مختارات

الجمعة,7 أغسطس, 2015
اختطاف 7 متهمين بالإرهاب بعد إطلاق سراحهم يثير جدلا واسعا في تونس

الشاهد _ أثارت عملية اختطاف سبعة من المتهمين بالإرهاب من طرف عناصر أمنية بالزّيّ المدني، مباشرة بعد إطلاق سراحهم من طرف القاضي الذي باشر قضيتهم، جدلاً واسعًا في الوسطين الحقوقي والسياسي، بلغ حدّ اعتصام عدد من المحامين داخل المحكمة، ثم تنظيم آخرين لوقفة احتجاجية، واعتبار العملية “خطيرة جدا”.

إيقاف دون علم النيابة

وقد أفاد المرصد التونسي لاستقلال القضاء أنه “بلغ إلى علمه من مصادر مباشرة لدى المحكمة الابتدائية بتونس أنه تمّ بداية من الساعة الحادية عشر من مساء يوم الثلاثاء الرابع من أوت 2015 الإذن من قبل النيابة العمومية بالمحكمة المذكورة للسلطات الأمنية بالاحتفاظ بالمتهمين السبعة في إحدى القضايا الإرهابية بعد أن تمّ الإذن بإطلاق سراحهم من قبل قاضي التحقيق المتعهد بملف القضية“.

وأكد المرصد التونسي لاستقلال القضاء في بيان اطلع عليه “التقرير” أنّ الاحتفاظ “قد تمّ بناء على أدلة جديدة تشير إلى شبهة ارتكاب هؤلاء لعمليات إرهابية“.

وأضاف أنّ “هؤلاء السبعة المتهمين تمّ احتجازهم من قبل السلطات الأمنية بداية من الساعة السادسة من مساء يوم 4 أوت 2015 إلى الساعة الحادية عشر من نفس اليوم دون علم النيابة العمومية التي لم تأذن بإيقافهم طيلة تلك المدة وهو ما يتناقض مع تصريح أدلى به وزير الداخلية هذا اليوم الخامس من أوت 2015“.

 

اختطاف من غرف الإيقاف

وقال رئيس مرصد الحقوق والحريات بتونس، المحامي أنور أولاد علي، إنه: “تمّ اختطاف 7 متهمين من غرف الإيقاف بالمحكمة الابتدائية بتونس إلى جهة غير معلومة من قبل أشخاص كانوا على متن 3 سيارات“، مضيفًا أنّ قاضي التحقيق المتعهد بقضيتهم “كان قد أذن بإطلاق سراحهم“.

وأشار أولاد علي أنّ عملية الاختطاف “تمّت عند الخامسة مساءً عند خروج المتهمين من مقر الإيقاف باعتبار أنّ قاضي التحقيق أمر بإطلاق سراحهم“، مشيرًا إلى أنّ وكيل الجمهورية المتعهد بالتعذيب “عاين على المتهمين آثار تعذيب شنيعة وتمّ تحرير ذلك في محضر رسمي على أن يتسلموا أمس الأربعاء 5 جويلية 2015 تساخير ليتمّ عرضهم على الطب الشرعي بمستشفى شارل نيكول“.

وأكد في تصريح إذاعي أنّ عملية الاختطاف تمت “بعد أن قام ممثل النيابة العمومية بالتحرير عليهم في شكاية التعذيب التي تقدم بها محاموهم الذين تفاجؤوا بثلاث سيّارت تتجه نحو غرف الإيقاف واختطاف السبعة متهمين والانطلاق بسرعة جنونية إلى وجهة غير معلومة“.

الرابطة تندد

وندّدت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، في بيان لها، “بأعمال التعذيب مهما كانت مبرراتها وتطالب بفتح تحقيق في شأنها“.

وقالت الرابطة، إنه: “على إثر الإعلام الصادر من المحامين النائبين في القضية التحقيقية 36679 وموضوعها إحالة 7 من المشتبه فيهم في قضية تتعلق بالإرهاب من بينهم 3 طلبة، وبعد أن عاين السيد مساعد وكيل الجمهورية المكلف بقضايا التعذيب آثار التعذيب البادية على 5 منهم، أذن بعرضهم على الفحص الطبي“.

وواصلت الرابطة في بيانها “وعلى إثر البحث قرر السيد قاضي التحقيق إطلاق سراحهم، إلا أنه تمّ إيقافهم مجددًا واقتيادهم إلى مركز الإيقاف بتعلّة وجود ملف جنائي ثان“.

مناهضة التعذيب

وقالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: “انطلاقًا من مواقفها المناهضة للتعذيب والمطالبة بضرورة صيانة الحرمة الجسدية والكرامة البشرية، فإن الرابطة تندد بأعمال التعذيب مهما كانت مبرراتها وتطالب بفتح تحقيق في شأنها“.

وأكدت الرابطة بأنّ مكافحة الإرهاب “وإن كانت أولوية وطنية فإنها لا تكون على حساب دَوْس الحقوق والحريات والاعتداء على الحرمة الجسدية والمعنوية“.

وطالب رئيس الرابطة عبدالستار بن موسى، البرلمان التونسي بـ”الإسراع بإصدار القانون المتعلق بتنقيح أحكام الإجراءات الجزائية وخاصة تمكين المحامي من الحضور أمام باحث البداية منذ الوهلة الأولى للإيقاف وذلك تماشيًا مع أحكام الدستور، داعية السلطة التنفيذية وخاصة وزارتي الداخلية والعدل إلى “تحمّل مسؤولياتها في إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية وتأطير الأعوان بالمصالح الأمنية والسجنية ومساءلة كل من يتورط في سوء المعاملة أو التعذيب قصد وضع حد للإفلات من العقاب“.

مثالاً جليًا للتجاوزات

وقال رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء، القاضي أحمد الرحموني:” ربّما كانت المعلومات التي تمّ تداولها بكثافة هذا المساء الرابع من أوت 2015 حول اختطاف 7 متهمين بالإرهاب من المحكمة الابتدائية بتونس بعد الإذن بإطلاق سراحهم من قبل قاضي التحقيق مثالًا جليًا للتجاوزات التي كانت ولا زالت تنسب لوزارة الداخلية، فإذا بأعوان هذه الوزارة (لا كلهم بالطبع ) يثبتون في هذه الحادثة أنهم قادرون على إتيان تلك الممارسات دون أن يكونوا مجبرين على تبريرها“.

الحدّ من دور القضاء

وأضاف القاضي الرحموني “يبدو أنّ هذه الواقعة، التي لا تمثل حالة قصوى مقارنة بأفعال أكثر فداحة، تشير إلى بعض المظاهر التي لا تنتهك فقط حقوق المواطن وحرياته بل تستهدف في الصميم الحدّ من دور القضاء في حماية تلك الحريات“، مشيرًا إلى أنه “ودون الدخول في جدل طويل حول تفاصيل الحادثة، من الثابت أنّ رجال الأمن قد احتجزوا عددًا من المواطنين فيما يشبه الاختطاف دون إذن من القضاء، بل دون علمه، لساعات طويلة، وهو ما أدّى إلى التحركات المشروعة من قبل المعنيين بالأمر“.

 

وختم الرحموني تعليقه، قائلًا: “من الثابت، حسب مصادر موثوقة، أنّ النيابة العمومية لم تكن تعلم باحتجاز هؤلاء؛ لأنّ السلطات الأمنية لم تبلّغها بوجودهم لديها ولا بالأسباب القانونية التي تجيز الحدّ من حريتهم.”، وبالتالي، ومهما كان، يقول الرحموني: “إنّ التمسك بوقائع جديدة أو بأسباب أخرى لتبرير ذلك الاحتجاز، لا يعفي السلطة الأمنية من إخضاع أعمالها، في كل الأحوال، لرقابة القضاء تأكيدًا لاختصاصه بحماية الحقوق والحريات من أيّ انتهاك”.

لم يثبت أي تجاوز

وللتعليق على عملية الاختطاف، فقد نظمت وزارة الداخلية ندوة صحفية، قال وزير الداخلية محمد ناجم الغرسلي: “لم يثبت أي تجاوز من طرف الأعوان وإدارة الأبحاث“، مشيرًا إلى أنه “إن ثبت أيّ تجاوز فالحكومة ستكون ممتثلة لمقتضيات القانون“.

وأوضح الغرسلي أنّ “عملية إعادة إيقاف المتّهمين تمّ بموجب إذن قضائي صدر عن وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس“، مضيفًا أنه “أثناء تقديم الموقوفين أمس للنيابة العمومية تبين وجود أدلة واضحة وجلية تتعلق بمعطيات إرهابية وبقضية إرهابية كانت محلّ بحث مع أطراف أخرى، وقد تبين أنّ الموقوفين مورطين في مخطط ما سيقع الكشف عنه لاحقًا“، وفق تعبيره.

وصلت الرّدّة

أما القيادي في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (حزب الرئيس السابق المرزوقي)، طارق الكحلاوي، فقد أبدى استغرابه واستنكاره، وقال: “الآن، وصلت الرّدّة عن الحد الأدنى من الانتماء للجنس البشري إلى نقاش حول ما إذا كنا نحتاج إلى قضاء أم لا، لأنّ القبول بحقّ الشرطة في تقرير من يقع حبسه من عدمه بدون تدخل القاضي، هو في النهاية تعبير عن عقلية: ماذا نفعل بالقاضي؟“.

 

طارق الكحلاوي

وأضاف الكحلاوي “ربما يكون المتهمون السبعة مرتبطين بالإرهاب، لكن قد نخلق منهم فعلًا إرهابيين لو اعتمدنا أساليب متخلّفة، ولن نعرف الحقيقة بتعدّي البوليس على القضاء وأيضًا بالتعذيب لأيّ متّهم بدون محاسبة (يبقى المتهم بريئًا حسب قوانين البشر حتى تثبت إدانته إلاّ إذا اعتمدنا قانون الغاب) وذلك أيضًا القبول بعقلية تصفية الحسابات، مثل عهد الأمن والأمان”، متمنّيًا أتمنى أن يذهب كل منا في حاله، من يريد العيش في جمهورية القانون والفصل بين السلطات، أو “جمهورية البحث يجيب“.

لجنة برلمانية

وردًا على ما حصل، فقد أعلنت رئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان)، خلال الجلسة العامة المنعقدة، يوم أمس، على تكوين لجنة تضمّ ممثلين عن الكتل النيابية وذلك لمتابعة ما يعرف بـ”حادثة إعادة إيقاف 7 متهمين في قضية إرهابية أمام المحكمة الابتدائية بتونس“، وإعداد تقرير في الغرض خاصة بعد تداول أخبار عن تعذيبهم.

طارق الجبالي