الرئيسية - عالمي عربي - فيديو

الخميس,24 سبتمبر, 2015

ابحثوا عن وطن آخر .. كيف دمر الجيش المصري رفح؟!

الشاهد_العنوان أعلاه استخدمته نصًا منظمة هيومان رايتس ووتش (Human Rights Watch) أهم منظمة لمراقبة حقوق الإنسان وأنشطة الحكومات في العالم. المنظمة غير الربحية وغير الحكومية أصدرت تقريرًا بالأمس مكون من أربع وثمانين صفحة موثقة تشرح فيه كيف قام الجيش المصري بواحدة من أكبر عمليات التهجير القسري لآلاف من عائلات مدينة “رفح” المصرية في شمال سيناء والمتاخمة للحدود المصرية الفلسطينية بهدف إنشاء منطقة عازلة على الحدود ضمن خطة محكمة، خطة لم تكن وليدة اللحظة أو التهديدات التي يؤكد على وجودها يوميًا الرئيس المصري الجنرال “عبد الفتاح السيسي” وإنما هي من عهد الرئيس المخلوع (محمد حسني مبارك)، خطة ومنطقة عازلة كانا يراد لهما التنفيذ بضغط أمريكي إسرائيلي منذ سنوات حتى أصبحا حقيقة الآن بفضل النظام المصري الجديد.

اعتمد التقرير على معلومات تم أخذها عن طريق عدد من الصحفيين والناشطين من سيناء، وتحدثت المنظمة أيضًا مع 11 عائلة مصرية من المطرودين والمهجرين قسرًا من المنطقة العازلة مع تحليل شامل لخمسين صورة التقطتها الأقمار الصناعية فوق سماء رفح مسلسلة زمنيًا في الفترة بين 11 مارس 2013 و15 أغسطس 2015، وفي هذا التقرير المعلوماتي سنحاول تقديم ملخص لنقاط التقرير البحثي الرئيسية للمنظمة وأهم الأرقام والمعلومات التي وردت فيه.

1- الأرض الخراب!

(الصورة بالأعلى بالقمر الصناعي لجزء من رفح المصرية قبل عملية الهدم والإخلاء، والصورة بالأسفل لنفس المنطقة بعد نسف المنازل ولم يبق إلا مبني واحد)
أريد أن أصرخ أمام الكاميرا ليرى العالم ما لحق بنا من انتهاكات إنسانية وتهجير قسري،ولكن سينتظرني فورًا الاعتقال إن لم يكن القتل)، أحد سكان المرحلة الثالثة من عمليات التهجير القسري
بعد عزل الرئيس السابق (محمد مرسي) عن طريق القوات المسلحة المصرية في الثالث من يوليو لعام 2013 وفي ذروة التوتر المجتمعي والسياسي المصري قام الجيش المصري بأوامر واضحة من الأمانة العامة للقوات المسلحة ببدء عملية نوعية للتمهيد لإقامة منطقة عازلة بالتدريج على الحدود المصرية الفلسطينية بدعوى هدم الأنفاق التي تكمن تحت منازل أهالي (رفح المصرية) وهي الدعاوي التي نفاها أهالي المدينة بإصرار شديد ولم يثبتها الجيش، وإنما استمر بالقوة الجبرية في هدم المنازل وتهجير السكان المصريين والبداية كانت بخمسة عشر منزلًا على الأقل على الحدود مما تبعه مظاهرات قام بها المئات احتجاجًا على الهدم، قوة جبرية قال عنها الشيخ إبراهيم المنيعي – رئيس اتحاد قبائل سيناء – إنها عملية في غاية الخطورة والهمجية وأن الجيش يفجر المنازل بلا فترة تحذير كافية وينسفها فوق ممتلكات ومتاع الأهالي بلا تعويضهم بأي شيء (حسبما قال).

في الفترة من يوليو 2013 إلى أغسطس 2015 وعلى مدار أكثر من عامين هدمت القوات المسلحة المصرية 3255 مبنىً على الأقل تنوعت بين مبان سكنية وتجارية وإدارية ومجتمعية (مدارس ووحدات صحية) وطردت بالقوة عدة آلاف من المصريين القاطنين في “رفح المصرية”، عملية تمت على ثلاث مراحل وتم فيها تدمير 685 هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة (ما يوازي 1692 فدان تقريبًا)، والأسر التي هُجرت أصبح عدد لا بأس بها بلا مأوى بعد نسف منازلهم التي توارثوها أجيالًا عن أجيال، والبعض الآخر في خيام أو أكواخ أو في أراض مفتوحة مع تفرق آخرين بين مدن سيناء وقبائلها أو إلى القاهرة والدلتا.

يمكن فصل ما حدث في شمال سيناء (ورفح المصرية بالأخص) إلى فترتين زمنيتين، ما قبل عملية تنظيم (أنصار بيت المقدس) الكبرى الأولى ضد الجيش المصري وما بعدها، ففي الرابع والعشرين من أكتوبر لعام 2014 قام التنظيم بتنفيذ هجوم انتحاري قُتل فيه 26 جنديًا بالإضافة إلى ثلاثة آخرين في هجوم متزامن لترتفع الحصيلة لـ 29 جنديًا بالإضافة إلى عدد مماثل من المصابين، بعد العملية أصدر رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب مرسومًا بعزل وإخلاء مساحة طولية تقدر بـ 79 كيلو مترًا مربعًا على الحدود مع عمق بين 5:7 كيلو مترات للداخل السيناوي، منطقة يسكنها 78 ألف مصري هم أهالي رفح المصرية، بعد المرسوم صرح اللواء أركان حرب عبد الفتاح حرحور محافظ شمال سيناء أن القوات المسلحة هدمت 122 منزلًا فقط، رقم نفته هيومان رايتس بتحليلها لصور الأقمار الصناعية في الفترة الزمنية المحددة لتجد أن الجيش نسف 540 منزلًا في الفترة ما بين الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي وبين إصدار المرسوم وهو ما يمثل أربعة أضعاف الرقم الرسمي المصري بلا أي داع، أما ما بعد العملية فقد نسف الجيش المصري 2715 منزلًا، عدد بالغ الضخامة قد يبدو مبررًا في إطار مصطلح (الحرب على الإرهاب) لكن المنظمة ستبين خطأ ذلك مباشرة!

2- مخالفة القوانين الدولية والإنسانية

أنت ضابط جيش، هل تتصور أنني لا أستطيع أن أذهب لرفح وأحاصرها وأخرج السكان منها ثم أفجر المباني الموجودة فيها؟! بالطبع نستطيع، لكننا بذلك نشكل عدوًا ضد مصر، والأمن يكون بالتواجد لا بالقتال، هؤلاء أهلنا، وحينها يمكننا أن نستدعي حالة انفصال جنوب السودان حيث كانت المعالجة أمنية فقط. *الفريق أول: عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع أثناء لقاء مع ضباط الجيش المصري في ديسمبر 2012.
يواصل تقرير “هيومان رايتس” تأكيده على أن العمليات الانتحارية – المتصاعدة منذ أكتوبر 2014 – ضد قوات الجيش المصري المتواجدة في شمال سيناء والتي نفذها تنظيم “أنصار بيت المقدس” ربما وفرت الذريعة المناسبة لإقامة المنطقة العازلة بالكامل لكن هذا غير صحيح، وفقًا للمنظمة، فالأنظمة المصرية المتعاقبة أعدت لسنوات خطوات وسيطة لإقامتها.

في 2007 واستجابة للضغوط الأمريكية الإسرائيلية قام نظام “حسني مبارك” بالبدء في إنشاء حزام عازل بعمق 150 مترًا على حدود رفح كمرحلة أولى لكن المظاهرات حينها أفشلت المشروع قبل أن يبدأ، ثم عاد النظام بعدها بعامين ليبدأ بناء جدار فولاذي بعمق 18 متر تحت الأرض على الحدود لغلق الأنفاق وهي المحاولة التي لم يكتب لها النجاح.

في 2012 وتحت حكم الرئيس المعزول “محمد مرسي” تم تجديد الفكرة عن طريق وزير الدفاع “عبد الفتاح السيسي” الذي أمر بضم أرض مصرية مساحتها تمتد لخمسة كيلومترات داخل غزة إلى ملكية الجيش المصري وإعلانها (منطقة استراتيجية ذات أهمية عسكرية)، بعد عامين وعند صدور مرسوم محلب ستطابق مساحة الأرض المطلوب إخلاؤها وعزلها في المرسوم المساحة التي استحوذ عليها الجيش المصري بقرار السيسي وهو التطابق المثير للكثير من التساؤلات!

تصريحات المسؤولين المصريين قبل وبعد صدور مرسوم رئيس الوزراء في العام الماضي كانت متضاربة، فاللواء أركان حرب “عبد الفتاح حرحور” قال قبل صدوره إن الجيش سيخلي مساحة 500 متر مربع فقط من المدينة، ثم في 17 نوفمبر للعام الماضي صرح الجيش أن العزل سيمتد لكيلو متر مربع كامل، ثم في يناير من هذا العام صرح “حرحور” أن العزل ربما سيعني طرد سكان رفح المصرية وإخلاءها بالكامل، ثم في أغسطس الماضي قال المحافظ أنه تمت زيادة المساحة لكيلو متر مربع ونصف مما يعني على الأرجح تدمير 1200 منزل آخر، وتحليل هيومان رايتس لصور الأقمار الصناعية أثبت أن الهدم توسع لخارج المنطقة التي صرح بها المسؤولون المصريون وهي “500 متر مربع”قبل صدور مرسوم رئيس الوزراء بعام كامل!

في الفترة من يوليو 2013 إلى يوليو 2015 فإن الهجمات المسلحة تسببت بحسب تقارير إعلامية وتصريحات حكومية قام بتجميعها معهد تحرير سياسات الشرق الأوسط في واشنطن بمقتل 3600 شخص من المدنيين والداخلية والجيش المصري، وما يقارب الـ 2650 بنسبة 73% منهم تم قتلهم بعد أول هجوم كبير في أكتوبر من 2014، هذا يعني أن القتال الدائر بين الطرفين (الجيش المصري والجماعات المسلحة) قد يرتقي لمرتبة صراع محلي مما يضع جميع الأطراف المشاركة تحت القانون الإنساني الدولي والذي يعرف بـ “قانون الحرب”.

بحسب هذا القانون فإنه من حق السلطات المصرية اتخاذ كافة التدابير المناسبة لحماية نفسها وقواتها من الهجمات الانتحارية المتوالية سواء بغلق الأنفاق أو اتخاذ إجراءات وقائية لمنع الهجمات قبل وقوعها، لكن هذه التدابير والإجراءات – بحسب التقرير – تخضع لصرامة القانون الدولي الذي يحتم على جميع الأطراف التفرقة بين المقاتلين والمدنيين، وهو ما لم يحدث بحسب المنظمة التي أكدت على أن الجيش كان بإمكانه استخدام أساليب أقل تدميرًا بلا تعدٍ على منازل المدنيين مع استهدافه لأهداف عسكرية محددة.

تمتلك مصر بالفعل القدرة على كشف وتدمير الأنفاق بدون اللجوء إلى النسف التعسفي لمنطقة كبيرة وتحويلها لأرض خراب معزولة تمامًا، فبحسب تقارير إعلامية وبيانات رسمية من وزارة الدفاع الأمريكية فإن فيلق مهندسي الجيش الأمريكي قام بتدريب القوات المصرية على استعمال أجهزة تكنولوجية متقدمة تقيس تقلبات وسمك التربة الأرضية مما يؤدي إلى معرفة أماكن الأنفاق بسهولة، ثم في أغسطس 2013 أعطى البنتاجون لشركة “رايثيون” عملاق صناعة الأسلحة العالمي عقدًا بـ 10 مليون دولار تقريبًا لمواصلة تطوير نسخة الشركة من الرادار الليزري المسؤول عن كشف الأنفاق في مصر!

أما المخالفة الأهم، وفقًا للمنظمة، فهي أنه ما دام القتال في شمال سيناء وصل لمرحلة النزاع المسلح غير الدولي فإن قانون حقوق الإنسان الدولي يلزم الدولة باحترام حق أهالي المنطقة المهجرة في السكن بحسب الاتفاقيات الدولية والأفريقية التي وقعت عليها مصر وتلتزم بها، حيث لا بد من التشاور الحقيقي والإيجابي مع السكان قبل طردهم، وإعطائهم مهلة حقيقية وكافية تمامًا للاستعداد، وتقديم معلومات مفصلة لهم عن الإخلاء وكيفيته وأسبابه والاستخدام المستقبلي لأراضيهم، وتقديم التعويضات المادية الكافية وتوفير مساكن بديلة ومساعدات قانونية بمختلف الأشكال.

كل ذلك لم يحدث بالطبع، بل إن أهالي رفح في أغلب الأحوال كانوا يسمعون عن الإخلاء من وسائل الإعلام أو بيانات الجيش العسكرية، وسعداء الحظ الذين أعطوا مهلة لم تزد بالنسبة لهم عن 48 ساعة فقط لحزم أمتعتهم والمغادرة قبل النسف، وترك عدد كبير منهم تمامًا ليدبروا أحوالهم بأنفسهم، ثم أجبروا على التوقيع على نموذج تعهد بعدم البناء في المنطقة العازلة مرة أخرى أو التواجد فيها وهو التوقيع الذي كان شرطًا أساسيًا لتسليم شيكات التعويضات، التعويضات التي أجمعت أغلب العائلات على أنها لا تكفي لشراء مسكن لائق أو معيشة كريمة فضلًا عن أنها لم تشمل مبلغًا كافيًا مقابلًا للأراضي الزراعية التي تم تجريفها والتي كانت تمثل غالبية مصادر دخول هذه العائلات، ولم يقدم النظام أي بديل للمدارس التي نسفت (6 مدارس نسفها الجيش) وبالتالي توقف العملية التعليمية لعدد كبير من أطفال الأسر المصرية المهجرة قبل أن يلحقوهم بمدارس خارج المنطقة العازلة بواسطة العلاقات الشخصية لا أكثر.

3- تحريض إعلامي

تواصلت الانتهاكات وعمليات الإخلاء اللا إنسانية والتي لم تراع الحد الأدنى من متطلبات القانون الدولي، فيروي أحد الشهود لمندوبي هيومان رايتس أن الجيش استخدم كلابًا مدربة لتخويف السكان أثناء عملية الإخلاء، وفي الأسبوع الأول من نوفمبر للعام الماضي ظهر فيديو في حوزة المنظمة يعرض مشهدًا لدبابة أمريكية الصنع من طراز M60 تقوم بإطلاق قذيفة على منزل حدودي بهدف نسفه، مع فيديو آخر يعرض مشاهد لجنود في الجيش المصري يقومون بالاعتداء على رجلين من أهل سيناء أحدهما واضح الإصابة، كل ما حدث تم ويستمر في ظل إعلام قاهري لا يكتفي بالصمت وإنما يحرض بكل قوته على زيادة ما يحدث عن طريق تلفيق معلومات وصور غير صحيحة.

العناوين الرئيسية للصحف في العام الماضي لم تتحدث مطلقًا عن مأساة التهجير وإنما كان التأكيد بكل الأشكال على وجود أنفاق في كل مكان من “رفح” وهو الأمر غير الصحيح، المصري اليوم عنونت صدر صفحتها الرئيسية بـ (سيناء تضحي من أجل مصر) وتبنت وجهة نظر تؤكد على أن أهالي سيناء تقبلوا الوضع تمامًا بدون اللقاء بأي أحد – بحسب تقرير هام لموقع الخليج الجديد – بينما صدرت الوطن صفحتها بـ (سيناء في قبضة مصر) وكذا اليوم السابع والصحف القومية التي لم يختلف الحال فيها بالتأكيد، ولم يكتف الجميع بذلك وإنما قامت أغلب الصحف بنشر صورة لنفق ضخم تعبره سيارات نقل على أنه نفق اكتشفه الجيش المصري ليتضح فيما بعد أنه نفق ضمن مشروع مترو أنفاق ينفذه الكيان الصهيوني بين تل أبيب والقدس المحتلة، وهو الذي لم تعتذر عنه الصحف كما لم تعتذر أيضًا عن نشر صور قديمة لمخازن أسلحة اتضح أنها من دول أخرى، والحال بالطبع لم يختلف كثيرًا في مختلف البرامج التلفزيونية المصرية التي امتلأت بالخبراء الاستراتيجيين والعسكريين السابقين الذين أصروا على أنه لا يوجد شيء اسمه (تهجير سكان أبرياء) وإنما هم يقومون بإيواء الإرهابيين من سيناء وحماس بحسب زعمهم، في الوقت الذي خرج فيه تقرير لمجلس حقوق الإنسان المصري يؤكد أن (عملية الإخلاء قانونية والتعويضات كانت عادلة).

في النهاية دعت المنظمة العالمية الحقوقية الحكومة المصرية لوقف عمليات التهجير القسري على الحدود مع غزة واستخدام وسائل أقل تدميرًا وأسهل لكشف الأنفاق وردمها، ودعت الولايات المتحدة التي تورد للجيش المصري أغلب معداته العسكرية أن تمارس ضغطًا فعالًا على النظام المصري لوقف الانتهاكات الإنسانية الخطيرة بحق أهل سيناء بدلًا من تأييد ما يحدث، وهو التأييد الذي عبر عنه المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في أواخر أكتوبر من العام الماضي بقوله عن النظام المصري (نحن نفهم التهديدات التي تواجههم في سيناء ومن حقهم أن يتخذوا من الإجراءات ما يحفظ أمنهم) ثم دعت المنظمة مفوض الأمم المتحدة الخاص بالإيواء لزيارة سيناء بشكل عاجل والوقوف على الأوضاع هناك، وهي الأوضاع التي لا يعرف عنها أحد شيئًا لأن القوات المسلحة المصرية تمنع دخول النشطاء والصحفيين والمصورين وأعضاء منظمات المجتمع المدني وكافة الطوائف تقريبًا من الاقتراب من مناطق الأحداث مما يترك الرواية الرسمية فقط ناقلة لما يحدث بمفردها.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.