كتّاب

الجمعة,8 أبريل, 2016
اتساع الهوة بين السبسي والمعارضة التونسية

JOURCHI-21

صلاح الدين الجورشي

تزداد الهوّة يوماً بعد يوم بين الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، ومختلف أحزاب المعارضة، وبالأخص “الجبهة الشعبية”. ففي تصريحاته الأخيرة، اتهم السبسي أخيراً هذه المعارضة بكونها تمارس “الإرهاب الذهني على رئاستي الحكومة والجمهورية”، وبأنها ليست إيجابية ولا موضوعية في تعاملها مع السلطة القائمة. وقد أثارت هذه التصريحات غضب أحزاب المعارضة داخل البرلمان وخارجه، التي رأت في ذلك تجاوزاً من قِبل رئيس الدولة لصلاحياته ولموقعه كرئيس لكل التونسيين.

ليست هذه المرة الأولى التي يتجدد فيها الاشتباك بين الطرفين، إذ سبق لهذه الأحزاب أن انتقدت السبسي في أكثر من مناسبة، ونجحت في إسقاط المشروع الذي قدّمه عن “المصالحة” مع رجال الأعمال المتهمين بالفساد خلال حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وهو المشروع الذي لا يزال السبسي يدافع عنه بإصرار، ويرى فيه الصيغة الممكنة والضرورية لتحقيق الوحدة المطلوبة في هذه المرحلة، وقد أكد ذلك في الحديث الذي أجراه أخيراً مع وسائل إعلام محلية، إذ اعتبر أن خروج البلاد من وضعها الراهن “يبقى رهن تفعيل المصالحة الوطنية والاقتصادية”.

وحاول السبسي بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية، أن يجعل من نفسه الشخصية القادرة على جمع كل الفاعلين السياسيين، وقد التقى في مناسبات عديدة بممثلي أحزاب المعارضة، واستمع إلى وجهات نظرهم، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى بناء ثقة دائمة بين الطرفين، ولم يفضِ إلى تقريب وجهات النظر حول المسائل الأساسية.

ويعود هذا التباعد إلى عدة أسباب، أولها أن المعارضة تتهم السبسي بالانحياز إلى حزب “نداء تونس” الذي يعود له الفضل في تأسيسه، وخاض الانتخابات الرئاسية باسمه. وهو ما يتعارض مع منصب رئاسة الجمهورية الذي يشترط على الرئيس المنتخب الاستقالة الفعلية والكاملة من الحزب الذي ينتمي إليه، وأن يتخذ مسافة موحّدة من جميع الأحزاب دون تمييز او استثناء. من جهته ينفي السبسي هذا الاتهام، ويعتبر نفسه في خدمة الدولة والشعب، ويعتقد أن ما فعله لمعالجة أزمة حزب “نداء تونس” كان من باب النصيحة ومسعى منه ليجنّب البلاد الوقوع في الفوضى السياسية.

أما السبب الثاني لهذا التباعد، فهو الاختلاف بين الطرفين حول دور المعارضة، إذ يقول زياد لخضر، رئيس حزب “الوطنيين الديمقراطيين الموحّد” الذي يشكّل طرفاً أساسياً من مكوّنات “الجبهة الشعبية”، إن “ما نراه أنّ الناس يريدون معارضة حسب الطلب وهو ما يذكّرنا في مرحلة سابقة حين كانت تُسمى بالمعارضة الجدية والمسؤولة. واعتقدنا أن هذه المرحلة يجب الخروج منها ولا يمكن أن يكون ذلك من دون ثمن”. من جهته، يشدد السبسي على أنه لا ينفي البُعد النقدي في رسالة المعارضة وفي مهمتها، لكنه يلحّ على ضرورة أن تتعامل أحزاب المعارضة بمسؤولية مع مكوّنات السلطة التنفيذية، وتتخلى عن أسلوب الرفض الآلي لكل ما تقوم به الحكومة حتى ولو كان لصالح البلاد.

ثالث الأسباب التي تؤدي إلى التباعد بين الرئيس التونسي والمعارضة، هو الاختلاف الجوهري بين الطرفين حول تقييم أداء حكومة الحبيب الصيد. إذ يعتقد السبسي أن رئيس الحكومة “يقوم بواجبه بالشكل المطلوب على الرغم من الضغوط الشديدة التي يتعرض لها”، وأنه “حقق نسبة نمو تُعتبر في الوضع الراهن وعلى ضوء تراكمات المرحلة الانتقالية، إيجابية”. في حين تنطلق المعارضة من تقييم مختلف، وتعتبر أن هذا الكلام للرئيس التونسي “جاء في لحظة يلمس فيها عموم التونسيين بعض الفشل للسلطة التنفيذية في تحقيق ما يطمحون إليه”، بل إن القيادي في الحزب الجمهوري، عصام الشابي، يرى أنّ رئيس الدولة “يشعر بأنّ الوضع شائك وغير قادر على حلحلته بالشكل الذي يريده التونسيون، وهو ما يجعله يرد بأسلوب متشنج”، حسب قوله.

ويرى مراقبون أن من حق المعارضة أن تنتقد رئيس الجمهورية، لأن ذلك من دورها وجزء أساسي من رسالتها، لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أنها مُطالَبة بتقدير الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، إلى جانب مراعاة الصلاحيات التي ينصّ عليها الدستور، والتي تجعل المسؤولية الرئيسية في السلطة التنفيذية لرئيس الحكومة.

ويقول البعض إن ما يزيد في إزعاج السبسي، أن انتقاده الشديد لأحزاب المعارضة يأتي في سياق سياسي تشهد فيه شعبيته تراجعاً متزايداً، إذ كشف استطلاع رأي أنجزته مؤسسة “سيغما كونساي” أخيراً عن تراجع السبسي إلى المرتبة الثالثة في شعبيته بعد كل من وزير التربية، ناجي جلول، ونائب رئيس مجلس النواب، عبد الفتاح مورو.