكمفكر منتج في المشهد الاسلامي ، هذا المشهد الذي لم يعد يعني العالم الاسلامي فحسب ، لان الغرب أصبح اكثر الحاحا من اي وقت مضى على الاقتراب من الاسلام المفعّل في شموليته وليس ذلك الذي يقتصر على الاركان الخمس وينحو الى الانكماش في دور العبادة .

بعيدا عن النوايا وقريبا من السلوك والممارسة يمكن القول ان الغنوشي بات يعتمد بشكل كليا على فن الممكن ولديه قدرة كبيرة على الاقتراب من الصورة وفحصها ومن ثم التفاعل معها دون الجزع منها او السعي الى الهروب من تكاليفها والاحتماء بالمعاني الجميلة ، وهو لا يقول بمفهوم الوفاء الحرفي والمستعجل لاهداف الثورة ولا يعمل على استخلاص الحق المطلق و واستنقاذ العدل في حلله الزاهية والى ذلك من المعاني النبيلة التي سقط من اجلها الشهداء وسالت في سبيلها دماء كثيرة خلفت لاصحابها عاهات مستديمة. يبدو الغنوشي في قطيعة مع الحق الثوري في كلياته وزخمه العالي ويلوح غير مستعد على الانكباب حول الثورة في زينتها الاولى كما لقحها ضحى سبعطاش ديسمبر وكما ولدتها امسية اربعطاش جانفي ، يميل الغنوشي الى التقسيط وربما التقسيط المريح في الوفاء للثورة ومضامينها الجميلة ، وتقضي فلسفته بالابتعاد عن الوفقات النضالية الكبرى واعتماد المرحلة والجزء ، وهو من الشخصيات التي تتجنب التحشيد للحظات الفاصلة بل يكره المفاصلة ويجنح الى ثقافة النفس الطويل .

حين نتابع اداء الغنوشي بامعان تحصل لدينا قناعة ان زعيم النهضة عمد الى اهداف الثورة فقسمها وبوبها واعتمد اسلوب الاهم فالمهم ، ورصد علامات لم يسميها وانما دلت عليها خياراته ، وضع في سلم اولوياته السعي الى منع السقوط النهائي للثورة والعودة الى مربع ما قبل 17 ديسمبر ، ثم في درجة ثانية الحفاظ على التداول السلمي على السلطة وان كان محفوفا بالتدليس الغير مباشر والتوجيه المخالف للسلوك اليمقراطي واستغلال المرافق العامة واستعمال الكاسحات الاعلامية لابتزاز الناخب ، ففي ثقافة الرجل كل تلك المنغصات قابلة للتصفية مع الوقت طالما ظلت الصناديق هي الفاصل والهيئة المشرفة حرة ونزيهة وطالما ضل شبح التزوير المباشر تحت السيطرة موصودة دونه الابواب .

من خلال قول و فعل الغنوشي تبدو الحرية لديه بمثابة “عجب الذنب” والمادة الخام والخميرة التي لا بديل عنها في كل مشاريع البناء الديمقراطي ، وجميع المشاريع التي تبنى على قواعد فاقدة للحرية مهما بدت براقة ومغرية فهي تختزل بذور الفناء في احشائها ، تلك مفاهيم الرجل التي تبناها والتي تقود خياراته وتبذو جلية في جميع السياسات التي تبناها ، وان كان الغنوشي يعبر من الحين للآخر عن احترامه لانتصارات الثورة المعنوية فانه ليس بالشغوف ولا يعتبر احد مريدي هذا النوع من الانتصارات ، وتراه يبحث عن الانتصار الملموس الذي يخلف تبعات ايجابية وان كان انتصارا خافتا منقوصا ، وقد ترجم ذلك حين ارتضى الاقتراب من رموز المنظومة القديمة التي اعادها مكون جبهة الانقاذ الى الواجهة ومكنها من السلطة ، وما يعنيه من انهزام معنوي للثورة في بريقها واشعاعها ، فعل ذلك مقابل الحيلولة دون وقوع الانتكاسة الكبرى او اصابة الحريات في مقتل قد يصعب تطبيبها وتنتهي تونس الى ما يشابه السيناريو المصري .

يقول بعض خصوم الغنوشي ان زعيم النهضة لم يتحرك باتجاه المنظومة القديمة ويفتح معها قنوات تواصل خشية على الثورة وانما فعل ذلك خشية على حركته ، واتهموه بتامين الحركة على حساب الثورة ، وهي في الحقيقة اراء تتجاهل التداعيات الكارثية لتصفية الاسلاميين من اي مشهد ، وتتغافل عن التصحر الذي اجتاح الحياة السياسية في تونس اثر عملية الاجتثاث الرهيبة التي نفذها بن علي ضد الاسلاميين ، حينها فشلت البلاد بدونهم في التحرك خطوة واحدة الى الامام ، وانتهت الى اكبر عملية قحط و جفاف سياسي شهدته تونس حلال عصرها الحديث والقديم ، ايضا لم يستوعب هؤلاء التجرب المصرية التي تحالفت فيها جميع القوى من يسارها الى ازلامها ضد الاخوان وقاموا باقصائهم بالحديد والنار على اساس التمكين لثلاثي الخيار المدني “البرادعي ، موسى، صباحي” ، لكن وبعد الانتهاء من الاخوان اتضح ان الامر ” كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا” ، وبان بالكاشف ان لنتقال ديمقراطي دون وجود الاسلاميين يشبه الى حد بعيد ذلك الحمل الكاذب ، من هنا يتبين ان القضاء على النهضة واخراجها خارج المعادلة يعني انتهاء العمر الافتراضي لعملية التحول الديمقراطي في تونس ، لان البلاد ستجد نفسها امام سيناريو التسعينات وسيناريو ما بعد الانقلاب العسكري في مصر ، ولا نحسب انه يمكن الحصول على ديمقراطية زاهية وتداول سلمي على السلطة وصناديق عذراء شريفة بريئة من الخطيئة ، بالتوزاي مع اقصاء اكبر مكون حزبي في تونس . لقد اثبتت التجارب في جميع الدول العربية و الاسلامية ان الديمقراطية دون الاسلاميين تعني دكتاتورية مقنعة سيفتضح امرها مع اول اختبار جدي ، تماما كتلك الفتاة الذميمة التي تداعى اليها خبراء الحلاقة والتجميل وهيؤها واعدوها في احسن مظهر ودفعوها برفق لتسرح فوق البساط الاحمر الناعم ، فاذا بها تمطر .. لتقوم “النو” بالكشف عن جريمة التدليس الكبرى .

ليس ذلك انتصارا لرؤية الغنوشي على حساب رؤى اخرى ، وليس بالنقل الحرفي لسياسات الرجل المنطوقة ، انما هو استنطاق لمجرى اقول وافعال زعيم النهضة ، وان كنا لا نحتلف في ان الغنوشي بصدد هندسة توافق اثار هالة من الجدل وفيه من الجراة الكثير ، فاننا لا نجزم بمآلات هذا التمشي ، ايضا لا نعلم هل الاطراف التي شيدت معه التوافق حين فعلت ذلك كانت تبسط اجنحة الحمام ام انها تدس انف الثعالب .

نصرالدين السويلمي